تبادر (البيان)الى فتح ملف اسواق الذهب في ضوء تطورين محددين من المؤكد ان كلا منهما سيكون له ما بعده من اثار على هذه الاسواق, ويتمثل التطور الاول في اعلان شركة اعمار العقارية ان انشاء اكبر مجمع من نوعه بالمنطقة في دبي والثاني اقتراب موسم الزواج والمهرجانات في الهند وسط توقعات بارتفاع كبير في الطلب الهندي على ذهب دبي, مع انتصاف سبتمبر المقبل . والحديث عن مجمع الذهب ليس حديثا عن مبنى عملاق آخر, بقدر ماهو طرح لتطور نوعي في تجارة الذهب وصناعته في دبي, حيث أكدت المصادر ان المجمع الجديد الذي ستموله شركة اعمار بعد تدارس لتفاصيله استمر أربعة أشهر مع مجموعة تجار الذهب في دبي يضم مركزين للبحوث والمعلومات ومعرضا لتاريخ الذهب واللؤلؤ والمعادن الثمينة وورشا لتصنيع الذهب فضلا عن المحال والمتاجر التي ستنفذ وفقا لمواصفات تراعي احتياجات التجار والرواد على السواء. ومن جانب آخر فان الاجماع قائم على ان اعادة تصدير الذهب من دبي التي تلبي 80% من احتياجات الهند من المعدن الاصفر ستشهد انتعاشا ملموسا في منتصف سبتمبر مع بدء التجار الهنود في شراء احتياجاتهم من الذهب استعدادا للمهرجانات وموسم الزواج التقليدي في الهند. هذه التوقعات ليست نوعا من التفاؤل بقدر ما هي تقدير لتطورات تضرب جذورها في الواقع وتعكسها الحقائق الرقمية, حيث تشير احصاءات جمارك دبي الى ان واردات دبي من الذهب في يوليو الماضي وصلت الى 24.393 طنا, وهو ما يشكل ارتفاعا ملموسا مقارنة مع نظيرتها في يونيو الماضي والتي بلغت 24.158 طنا. هنا تبرز مجموعة على جانب كبير من الاهمية من الاسئلة التي تفرض حضورها على كل من يهتم بأسواق الذهب في الامارات بعامة وفي دبي بشكل خاص الى أين يمضي تأثير قوانين تحرير تجارة الذهب بالهند على اسواق الذهب في دبي, وهل يؤثر انخفاض الطلب الهندي بشكل هيكلي على تجارة الذهب وصناعته في دبي؟ وكيف تخطط دبي للمستقبل على صعيد تجارة اعادة تصدير الذهب في ضوء هذا المتغير القوي؟ وأفق الاسئلة لا يقف عند هذا الحد وانما يمتد عاليا وبعيدا: هل يمكن ان تشكل صناعة المشغولات والحلي الذهبية في دبي مخرجا من هذا الموقف وان تسهم مساهمة قوية في تجارة دبي الخارجية من الذهب؟ متى تصبح هناك بالفعل قاعدة صناعة للذهب في دبي على غرار قاعدتها التجارية القوية التي اهلتها لامتلاك المرتبة الاولى في العالم في تجارة الذهب؟ (البيان) في انطلاقها بهذا الملف قدما تبدأ مع القارىء من البداية الصحيحة, من لغة الصدق من الارقام. الرصد بالارقام شهد دور دبي في سوق الذهب الدولي قفزة نوعية في السنوات الماضية فهي تعتبر حاليا اكبر مركز عالمي لاعادة تصدير سبائك الذهب وبلغ حجم استيراد دبي من المعدن الاصفر في العام الماضي 660 طنا وصدرت معظم هذه الكمية الى الاسواق المجاورة مثل شبه القارة الهندية وايران ومصر وغيرها. ووفقا لبيانات جمارك دبي فقد سجلت واردات الذهب خلال النصف الاول من العام الحالي انخفاضا قدره 64.7 طنا متريا عن نفس الفترة من العام الماضي وبنسبة 21% حيث بلغ اجمالي الواردات من المعدن 243.7 طنا مقابل 308.4 اطنان بالنصف