تظل اي محاولة لتقديم رؤية متماسكة لملامح ساحة أسواق الذهب بعيدة عن الحد الادنى المعقول من التكامل مالم تتعرض لطرفي معادلة على جانب كبير من الاهمية الطرف الاول هو أبرز الاسواق التي تعيد دبي تصدير الذهب اليها والطرف الثاني هو الدول المنتجة للذهب الذي تتعامل فيه دبي استيرادا وتصديرا وتصنيعا . هكذا فان من الطبيعي ان نبادر في هذا الملف الى القاء الضوء على المشهد كما يمتد أمامنا في السوق الهندية التي استهلكت في العام الماضي وحدة 570 طنا من الذهب مقارنة بــ 396 طنا استهلكتها أوروبا في العام نفسه وذلك في ذروة عقد بكامله من الازدهار في هذه السوق. ولكن ما هو بالضبط تأثير قرارات تحرير التجارة على هذه السوق؟ وهل صحيح ان هناك توقعات بتراجع الحكومة الهندية عن هذه القرارات؟ وما هي تقديرات المحللين الدوليين لتأثير هذه القرارات على اعادة تصدير الذهب من دبي الى الهند؟ وهل ستستمر الهند في المدى البعيد في القيام بدور السوق الكبيرة التي تستقطب الذهب في استمرار لتقاليد تم تكريسها عبر آلاف الاعوام؟ أم أن هناك تغيرات يمكن رصدها على هذا الصعيد؟ من ناحية اخرى, اذا كانت سويسرا تحتل المرتبة الاولى بين الدول المصدرة للذهب الى دبي وتليها بريطانيا فان المعلومات غزيرة ووفيرة عن الوضع في هاتين الدولتين ويبقى السؤال هو: ولكن ماذا عن الدولة التي تحتل المرتبة الثالثة في هذه القائمة؟ ماذا عن جنوب افريقيا؟ هذه النوعية من الاسئلة تستمد أهميتها مما يجري على ساحة انتاج الذهب في جنوب افريقيا من ناحية وعلى الاهتمام المتبادل بين دبي وجنوب افريقيا بتطوير التعاون بينهما في ميدان الذهب من ناحية اخرى خاصة مع التصاعد الكبير في دبي للاتجاه الى التصنيع. ولكن هل صحيح ما يقوله بعض المراقبين من أنه مالم تحدث ثورة تحديث حقيقية فان خطر الاندثار سيحيق بعدد كبير من مناجم الذهب في جنوب افريقيا؟ والى اي حد يبدو منطقيا تشبي الوضع السائد هناك بأزمة صناعة الذهب الكبيرة في عام 1890 بآثارها التاريخية الخطيرة؟ والى أين وصلت جهود مجموعات شركات الذهب في جنوب افريقيا في تدارك الموقف؟ هذا كله تتصدى (البيان) لالقاء الضوء عليه لتتيح رصيدا من المعرفة الدقيقة تضعه في خدمة جهود الانطلاق قدما بأسواق الذهب في الامارات والاتجاه الى التصنيع وهو اتجاه لابد أن يستند الى معرفة دقيقة ووثيقة بكافة المتغيرات المحيطة بالمعدن الثمين. تعد الهند من اكبر اسواق الذهب والفضة في العالم, وقد تغلغل هذان المعدنان في مناحي مختلف الحياة هناك ابتداءً من مهر العروس, ومرورا بأعياد الميلاد وانتهاءً بالطقوس الدينية في بلد يحفل بالأديان والاعتبارات المتعلقة بالنظام الاجتماعي الذي لا تنقصه الصرامة. ويبدو أن العقد الماضي كان بمثابة العقد الذهبي للمعدن الثمين في الهند, فكانت المواسم الزراعية جيدة والمحاصيل وفيرة, مما أنعش استهلاك الذهب, خاصة في الأقاليم الريفية, حيث تدفع زعزعة الثقة بالحكومة الناس الى اكتناز الذهب والفضة مفضلين هذه اللون من الادخار على الايداع الاستثماري في البنوك, ان وجدت بنوك أصلا في تلك المناطق النائية. والذهب في الهند, علاوة على هذا, رمز