يصف بعض المحللين الأزمة الروسية الحالية التي أطاحت ببورصات العالم بأنها كارثة تشرنوبيل جديدة ولكنها مالية هذه المرة, فهبوط الروبل الروسي أصبح حرا وبدون قيود وقيمة الأصول تتآكل هناك بسرعة , وتبخرت معها حوالي 39 مليار دولار من أموال المستثمرين الأجانب, والتأثير السياسي والنفسي للأزمة على بقية العالم أكثر قوة من التأثير الاقتصادي, ولا أحد لديه حل خاصة ان صندوق النقد الدولي الذي يكافح على أكثر من جبهة حاليا استنفذ وصفاته. وظهر تأثير الأزمة الروسية واضحا على بقية أسواق العالم, واضطر الاتحاد الاوروبي الى نفي شائعات سرت بسرعة في الأسواق بأنه قد يؤجل اطلاق العملة الأوروبية الموحدة في بداية العام المقبل كما هو مقرر في ضوء الاضطراب الحالي في الأسواق المالية العالمية. وقد أوقف حدوث انهيار كامل يوم الجمعة ذروة الأزمة اعلان الرئيس الروسي بوريس يلتسين انه باق في منصبه حتى مد ةولايته عام 2000 بعد شائعات قوية بأنه وقع خطاب استقالته وذلك بعد ان طرد الحكومة التي لم يكن قد مضى عليها سوى شهور معدودة وأعاد فيكتور تشيرنوميردين الى رئاسة الحكومة قائلا انه خليفته, وكانت الساعات التي سبقت اعلان يلتسين دراماتيكية, فقد وقف رجال شرطة مسلحون في مطار موسكو خلف رجال الجمارك لينزعوا من الروس المسافرين الى الخارج مجوهراتهم والذهب والعملات الصعبة. وتصرفت البنوك الروسية بسرعة لتوقف كل المشتروات ببطاقات الائتمان المصرفية في ضوء تجربتها مع أفراد الطبقة الوسطى في روسيا الاذكياء الذين اشتروا بكثافة في الماضي ببطاقات الائتمان تحسبا لتدهور العملة. وفي حين ان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أعلن عزمه السفر الى موسكو كما هو مقرر يوم الثلاثاء المقبل, بينما أكد مستشاره للأمن القومي صمويل بيرجر ان أمريكا لديها مصلحة استراتيجية هامة مع روسيا أرسلت الدول الصناعية السبع الكبرى رسائل الى روسيا تتعهد فيها بدعمها اذا استمرت على خطوات الاصلاح الاقتصادي. تأثير مدو لكن تأثير الأزمة كان مدويا في الأسواق المالية العالمية, فقد هبط الذهب بشدة وتراجعت الأسهم في طوكيو في نهاية يوم الجمعة الى أدنى مستوياتها منذ 12 عاما, وسجلت بورصات الأسهم في أوروبا خسائر ثقيلة. واضطرت هونج كونج الى ضخ سبعة مليارات دولار من احتياطاتها الاجنبية في سوق الأسهم لمنع مؤشر الاسهم في البورصة من الهبوط عن مستوى 7800 نقطة وذلك في مضاربات حادة على عملتها. وبينما قالت بنوك أمريكية ان خسائرها في الأزمة الروسية يمكن ان تصل الى ثمانية مليارات دولار فإن من الواضح هو ان الأسواق الناشئة في العالم هي أكثر المتضررين من الأزمة الروسية بسبب اهتزاز ثقة المستثمرين. ويقول محللون ان الأسواق الناشئة ستدخل في فترة سبات عميق لفترة طويلة قد تمتد الى عامين من الآن. وكان تأثير الأزمة الروسية واضحا في وول ستريت على الأسهم الأمريكية في الأيام الثلاثة الأخيرة من الاسبوع, فبينما ارتفع بشكل متواضع مؤشر داو جونز المؤلف من 30 سهما صناعيا ممتازا 96.32 نقطة يوم الاثنين و04.36 نقطة يوم الثلاثاء تراجع 30.79 نقطة يوم الاربعاء مع بدايات الانهيار, لكنه في ذروة الأزمة يوم الخميس خسر 36.357 نقطة وهو أكبر هبوط له خلال يوم هذا العام وثالث أكبر هبوط له في يوم في تاريخه, ويوم الجمعة خسر 31.114 نقطة أخرى ليقفل على مستوى 68.8051 نقطة وهو أدنى اقفال له منذ فبراير الماضي نتيجة موجة بيع واسعة في تعاملات قياسية وصلت الى مليار سهم في اليوم الواحد. وكان مؤشر داو جونز استطاع تجاهل الأزمة في آسيا خلال الفترة الماضية من العام الحالي رغم ان مؤشرات الأسهم الأخرى أظهرت قلقها, ولكن داو جونز لم يستطع تجاهل أزمة روسيا. وقاد عمليات البيع في الأسهم في وول ستريت أسهم البنوك التي يعتقد انها ستكون أكبر المتأثرين بالأزمة في روسيا. مخاوف وانتقال ورغم ان الأزمة في آسيا ثم في روسيا حاليا ومقدمات الاضطراب في أمريكا اللاتينية دفعت بالمستثمرين الدوليين الى تحويل أموالهم الى السوق الأمريكية والأوروبية, فإن المحللين لا يستبعدون ان ينتقل الانهيار الى أسواق الدول الصناعية الأخرى بفعل التأثير المتبادل والمخاوف السياسية رغم صغر حجم الاقتصاد الروسي بالنسبة الى اقتصاد أمريكا أو الاقتصاديات الأوروبية. وفي لندن خسر