أكدت دراسة حديثة للصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي ان الاستغلال الشامل لعمليات ربط الشبكات الكهربائية يتطلب ان يتم عبر البلدان العربية ولا يقتصر على مجموعات دول مجاورة فقط, خصوصا ان البلدان العربية من الناحية الجغرافية مهيأة لهذا النوع من الربط الشامل . وأفادت الدراسة (قطاع الكهرباء في الوطن العربي والربط الكهربائي) التي أعدتها ميرفت بدوي نائب مدير الدائرة الفنية بالصندوق: ان الدول العربية شهدت في العشرين عاما الاخيرة تطورات هائلة ومتسارعة في مجال الكهرباء حققت قفزة نوعية من الطلب عليها فاق الطلب الاجمالي للطاقة بينما ازداد الطلب على الطاقة بمعدل 7.1% اذ بلغ 5.5 ملايين برميل مكافىء نفط عام 1997 مقارنة بحوالي 1.3 مليون برميل مكافىء نفط عام 1975. أما الطلب على الكهرباء زاد من حوالي 22 ألف ميجاوات ساعة الى نحو 307 آلاف ميجاوات ساعة أي بنسبة 13.4% في ذات الفترة. تسارع ونمو وأعادت الدارسة التسارع في معدلات نمو الطاقة الكهربائية مقارنة بالاستهلاك الاجمالي للطاقة الاولية الى الاهتمام المتزايد الذي اعطته الحكومات في الدول العربية لإقامة الصناعات الأساسية خصوصا الصناعات البتروكيماوية في الدول النفطية, وكثيفة الاستخدام للطاقة الكهربائية مثل الحديد والصلب, والالمنيوم, والاسمنت فضلا عن تلبية حاجة المواطنين الاساسية والتوسع في الشبكات الكهربائية ومدها الى المناطق الريفية والنائية التي لم تكن تصلها من قبل وربط الشبكات داخل القطر الواحد. وذكرت الدكتورة ميرفت بدوي ان الدول العربية أدركت العلاقة الوثيقة بين معدل نمو قطاع الكهرباء ومعدلات نمو الدخل مما زاد قيمة الاستثمارات التي رصدت لهذا القطاع في خطط التنمية التي غطتها اذ بلغت نحو و33.2 مليار دولار في فترة السبعينات نفذ منها حوالي 85%, والثمانينات 130 مليار دولار, والنصف الأول من التسعينات تقدر بــ 180 مليار دولار, مشيرة الى ان ارتفاع التكاليف الرأسمالية اللازمة لإنشاء محطات التوليد, وكذلك ارتفاع تكاليف الوقود اللازم لتشغيل هذه المحطات الذي اصبح يشكل 90% من تكاليف التشغيل, فرض ترشيد المنظومات الكهربائية من خلال رفع كفاءة التوليد والحد من الفاقد في عمليات النقل والتوزيع وتنظيم الاحمال الكهربائية واستغلال الطاقات المائية المتاحة وتنفيذ مشاريع الربط الكهربائي. ونوهت الدراسة الى ان التبادل في المستقبل في المنطقة العربية لن يقتصر على التبادل بين قطرين اثنين, بل يتعداه ليشمل بلدانا لا تملك بالضرورة حدودا مشتركة, كما انه بالامكان ان يتم التبادل بين الدول الاوروبية من خلال اسبانيا والمغرب والجزائر وتونس والجماهيرية الليبية ومصر, اذا ما استكمل تنفيذ المشاريع الاخرى, فضلا عن امكانية تبادل الطاقة بين الدول العربية والدول الاوروبية بطريقة دائرية عن طريق اسبانيا من ناحية وتركيا من ناحية اخرى. خطط وقطاع وشددت الدراسة على اهمية زيادة الدول العربية والخليجية الاعتماد على القطاع الخاص في تنفيذ الخطط الاستثمارية وتمويل المشاريع وبصفة خاصة اتجاهها الى اللجوء الى التمويل والتشغيل عن طريق نظام الــ Bot أو Boot أي البناء والتشغيل ونقل الملكية والتركيز على الربط الكهربائي لما يحققه من ترشيد لاستخدام الطاقة, فضلا عما تحققه من منافع استراتيجية