اجتماعي تصفه احدى نساء الهند في تعبير عميق عن مدى اهمية هذا العنصر في الوعي الاجتماعي الهندي, حيث تقول (حين أتجمل بحليي ومصوغاتي الذهبية فإني اعلن بذلك للعالم اجمع عن اعتزازي بأني عملت طيلة حياتي بكدي وتعبي. هذه الثروة تمنحني الشعور بالأمان. ويسري الشعور ذاته الى الأبناء والاحفاد) . ويؤدي الذهب دورا مهما في اطار الطبي الشعبي الهندي, حيث جرى العرف على استخدام مسحوق الذهب على شكل ذرور ممزوجا بالاعشاب لعلاج حشد واسع من الامراض تتراوح بين التهابات الكبد الى الامراض النفسية وخاصة الاكتئاب. ثلاثة عوامل تحكم الاستهلاك ويوجد في الهند ما يزيد على 9 آلاف طن من الذهب مكتنزة بصورة او بأخرى, وكنوز الذهب هذه تشكل المجوهرات الجزء الاكبر منها, وتوفر احتياجات هذا السوق شبكة من التجار يزيد عددهم على 25 الف تاجر, مهمتهم ايصال هذه السلعة الثمينة لعشاقها سواء في القرى أو المدن. ويفضل المجتمع الهندي الذهب من عيار 22 قيراطا لنقائه, وقد قفز استهلاك الهند من الذهب العام الماضي ليصبح الاعلى في العالم بلا منازع, فبلغ 570 طنا, مرتفعا بذلك عن 402 طنا في عام ,1996 وجاء ترتيب الاتحاد الاوروبي ثانيا في هذا المجال, الا أن الفرق شاسع بين الاستهلاكين, اذا لم يتجاوز استهلاك أوروبا من الذهب بحسب تقارير مؤسة (جولد فيلدز مينرال سرفسيز) 396 طنا. وجاء في التحليل الذي أصدرته هذه المؤسسة الاستشارية اي هناك ثلاثة عوامل لعبت دورها في ايجاد هذا الاقبال الشديد على استهلاك الذهب في الهند خلال العام الماضي وزيادة الطلب عليه: فالمواسم الزراعية الخصبة انعشت القوة الشرائية لدى الكثيرين, وهناك ايضا السياسات الحكومية الرامية الى تنشيط النمو الاقتصادي عن طريق انتهاج استراتيجية تحرير التجارة من جهة تشجيع الزراعة من جهة اخرى, وهناك أخيرا التراجع العالمي المتواصل في أسعار الذهب, الذي وصل بها الى مستويات لم يكن من الممكن تصورها قبل سنوات قلائل. وكانت الحكومة الهندية قد عمدت في اكتوبر الماضي الى تخفيف القيود المفروضة على استيراد المعدن الثمين متيحة بذلك حرية واسعة لاول مرة لحوالي 11 شركة مختارة لشراء كميات كبيرة من الذهب لتلبية احتياجات تجارة التجزئة في السوق الهندية. وشكل هذا الاتجاه في جانب من أهدافه محاولة لاجهاض نشاطات التهريب, كما كان خطوة نحو جعل الروبية الهندية قابلة للتحويل بالكامل, وتشير بعض الاحصائيات الى أن هناك حوالي 120 طنا مما تستهلكه الهند من الذهب يأتي عن طريق التهريب. وكان يسمح في الماضي لبعض المؤسسة الحكومية والبنوك وحدها باستيراد الذهب لبيعه في أسواق اعادة تصدير المجوهرات الهندية, أما الاطراف الاخرى فكان يتعين عليها الحصول على تراخيص خاصة للاستيراد, وهي مسألة احاطت بها عقبات كثيرة. وجاءت هذه الخطوة الحكومية في أعقاب تحرك سابق قامت به الحكومة الهندية لتخفيف القيود المفروضة على الرعايا الهنود المقيمين في الخارج بشأن استيراد الذهب, حيث سمحت لهم بزيارة الهند ومعهم كميات أقصاها 10 كيلو جرامات من الذهب لكل منهم, الا أن هذا التخفيف في مجال الاستيراد الشخصي كان باهظ الكلفة, نظرا لما كان هؤلاء