يبدو ان العملة الاوروبية الموحدة (اليورو)قد تكون أول ضحايا الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بروسيا وقد تجرف معها اقتصاديات الدول الصناعية الى ركود عميق . وقد ظهرت أولى علامات الانذار قبل ايام عندما اضطرت السلطات الاوروبية يوم ذروة الازمة الروسية عندما سرت شائعات ان الرئيس الروسي بوريس يلتسين قدم استقالته الى الاعلان الى المستثمرين الدوليين انه لا توجد خطط لإلغاء اطلاق العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) كما هو مقرر بعد أربعة أشهر فقط من الآن. لكن الدوائر المالية في أوروبا تعترف بأن الموقف صعب فقد كشف الاضطراب الذي يسود الاسواق المالية في العالم الآن ان خمس دول من بين الدول الـ 11 التي تسمى منطقة (اليورو) وهي الدول التي ستتخلى عن عملاتها وتستبدلها بالعملة الموحدة قد لا تستطيع ان تلتزم بالشروط النقدية والاقتصادية للوحدة النقدية الاوروبية. والدول المقصودة هي اسبانيا والبرتغال وايرلندا وفنلندا, وهذه الدولة قد لا تستطيع ان تجعل اقتصادها يلتزم بالشروط النقدية الصارمة التي اتفقت عليها الحكومات الاوروبية في برمنجهام في بريطانيا في مايو الماضي, واول هذه الشروط ان يكون العجز الحكومي أقل من 3% من الناتج المحلي. وهذه الدول الخمس كانت هناك شكوك سابقاً في قدرتها على الالتزام بشروط الوحدة النقدية الاوروبية الصارمة والتي تتطلب ان تكون اوضاع الدول الـ 11 متماثلة من حيث معدلات التضخم ومستويات اسعار الفائدة والعجز العام, لكنها بذلت جهداً كبيراً في العامين الماضيين لتحقيق هذه الاهداف, وساعدها على ذلك الانتعاش الذي بدأ يحدث في الاقتصاديات الاوروبية. الا انه الآن ومع الضغوط المالية التي تفرضها أزمة روسيا والتي تهدد بركود في اوروبا فان الشكوك اصبحت قوية في ان تستطيع هذه الدول تحقيق الاهداف المطلوبة. وحتى الاقتصاديات القوية مثل المانيا ستواجه ضغوطا شديدة اذ ان بون ترتبط بعلاقات مالية وتجارية قوية مع روسيا ودول الكتلة الشرقية السابقة في اوروبا, وفي لندن فان السلطات النقدية تراقب بعناية المصارف التي لها ديون على روسيا وذلك خوفاً من اي تعثرات مفاجئة. وتتردد شائعات عن أن وزراء مالية الاتحاد الاوروبي يدرسون حالياً مدى الحاجة الى عقد اجتماع طارىء لدراسة وضع (اليورو) وذلك قبل الاجتماع المقرر لوزراء خارجية دول الاتحاد في النمسا التي تتولى رئاسة الاتحاد حالياً الاسبوع المقبل. والمشكلة التي يواجهها الاتحاد الاوروبي قبل اطلاق عملته الموحدة هي ان تأثيرات الأزمة الروسية ستكون متفاوتة على الاقتصاديات الـ 11 في منطقة (اليورو) وبالتالي فان مطالبها واحتياجاتها الاقتصادية ستكون مختلفة وهو ما سيضع البنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت امام موازنة هذه المطالب المتعارضة, في الوقت ذاته فان انقاذ الاقتصاد الروسي سيتطلب ضخ مليارات الدولارات الى هناك من الدول الاوروبية وهو ما سيرفع حجم الاقتراض العام فيها عن الاهداف الموضوعة. ورغم هذه الضغوط فان التوقعات ان يفضل الزعماء السياسيين للاتحاد الاوروبي المضي في مشروع (اليورو) خوفا من ان تتلقى الاسواق العالمية اشارة خاطئة بان الاتحاد فشل في مشروعه, وقد يلجأ القادة الى تغيير شروط الوحدة النقدية لتصبح اكثر سهولة من اجل ان يمضي المشروع خاصة في مرحلته الانتقالية في العامين الاولين اللذين سيجري فيهما تداول العملات المحلية جنباً الى جنب مع (اليورو) قبل سحب هذه العملات من السوق. ويجادل البعض بان حجم الاقتصاد الروسي صغير اقتصادياً, وليس له هذه التجارة الواسعة, وهذا صحيح, ولكن التأثيرات السياسية لانهيار الاقتصاد الروسي وامكانية عودة الشيوعيين او القوميين المتطرفين اكبر من ان يحتملها الغرب, كما ان الازمة الروسية لم يكن لها هذا التأثير لو جاءت وحدها, ولكن العالم يواجه ازمات الآن في آسيا, وروسيا, وامريكا اللاتينية في نفس الوقت. وهكذا فانه حتى لو مضت الدول الـ 11 في اطلاق العملة الاوروبية الموحدة في اول يناير المقبل بدون تغيير فان (اليورو) سيبدأ حياته وسط عواصف شديدة.