يتخذ الاتحاد الاوروبي في الآونة الاخيرة سياسة خاصة في معاملاته التجارية مع بعض الدول يمكن وصفها او تسميتها بسياسة (الكيل بمكيالين)وهي سياسة فرض الضرائب والرسوم الجمركية العالية على سلع ومنتجات بعض الدول تحت شعار مكافحة الاغراق بالسلع المنافسة للسوق الاوروبية . وتعددت اشكال هذه الضرائب والرسوم واختلفت النسب حول السلعة الواحدة بالشكل الذي يوحي بأن المقصود بالضريبة ليس السلعة المنافسة بل الدولة المنتجة ذاتها ولو اخذنا مثالا على ذلك سلعة المنسوجات القطنية نجد ان الاتحاد الاوروبي يفرض على المنسوجات المستوردة من الصين 10 % ضريبة ومن الباكستان 11% ومن اندونيسيا 12% ومن الهند 16% ومن مصر20%. واذا كانت هذه الدول ماعدا مصر لاتتوقع من الاتحاد الاوروبي معاملة افضل من ذلك نظرا للعديد من الخلافات بينها وبين دول الاتحاد من شتى المجالات فماذنب مصر التي فرض عليها اعلى نسبة في الضريبة على اهم سلعة انتاجية اشتهرت بها مصر منذ عشرات السنين . وتشكل المنسوجات القطنية اكثر من 30% من صادرات مصر لدول الاتحاد الاوروبي وعلاقات مصر بدول الاتحاد دائما على خير ما يرام. وفي الوقت الذي تستورد مصر من دول الاتحاد سنويا ما قيمته خمسة مليارات دولار لاتصدر اليهم بأكثر من 1.7 مليار دولار, وتشكل صادرات الاتحاد لمصر اكثر من 30 % من وارداتها. هذه السياسة من قبل الاتحاد الاوروبي ليست ضد مصر فقط بل هناك العديد من الدول العربية الاخرى فرض الاتحاد الاوروبي ضرائب على وارداته من منتجاتها الصناعية تجعل من الصعب تسويق هذه المنتجات وامكانية منافستها للسلع المماثلة في الاسواق الاوروبية, ووصل الامر حول هذا الموضوع الى ازمات ومشاكل حيوية بين الاتحاد الاوروبي وبعض الدول العربية, ومنها على سبيل المثال ازمة ضريبة الالمنيوم 6% التي فرضها الاتحاد الاوروبي على الالمنيوم الوارد الى اوروبا من دولة الامارات العربية المتحدة ودولة البحرين, رغم العلاقة المتميزة بين الاتحاد الاوروبي وهذه الدول حيث تبلغ صادرات دول الاتحاد لدولة الامارات سنويا ماقيمته عشرة مليارات دولار. في حين لا تصدر الامارات إلى دول الاتحاد بأكثر من مليار دولار. ورغم هذا يتعنت الاتحاد الأوروبي في ضريبة الألمنيوم ويرفض رفعها رغم علمه, أو ربما بمعنى أصح لانه يعلم مدى أهمية انتاج الألمنيوم بالنسبة لدولة مثل الامارات تتطلع إلى التصنيع والنهوض بصناعاتها المحلية. ولكن هل يهم الاتحاد الأوروبي أمر نهوض الدول العربية صناعيا, الواقع ان هذا الأمر محل شك, وما يفعلونه مع مصر يوضح ذلك. الاتحاد الأوروبي لم يقطع الأمل أمام هذه الدول في رفع الضريبة, ومستعد للتفاوض معهم ولكن.. كالعادة على انفراد. مصر من جانبها ترفض التفاوض مع الاتحاد الأوروبي على انفراد, لانها تعلم ان المفاوضات المنفردة تعطي فرصا كبيرة لممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية معا, ويهدد وزير الزراعة المصري يوسف والي دول الاتحاد الأوروبي بالمعاملة بالمثل في الأسواق المصرية. أيضا دولة الامارات العربية المتحدة ذهبت منذ بداية أغسطس تنسق مع دول مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ موقف مشترك تجاه ضريبة الألمنيوم , وكونت لهذا الغرض بالتحديد فريق عمل يقوده مسؤولون من دائرة التنمية الاقتصادية بحكومة دبي. ويذهب البعض إلى ان حماية السوق الأوروبية من الاغراق بالسلع المنافسة ليس هو الهدف الأساسي من وراء فرض هذه الضرائب, ولو كان الأمر هو الحماية من الاغراق فلماذا التنويع والتغيير في النسبة الضريبية على السلعة الواحدة من دولة إلى دولة, مثل المنسوجات التي تفرض على مصر فيها 20% ضريبة بينما على الصين 10%, وإذا كان الهدف هو السلعة في حد ذاتها فإنه من المفترض أن تتوحد الضريبة, وإذا قالوا ان تكلفة انتاج السلعة تختلف من دولة إلى دولة, نقول ان سعر السلعة داخل السوق الأوروبية واحد وتحجيم السلعة المنافسة يتأتى برفع سعرها باضافة الضريبة عيها لتزيد عن سعر الانتاج المحلي. والواقع ان سياسة الاتحاد الأوروبي الضريبية على السلع المستوردة تثير العديد من التساؤلات خاصة في التعامل مع العرب, وفي مذكرة تقدم بها الأمين العام لغرفة التجارة العربية الأمريكية (عبدالعزيز المدرس) لوزير الخارجية البريطاني (روبين كوك) جاء فيها ان (الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية منحازة بشدة إلى القوة العملاقة المهيمنة على التجارة العالمية) . ويأتي الحظر الأوروبي على منتجات المصانع والمزارع العربية بالتحديد بعد ضرب أسواق دول جنوب شرق آسيا, والتي كانت تستورد كميات كبيرة من منتجات المصانع العربية, وأصبحت الآن الأسواق الأوروبية هي الأمل الوحيد, وتشكل الضريبة على المنسوجات المصرية خسارة تصل إلى 127 مليون دولار, في الوقت الذي تستورد فيه أوروبا من الامارات 30% من انتاجها من الألمنيوم. في نفس الوقت مقاطعة السلع الأوروبية في الدول العربية أمر صعب تحقيقه في المستقبل القريب لأن هياكل الصناعات العربية مرتبطة في الأساس بعقود اتفاق دولية أوروبية تقوم على استغلال أسماء وماركات بعض الشركات العالمية, وتعطي الحق في استغلال الأسرار الصناعية لهذه الشركات, ومقاطعة هذه الشركات يعني في النهاية توقف العديد من الصناعات العربية. وجدير بالذكر ان اسرائيل تحصل من الاتحاد الأوروبي على أعلى الامتيازات والتسهيلات, ولا تعاني أية سلعة تصديرية لها في أوروبا من أي شكل من أشكال الضريبة. ويبقى السؤال إلى أي مدى تلعب المصالح والدواعي السياسية دورها في التعاملات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية؟ د. مغازي البدراوي