الاول من عام 97 وتشير البيانات الى ان التراجع بدأ من الشهر الثاني من العام الحالي حيث سجل شهر يناير زيادة بالواردات نسبتها 33.5% وبلغ اجمالي الواردات 61.9 طنا مقابل 46.4 طنا بيناير 97 وتراجعت في فبراير بنسبة 7.8% لتبلغ 51.7 طنا مقابل 56.8 طنا وفي مارس انخفضت بنسبة 25% من 52.5 طنا الى 39.3 طنا وفي ابريل بنسبة 48.8% من 54.4 طنا الى 32.1 طنا وواصلت الانخفاض في مايو بنسبة 33.8% من 52.3 طنا الى 34.6 طنا, وفي يونيو بنسبة 47% من 46 طنا الى 24.1 طنا. وتجمع جميع الآراء ومصادر صناعة الذهب على ان هذا الانخفاض يرجع الى تحول الهند الى زيادة وارداتها المباشرة من مصادر تجارة الذهب بهدف خفض التكاليف ولاسباب ومشاكل كانت تعاني منها هذه السوق مثل التهريب وغيرها. رأي مجلس الذهب العالمي يقول رولف شنيبلي المدير التنفيذي لمجلس الذهب العالمي لشعبة الشرق الاوسط والهند ان السوق الهندية تشهد بعض عمليات الاحلال ومزيدا من الواردات المباشرة من اوروبا الى الهند وقد تحقق ذلك بأسرع من التوقعات ومنذ اعلان الحكومة الهندية في شهر اكتوبر الماضي عن تحرير قواعد استيراد الذهب تزداد قائمة الشركات والبنوك الهندية التي تقوم باستيراد المعدن الاصفر مباشرة من مؤسسات ذهب اوروبية لخفض تكلفة الاستيراد عن طريق دبي التي اصبحت اكبر مركز في العالم لاعادة تصدير الذهب بفضل الطلب الهندي. ويبدو ان الهند ستستمر في هذا الاتجاه, مصادر مجلس الذهب العالمي في دبي قللت من اهمية تراجع واردات دبي للذهب خلال النصف الاول من العام الحالي مؤكدة ان ذلك يعود الى عدة عوامل منها ان دبي بحكم مكانتها الاقتصادية وموقعها التجاري ستبقى الممول الوحيد للذهب في المنطقة وبالتالي ستستمر في المحافظة على مكانتها المتميزة بالاسواق العالمية. وقال شنيبلي ان البدائل متعددة فهناك اسواق واعدة مثل مصر وباكستان وايران وان سوق ايران واعدة وكبيرة وسوف تستوعب كميات كبيرة من ذهب دبي في المستقبل وستكون هذه الاسواق بديلا جيدا عن السوق الهندية وستعوض جزءا من انخفاض الطلب الهندي والذي يستحوذ على حوالي 80% من اعادة صادرات دبي من الذهب. واكد شنيبلي ان صناعة الذهب في دبي بدأت تطرق سبلاً أخرى لتتماشى مع تلك المتغيرات التي وصفها بانها طارئة على الطلب لذلك اتجهت مصاهر الذهب الى تصنيع السبائك زنة كيلوجرام وعشر تولات. واضاف ان الخبرات التي يمتلكها تجار الذهب في دبي متميزة لاتتوافر لاقرانهم في الدول الاخرى حيث التسهيلات المتعددة كسهولة الحصول على تمويلات مصرفية, وسرعة تدوير الواردات عبر اعادة التصدير وهذا يؤدي الى خفض التكاليف وعدم وجود ضرائب, وطبيعة الاقتصاد الحر الذي تتميز به الامارة, والمرونة التي يتمتع بها التجار. وقال انه رغم انخفاض واردات دبي الا انها مازالت تمثل مركز الصدارة كموزع لسبائك الذهب على المستوى العالمي وتتفوق على سنغافورة بمراحل المنافس الاول لدبي. وقال مصدر آخر في المجلس العالمي ان هناك عدة عوامل ستجعل الهند تبقي على علاقاتها مع تجار الذهب في دبي مثل التصنيفات الائتمانية للبنوك والدول والتصريف السريع للمخزونات