في حالة فقدان التيار الكهربائي في احدى الشبكات المرتبطة, وتقديم النجدة في حالات الطوارىء وتحسين وتقوية الانظمة المرتبطة. اذ من المتوقع ان يقل احتمال فقدان الاحمال عنه في حالة الانظمة غير المرتبطة. وأشارت الدراسة الى المنافع الاقتصادية التي تنجم عن الربط وفرض التكاليف الرأسمالية والتكاليف التشغيلية لتوليد الطاقة الكهربائية لمقابلة مستوى معين من الطلب, مشيرة الى ان الوفر من التكاليف الرأسمالية يعود الى تخفيض احتياطي التوليد اللازم من الشبكات المرتبطة مقارنة بالشبكات المنفصلة مع الاحتفاظ بنفس المستوى من الوثوقية. وقدرت الوفر الممكن من تلك الاستثمارات بالنسبة لكافة الدول العربة نحو 10.150 مليارات دولار منها 9.150 مليارات دولار في المشرق العربي و500 مليون دولار في المغرب العربي, محققا فرصا من الاستثمارات اللازمة تصل الى نحو 4.150 مليارات دولار منها 3.650 مليارات دولار بالنسبة للمشرق العربي, و500 مليون دولار في المغرب العربي. تباين وترابط وأعادت الدراسة التباين الكبير في الوفر الناجم عن الربط بين دول المشرق والمغرب العربي الى ثلاثة أمور الأول ان هناك ربطا قائما فعلا ويتم استغلاله بصورة جيدة بين ثلاث دول من المغرب العربي (المغرب, تونس والجزائر), والثاني يعود الى صغر حجم المنظومات الكهربائية في المغرب العربي, اما الثالث فهو ان مشاريع الربط المنجزة وقيد التنفيذ في المغرب العربي تعتمد على تردد 220 كيلوفولت لخطط الربط, واقترحت ان يكون من الافضل في مرحلة لاحقة رفع توتر خط الربط الى 400 كيلوفولت وهو التوتر النمطي الذي تم اعتماده للمشرق العربي أو 500 كيلوفولت. وبالنسبة لوفر التكاليف التشغيلية نوهت الدراسة الى انها تأتي عبر التخطيط المسبق لتبادل الطاقة وإدارة وسائل الانتاج بصورة اقتصادية باختيار أرخص الوحدات وفق الاحمال والتبادل الاقتصادي للطاقة اعتمادا على فرق التكلفة العدية من المنظومات المرتبطة ويختلف الوفر باختلاف حجم التبادل ونوعيته. وزادت الدراسة الى ان هناك وفرا آخر (ثالث) يحققه الربط الكهربائي وهو الناجم عن تحسين الاعتمادية والوثوقية للشبكات المرتبطة وبالتالي تخفيض احتمال الفقدان الكامل للاحمال عن 0.2 يوم في السنة وهو المستوى الذي تتخذه معظم الشبكات العربية في تخطيطها للتوسع الامثل. واقترحت الدراسة لزيادة الوفر الربط بين الدول العربية وأوروبا الغربية والشرقية وافريقيا وتبادل الطاقة بصورة كاملة بين المنظومات العربية والاوروبية وافريقيا واستغلال خطوط الربط الجاري تنفيذها خاصة المغربي الاسباني, والتونسي الايطالي وربط دول شمال المشرق العربي مع تركيا وكذلك الربط الجاري دراسته بين دول حوض البحر المتوسط, علما ان الربط مع زائير يتطلب وقتا واستثمارات كبيرة, الا ان مردوده المتوقع كبير ايضا, خصوصا انه سيعتمد على طاقة مائية رخيصة ونظيفة. أسس اقتصادية وشددت ميرفت بدوي على ان اي خيار للربط لابد وان يكون مبني على اسس اقتصادية ومالية وفنية سليمة وان تكون هناك الرغبة السياسية الاكيدة لتحقيق أقصى المنافع المرجوة منه, ولحل المشاكل التي قد تترتب عن الربط من تسعير الكهرباء ورسوم العبور, وملكية المنشآت وصيانتها, فضلا عن ان ارسال شبكتين للكهرباء والغاز احد الامور الاساسية للربط العضوي للبنى الاساسية