المستوردون يتكبدونه من رسوم جمركية عالية. تعزيز مكانة دبي وعلى الرغم من ان هذا الاتجاه كان يمكن اي يؤثر جزئيا على مكانة دبي باعتبارها أكبر بوابات عبور الذهب الى الهند, الا ان رصد آثار تلك السياسة اظهر ان دبي عززت موقعها في هذا المجال, على الرغم من ان مزيدا من الذهب اصبح يستورد مباشرة الى الهند. غير أن الحكومة الهندية التي تتولى مقاليد السلطة حاليا. أشارت الى امكانية التراجع عن كثير من سياسات تحرير التجارة, التي تم تبنيها خلال السنوات القليلة الماضية. كما أن الاعلان من خلال الميزانية الوطنية للهند عن رفع تعرفة الاستيراد ورسوم الجمارك بنسبة تصاعدية حسب حجم الاستثمار آثار قلق اوساط هذه الصناعة. واستفاد الذهب كذلك من ارتفاع اسعار الفضة نسبيا العام الماضي, مما دعا جموع المشترين التقليديين للفضة الى التحول عنه الى المعدن الاصفر, كما عانت اسعار الذهب من هبوط مستمر خلال العام الماضي اثر دراسات طرحها بعض المحللين الاقتصاديين شككوا من خلالها بدور الذهب وأهميته التقليدية باعتباره احد المحاور المهمة في الاقتصاد, وفكرت البنوك المركزية آنذاك ببيع أرصدتها الاحتياطية من الذهب. ويشير تقرير مؤسسة (جولد فيلدز مينرال سرفسيز) الاستشارية الى ان الطلب الكبير على الذهب في الهند العام الماضي تأثر بشكل رئيسي بالاتجاه التراجعي لاسعار الذهب عالميا, اكثر من كونه انعكاسا للرخاء الذي شهده المجتمع الزراعي في الهند, او لجودة المحاصيل, او حتى لانتعاش مواسم الزواج والمهرجانات. كما لعبت أزمة آسيا الاقتصادية دورها عن طريق غير مباشر اذ زادت في زعزعة الثقة في الاستثمار في البنوك والبورصات وأحيت نزعة الادخار الذهبي. والسؤال المطروح الآن هو: هل ستواصل الهند هيمنتها على الاستهلاك في اسواق الذهب؟ انقاذ منتجي الذهب يميل بعض المحللين الى الاعتقاد بأن الهند سوف تكون مثابة المنقذ الاكبر لمنتجي الذهب الذين تجهمت الاسواق في وجوههم, وانحسر الطلب على سلعتهم في بعض أرجاء العالم التي ليس من بينها, بالطبع, الهند. غير أن مجموعة اخرى من المراقبين ترى أن من المجازفة تعليق آمال كبار على استمرارية الاوضاع الراهنة لفترات طويلة والرهان على حفاظ الطلب على قوته بتأثير عناصر اجتماعية, املاها نظام الفئات في الهند وضرورات مهور العرائس. ويشير هؤلاء المراقبون المشككون بدوام العصر الذهبي للمعدن الثمين في الهند الى أن العقد الماضي كان استثنائيا ومتفردا في مسألة تحقيق المعادلة المتكاملة بين الدخول العالية والاسعار المعقولة, ومن هنا فان المنطق التجاري يقول بأن العوامل التي تضافرت لتجعل الأمور تمضي متخذة منحى صاعدا الى الذروة قد حان وقت توقع انحدارها, وبدأت مسيرة الهبوط. ولايزال الجدل محتدما في اوساط صناعة الذهب حول الآفاق المستقبلية لهذه الصناعة التي تتحكم بمقدراتها شركات تعدين محافظة ضخمة, ويركز محللون آخرون على أنه من الصعب تصور تحول الجماهير الهندية عن تراث راسخ الجذور في اعماق شخصيتها والتنكر للذهب باعتباره سلعة ادخارية واستثمارية فضلا عن كونه رمزا وشعارا أو حلية فارتباط الهنود الثقافي بالذهب وطيد جدا, لذا فإنه حتى في