مؤشر فايننشال تايمز المؤلف من 100 سهم بريطاني ممتاز 6.227 نقطة ليقفل في نهاية الأسبوع على 4.5249 نقطة. وقد شهد تقلبا حادا يوم الجمعة, اذ كان انخفض صباحا 8.259 نقطة مؤديا الى خسائر تبلغ 44 مليار جنيه استرليني في القيمة السوقية للشركات الكبرى, ولكنه تماسك في فترة ما بعد الظهر ليقلص خسائر في حدود 116 نقطة فقط يومها. وقدر المحللون في لندن بأن روسيا استطاعت ان تحدث تدميرا أكبر في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عندما انضمت اليه أكثر مما استطاعت ان تفعله عندما كانت شيوعية وتعادي هذا النظام الرأسمالي. وكان تأثير الأزمة الروسية واضح ايضا على الأسهم البريطانية, اذ تراجعت 109 نقاط يوم الاربعاء, و176 نقطة يوم الخميس و119 نقطة يوم الجمعة وهي الأيام التي تصاعدت فيها دراما الأزمة الروسية. ووفقا لما يقوله المحللون فإن الاقتصاد الروسي قد لا يكون له هذا الحجم الكبير المؤثر, وحتى البنوك البريطانية ليس لديها الكثير من القروض لروسيا, ولكن ترافق الأزمة الروسية مع أزمة آسيا واحتمالات ان تلجأ الصين الى خفض عملتها وعملة هونج كونج, كل هذا مع بعضه يؤدي الى سيناريو أسود في الأسواق. القصة نفسها تكررت في البورصات الأوروبية الأخرى التي تعرضت الى خسائر ثقيلة خلال الأسبوع الماضي, فقد خسرت الأسهم الألمانية في فرانكفورت 1.5% من قيمتها ليقفل مؤشر داكس المؤلف من 30 سهما ألمانيا رئيسيا على 80.4925 نقطة, بينما خسرت الأسهم في باريس 6% من قيمتها ليقفل مؤشر كاك المؤلف من 40 سهما فرنسيا رئيسيا على 97.3908 نقطة. وخسرت الأسهم في أثينا 8.18% من قيمتها في مدريد 8.11% وزيوريخ 2.8% وهلسنكي 2.7% وميلانو 7.6% وامستردام 3.3% وستكهولم 6.6%. نيكي يخسر وفي آسيا خسر مؤشر نيكي للأسهم المؤلف من 225 سهما يابانيا ممتازا في طوكيو 9%, منها 5.3% يوم الجمعة وحده, ويقفل المؤشر على 6.13915 نقطة, وهو أدنى مستوى له منذ 12 عاما. وتكررت القصة في بقية آسيا, اذ خسرت الأسهم في جاكرتا 6.12% من قيمتها خلال الأسبوع, وفي بانكوك 8.8%, وفي تايبيه 8.6%, وكوالالمبور 8.6%, وسنغافورة 1.5%, وسيدني 5.4% وسيؤول 2.2%. وكانت البورصة الوحيدة التي ارتفعت هونج كونج بنسبة 4% خلال الأسبوع بسبب شراء السلطات الأسهم في محاولة لمنع انخفاض العملة. وعلى صعيد العملات كان الأسبوع ايضا من أشد أسابيع بيع العام اضطرابا, وبعد ارتفاع الدولار في بداية الاسبوع عاد الى التراجع قليلا في نهايته لصالح المارك الألماني بعد ان شعر المستثمرون انه ليس عملية ملاذ آمن كافية في ضوء تدهور الأسهم في وول ستريت بسبب الأزمة الروسية والاحاديث عن احتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية. وبرز الفرنك السويسري على حساب الدولار, وارتفع الى 459.1 فرنك لكل دولار و821.0 لكل مارك ألماني. وارتفع المارك الألماني الى 776.1 مارك لكل دولار, بينما بلغ سعر الاسترليني 661.1 دولار لكل جنيه. وكان الين الياباني حائرا, فبعد ان ارتفع يوم الاربعاء الى 140 ينا لكل دولار, عاد للتراجع يوم الجمعة الى 3.143 لكل دولار. انخفاض الفائدة وقد أدت تدفقات رؤوس الأموال الى سندات الخزانة الأمريكية هربا من الأسواق المضطربة الى انخفاض الفائدة على سند الخزانة طويل الأجل مدة 30 عاما الى 3.5% وهو أقل مستوياته منذ فترة طويلة. على صعيد السلع والمعادن هبط سعر الذهب الى أقل مستوياته منذ 19 عاما بخسارة بلغت 30.10 دولارات خلال الأسبوع ليبلغ سعر الأوقية في نهاية يوم الجمعة 15.275 دولارا. وجاء ذلك بسبب شعور الأسواق ان روسيا وهي من كبار المنتجين العالميين للذهب تستخدم احتياطاتها منه في اتفاقيات مقايضة. كما أبدت السوق قلقها من تدهور عملات منتجين كبار للذهب مثل استراليا وجنوب أفريقيا وكندا. وخسرت الفضة ايضا 87.25 بنسا بريطانيا في سعرها لتقفل على مستوى 82.289 بنسا للأوقية. وهبط سعر الألمونيوم 11 دولارا خلال الأسبوع الى 1335 دولارا للطن, والنحاس 27 دولارا الى 5.1653 دولارا للطن. وهبط سعر النفط الى حدود 12 دولارا للبرميل مع مخاوف من زيادة انتاج النفط في روسيا في محاولة للخروج من أزمتها. وأنهى خام برنت الاسبوع على سعر 35.12 دولارا للبرميل تسليم اكتوبر, بينما بلغ سعر خام دبي 30.12 دولارا للبرميل. لندن ــ البيان