بين الدول العربية وتعظيم المنفعة المشتركة للدول الاطراف في الربط في مرحلة يكثر فيها الكلام عن ربط مداري الدول المطلة على البحر المتوسط بها وعن سوق شرق أوسطية للطاقة. وحذرت نائبة مدير الادارة الفنية بالصندوق من عدم تعاون الدول العربية في ربط شبكاتها ليكون لها وجود قوي من أي ربط اشمل بحيث لا تذوب في مجموعات ربط أكبر. ويكون لها ميزة تفاوضية فعالة في مجال تحديد الأسس والأسعار التي سوف يتم بموجبها تبادل الطاقة والقدرة مع غيرها والتوصل بالتالي الى مكاسب متوازنة وعادلة. وقدرت الدراسة تكاليف ربط دول مجلس التعاون الخليجي ان تصل الى نحو 925.1 مليار دولار بأسعار 1991 منها 381.1 مليار دولار لتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع و544 مليون دولار للثانية, بينما يحقق وفرا يصل الى نحو 341.3 مليارات دولار تمثل الوفر الاحتياطي فقط, اضافة الى منافع كثيرة أخرى تنتج عن تنفيذ المشروع نتيجة للتبادل الاقتصادي للطاقة وتخفيض الاحتياطي الدوار, وهي ليست مأخوذة في الاعتبار عن قياس المنافع وعولت الدراسة نجاح الربط بين دول الخليج الست الى انها تتميز بمنظومة كهربائية تعتمد أساسا على الطاقة الحرارية, وتمثل الطاقة الكهربائية أهمية خاصة لها نظرا للظروف المناخية واعتمادها على عدد من الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة الكهربائية (6000 كيلواط/ساعة) وتشابه وحدات الانتاج بها من حيث الحجم والنوع, كما انها تعتمد في معظمها على توترات نمطية بالنسبة لشبكات النقل عدا السعودية التي يتركز فيها الثقل الكهربائي بالنسبة للدول الست, اذ تصل القدرة المركبة والطاقة المنتجة فيها الى ما بين 52 الى 60% من اجمالي القدرة والطاقة المنتجة في دول مجلس التعاون الخليجي. اقتراح وخيارات واقترحت الدراسة أربعة خيارات للربط, الأول ربط كل من الكويت والبحرين وقطر والسعودية بخط عالي التوتر 400 كيلوفولت بطول اجمالي 990 كيلومترا يصل بين محطة الترور في الكويت الى غوتان في شرق السعودية, وبطول 370 كيلومترا ثم الى الجسرة في البحرين والى سلوى ثم الدوحة في قطر بطول 30 كيلومترا و250 كيلومترا على التوالي, ثم الى طارف في الامارات العربية المتحدة بطول 370 كيلومترا. والثاني, ربط الامارات بعمان بخط توتر 275 كيلوفولت بطول 350 كيلومترا من العين الى بركة, والثالث من محطة غنان بالسعودية شرق بخط الربط الرئيسي 400 كيلوفولت, والرابع اقامة مركز تحكم لضمان سلامة نظام الربط ومراقبة الاستفادة من الربط والقيام بتنظيم الترددات والتبادل وجدولة المعاملات وتسجيلها وتنسيق تشغيل الربط بما في ذلك جدولة للصيانة اللازمة لنظام الربط وتشغيل تجهيزات النقل بالنسبة لنظام الربط, وميزت الدراسة ذلك لأنه يحتوي على أقل قدر ممكن من استخدام التيار المستمر للربط, ويحقق أفضل مزايا له مع النظام الكهربائي للسعودية, فضلا عن كون متطلبات التحكم فيه أقل تعقيدا خصوصا انه لا يحتوي سوى على محطة واحدة لتحويل التيار ويسمح بربط الدول الست بعضها ببعض وتبادل للطاقة ثنائي أو أكثر دون اللجوء الى طرف آخر, كما انه يشكل عصبا أساسيا لربط دول الخليج العربي بباقي الدول العربية في المشرق. وطول الخط على التيار المستمر محدد مقارنة بالخيارات الأخرى. القاهرة ــ حسين عبدالهادي