اوروبا والولايات المتحدة وكندا تقبل الجاليات الهندية هناك على استهلاك الذهب بصورة تفوق بكثير استهلاك اهل تلك البلاد التي يقيمون في كنفها من الانجلوساكسون. وتأثيرت التغيير الحضاري على مستوى العادات والموروثات الشعبية تكاد تنحصر في دائرة صغيرة جدا هي بعض المدن التي بلغت مرحلة متقدمة من التطور, واما البقاع الريفية فما تزال بعيدة جدا عن حمى التنكر للذهب الاصفر, الذي ماتزال ترى فيه ملاذها الادخاري الأمن الذي يقيها عثرات المستقبل. ومايزال معظم المراقبين حذرين في حكمهم على اسعار الذهب المتوقعة لباقي العام الحالي كما ان المحللين يلتزمون جانب الحذر في توقعاتهم بشأن محافظة الطلب الهندي على الذهب على قوته في المستقبل. ووسط توقعات بانخفاض مستقبلي لقيمة الروبية الهندية وفي غمرة استكشاف مدى تأثير رفع رسوم الاستيراد مؤخرا فإن الاحتمالات قوية بتراجع الطلب الهندي (قليلا على مستوياته العام الماضي. المشهد في جنوب افريقيا واذا انتقلنا الى المشهد كما يبدو في جنوب افريقيا فإننا نلاحظ ان صناعة تعدين الذهب هناك تجتاز حالة مخاض مضطربة لم يسبق لها مثيل, منذ اكتشف الذهب هناك اول مرة في وايت ووترزراند قبل 112 عاما مضت. وقد عقد ديفيد جيس محلل شؤون الذهب لدى مؤسة ميريل لينش العالمية في جوهانسبرج مقارنة مؤخرا بين الازمة الحالية الناجمة عن هبوط اسعارالذهب وبين الاهوال والمصاعب التي واجهت هذه الصناعة في عام 1890 حين بلغ التطاحن على حصص السوق اشده, ووجدت شركات التعدين نفسها عاجزة عن المضي في عمليات استخراج الذهب من فلترات وايت ووترزراند بكلفة معقولة . ونجت شركات التعدين يومها باعجوبة من انهيار محقق, اذ تم انقاذها من خلال اكتشاف تقنية تستخدم السيانيد لاستخلاص المعدن النفس وها هي هذه الصناعة تقف اليوم على مفترق طرق صعب وهي بأمس الحاجة الى ثورة تحديث جذرية تعيد النظر بأوضاع هذا القطاع برمته ان هي ارادت استعادة مجدها واستئناف حلقة جديدة من حلقات ازدهارها بعد ماعانت كثيرا من جراء فقدان ثقة المستثمرين في تعدين الذهب فليس امام هذه الصناعة, كما يرى جيس خيارا اخر سوى الاخذ بزمام المبادرة وانقاذ نفسها من الاندثار. ومجموعات تعدين الذهب في جنوب افريقيا تدرك مدى حرج هذه المرحلة, وهي تحاول بلاشك بذل مافي وسعها للخروج من هذا النفق. وقد قامت هذه الشركات باغلاق المناجم غير ذات الجدوى التجارية والمكامن الفلزية هزيلة الانتاج او لجأت بدلا من اغلاقها الى بيعها لشركات اصغر مفتوحة الشهية للمغامرة وركوب المخاطر, كما عمدت شركات التعدين الكبرى الى تحسين اجراءات السلامة. ورصدت استثمارات سخية في مضمار التدريب والارتقاء بثقافة ومهارة اليد العاملة وسرحت, اضافة الى ذلك الافا من العمال في المناجم مما ادى الى؟ تدهور في اعدادهم فهبطت الارقام من مستوى الذروة الذي زاد عن 530 الفا عام 1986, الى اقل من 300 الف اليوم. وخاضت هذه الشركات في العام الماضي معركة لاسابق لها في مجال اعادة الهيكلية ولقد ظلت الكتل الكبرى من شركات جنوب افريقيا العاملة في هذا المجال وحتى عام 1994 وهو العام الذي تمخضت فيه الانتخابات. اخيرا عن الاجهاز على حقبة الفصل العنصري على المستوى السياسي الحكومي الرسمي, معزولة نسبيا عن الاسواق الدولية لذا فإنها لم تجد مناصا من توظيف ما لديها من فائض في السيولة لشراء كل ما اقيم لها من اصول تجارية في السوق المحلية. غير ان تلك الكتل خسرت, في الحقيقة الجانب الاعظم من بريقها في اوساط المستثمرين الدوليين ومن هنا انبثق التوجه الحالي لدى شركات جنوب افريقيا بما فيهاشركات التعدين, الى التركيز على قطاعات معينة في الاسواق المحلية والدولية في محاولة للتخلص من حالة التخبط العشوائي. واثمر هذا التوجه ونشأت (انجلوجولد) التي انضوى تحت لوائها جميع الشركات الانجلو امريكية لتؤلف مجموعة واحدة, اضحت اكبر شركة لتعدين الذهب في العالم, كما ولدت من رحم هذه الاستراتيجية (جولد فيلد) التي جمعت شتات شركات التعدين في جنوب افريقيا وجمعت مابين مجموعتي جينكور وجولد فيلد واما جي سي اي فقد كونت مجموعة مستقلة هي (جي سي اي) جولد كما تقوم كتلة انجلوفال باعادة هيكلة نفسها هي الاخرى وتقليص دائرة العمالة في صفوفها. الانقسام الكبير ونتيجة لهذه التطورات الاخيرة انقسمت صناعة مناجم الذهب في جنوب افريقيا الى فريقين, ففي جانب تقف المجموعات الكبيرة التي انتهجت استراتيجية تطوير مناجم عالية الجودة وتحسين صورتها تجاه المستثمرين. وتتمتع شركات تعدين الذهب الامريكية الشمالية حاليا برسملة في بورصة الاسهم أعلى بكثير بالنسبة لاحتياطي اونصات الذهب من الرسملة التي تحظى بها مثيلاتها الجنوب افريقية. وفي الجانب الاخر نجد هناك المناجم الصغيرة التي تصارع الفناء والتهميش الكلي. ويعلق ريتشارد روبنسون المدير التنفيذي لشركة جولد فيلدز على المناخ السائد حاليا في اوساط صناعة تعدين الذهب هناك فيقول: يمكننا رصد تيار من الانقسام الفئوي في هذه الصناعة, فشركتنا وشركة انجلو جولد تتوجهان الى المستثمر الذي يسعى وراء المناجم رفيعة الجودة, اما الاخرون فإنهم يلهثون وراء الثراء العاجل. ويضيف : ان مانريده هو ان تصبح جزءا حيويا من البؤرة الاساسية لصناديق الذهب الاستثمارية وغيرها من صناديق السلع. ولدى انجلوجولد افكار مشابهة, وقد صادفت حتى الان قدرا اكبر من النجاح مما احرزته منافستها الرئيسة وهي تسعى هذه السنة لتفادي التورط في عمليات تصنيع مكلفة لاستخراج الذهب من فلذات متدنية في نسبة غناها بعنصر الذهب وتسعى انجلو جولد حاليا لخفض انتاجها من الذهب بنسبة 17% ليهبط الى حوالي 150 طنا ويذكر ان معدل النفقات النقدية لشركة انجلوجولد هبطت بنسبة 7% لتستقر عند مستوى 250 دولارا للاونصة الواحدة من الذهب. الا ان بوبي جاد سيل المدير التنفيذي لشركة انجلوجولد يعترف بالمصاعب الجمة التي واجهتم وهم يحاولون كسب رضى جميع المستثمرين وقد ادت الجهود المحمومة التي بذلتها انجلو جولد لاضفاء قدر اكبر من الجاذبية على عملياتها لاستقطاب مدراء الصناديق الاستثمارية الاجنبية وذلك بلجوئها الى ضم شتات مختلف المناجم الانجلو امريكية ودمجها في شركة قابضة وحيدة قادت هذه المساعي لامحالة الى نفور وابتعاد ذلك النوع الخبير من افراد المستثمرين الذين تستبد بهم اغراءات بعض مكامن المناجم وتستهويهم مواقع جيولوجية معينة دون غيرها. ويقول جاد سيل بهذا الصدد: وكنا محكومين, الى حد ما, بضرورة اتخاذ قرار معين وقد بدا لنا آنذاك ان الاستثمارات في المستقبل سوف تتسم بصورة اكبر بطابع الصناديق المدارة اكثر من كونها استثمارات فردية خاصة وحين ادركنا هذا حاولنا اقصى مافي وسعنا لاجتذاب الافراد من المستثمرين وتحاشي خسرانهم, والى درجة ما فاني اعتقد بأن الشكوى من تقليص البدائل النظيرة انما تأتي اساسا من المضاربين اذ هناك مبررات وجيهة لاحصر لها لادارة الشركات وتسيير امورها غير ان اسعاد المضاربين والسماسرة لايندرج ضمن اي من تلك الاسباب والمبررات. وكان من بين اهم صفقات اعادة الهيكلة في عام 1998 ما اعلنت عنه جولد فيلد وانجلو جولد في مايو من ذلك العام من توصلهما لاتفاق بشأن مستقبل دريغونشتين كونسوليدتد وهو احد اغنى مناجم الذهب في العالم لقد كان بنيان تملك اسهم هذه المنجم غاية في التعقيد وكان مستقبله مثار جدل عريض ويحتدم النقاش بشأنه بمرارة الى درجة عبر عنها برايان جلبرتسون رئيس شركة جولدنيلدز بقوله: (ان هذا المنجم هو بمثابة مشكلة ايرلندا الشمالية ضمن هذه الصناعة) . وتخطط المجموعتان لشراء حصة اقلية واقامة شراكة مع ادارة المجموعة ذاتها لتصبح هذه المجموعة مملوكة من قبل جولد فيلد بنسبة 60% في حين تتملك الـ 40% الباقية انجلوجولد واهم مزايا هذه الصفقة انها سوف تنهي صراع المصالح الانجلو امريكي للسيطرة على انجلوجولد وفي الوقت نفسه تملك 23 % من أسهم جي.إف إس إيه, وهي المجموعة التي انبثقت عنها جولد فيلد. الا ان جاد سبل يرى ان هذه الصفقة تظهر كذلك المدى البعيد الذي يمكن ان تذهب اليه مجموعة تعدين الذهب في جنوب افريقيا على طريق التعاون فيما بينها اذا تناسينا تعاونها مع الشركات الاجنبية حيث توظف هذه المجموعات خبراتها العريقة في حفر مناجم عميقة وتصدرها الى الاسواق الجديدة وراء البحار, وذلك بعد انتهاء عصر الفصل العنصير. ويضيف جادسيل: ان عهد ازدهار التعدين السطحي للذهب يوشك على الافول في امريكا الشمالية واستراليا فإذا ارادت تلك الشركات هناك مواصلة القيام بدور المنتج لكميات تتراوح بين 200 الى 300 طن فإن عليها التحول الى عمليات التعدين العميقة تحت الارض لانتاج كميات اكبر وهذا هو بالضبط المجال الذي نستهدف صب خبراتنا الواسعة فيه بما لدينا من تكنولوجيا متقدمة. وتسعى انجلو جولد حاليا لشراء عمليات الذهب الدولية لشركة مينوركو (وهي فرع آخر من فروع من المجموعة الانجلو أمريكية), كما انها نشطة في عملياتها في جميع بقاع افريقيا, وقد قررت مؤخرا شراء 50% من أسهم عمليات التنقيب عن الذهب في أفريقيا التابعة لشركة باريك جولد الكندية. وقد توسعت عمليات جولدفيلد الدولية مؤخرا وشملت جبهات عدة مما حدا بالمجموعة الى التفكير بتبني استراتيجية اعادة هيكلة جديدة وتجديد بنيانها بصورة ترضي المستثمرين الاجانب. ويقول روبنسون بهذا الصدد: (نستشعر ضرورة انعاش الاهتمام بالشركة في اوساط المستثمرين وراء البحار لأننا ندرك ان هذه الخطوة هي جواز العبور الى رؤوس الأموال الضخمة والى الاسواق الرأسمالية الكبرى. إعداد : كمال البيطار