المستوردة والخوف من التغييرات السياسية. وذكر المصدر ان التراجع المسجل في واردات دبي من الذهب خلال العام الحالي أمر طبيعي وليس مقلقا ولا يثير المخاوف حيث ان زيادة هذه الواردات في العام الماضي والتي وصلت الى 660 طنا كانت طفرة حيث ان نمو الواردات كان بشكل كبير عن عام 1996 الذي سجل اقل من 400 طن. وتشير كل المؤشرات الى ان واردات دبي خلال العام الحالي يتوقع ان يتراوح بين 500 ــ 540 طنا وهو رقم يجعل الامارة تتفوق على سنغافورة المنافس الرئىسي إذا ما علمنا ان واردات دبي نهاية ابريل الماضي بلغت 219.818 طنا مقابل 73.54 طنا لسنغافورة. خطط مستقبلية وتوجهنا بالسؤال نفسه الى أحد الرجال المطلعين على خطط دبي اين تتجه تجارة وصناعة الذهب في الامارة؟ يقول محمد القرقاوي نائب مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية ان التغيرات في الطلب امر وارد, وقد تتغير مع تغير الظروف السياسية, مؤكدا ان مستقبل صناعة الذهب واعد, فالتسهيلات التي تتوفر لتجار دبي سواء من حيث التسهيلات الائتمانية والاعفاءات الضريبية, والخبرات الطويلة التي يتمتعون بها والعلاقات الجيدة مع التجار والمؤسسات العالمية وغيرها تؤكد قدرتهم على المنافسة.. والمحافظة على المكاسب التي حققوها. واشار الى ان التغييرات التي شهدتها السوق الهندية من حيث حجم الطلب على ذهب دبي سيتم تعويض ذلك بزيادة التصنيع المحلي للمشغولات الذهبية والسبائك, وتصدير هذه المشغولات الى الاسواق الخارجية سواء بالدول المجاورة أم الى الاسواق الاوروبية والامريكية وغيرها. وقال اننا في دائرة التنمية الاقتصادية على اتصال مستمر, مع اعضاء مجموعة الذهب في الامارة حيث يتم التشاور حول كل شيء, وانه يجري دراسة خطة مستقبلية تستهدف المحافظة على مكانة دبي العالمية وتعزيز هذه المكانة عن طريق فتح أسواق جديدة أمام ذهب دبي وزيادة التوجه المحلي لتصنيع المشغولات والسبائك. وأضاف ان دبي يتوافر لديها مصنعون ومصممون على درجة عالية من الكفاءة والخبرة الذين يقدمون تصميمات أصبحت تقدم موديلات تحظى باقبال حتى في أرقى الاسواق الدولية ويتم تصديرها الى أمريكا وأوروبا. وتشير احصائيات مجلس الذهب العالمي الى ان صادرات دبي من المشغولات الذهبية ارتفعت من 51 طنا عام 1996 الى 7.61 طنا عام ,1997 وبقيمة تتجاوز 3 مليارات دولار. تجار وآراء ولكن ماذا يقول تجار دبي.. وما هي توجهاتهم وتوقعاتهم؟ يقول توفيق عبدالله رئيس مجموعة دبي للذهب وصاحب مجوهرات داماس ان انخفاض الطلب الهندي قد يكون مرحليا وحسب الظروف وعلى فرض الاستمرارية فإننا يجب ان ندعم صناعات المشغولات الذهبية والمجوهرات, وبالفعل فقد تطورت هذه الصناعة في السنوات الأخيرة, ويوجد اقبال على التصنيع, حيث تتمتع المشغولات الذهبية المصنعة في دبي بسمعة جيدة وهي تقود الموضة العالمية. وأشار عبدالله الى ان التصنيع المحلي يجب أن يكون له الأولوية لامتصاص أي انخفاض في اعادة تصدير الخام وان التصنيع المحلي يجب أن يلقى الدعم اللازم, حيث تتوافر كل التسهيلات, بالاضافة الى الخبرات, وتوقع ان يرتفع عدد المصانع بالامارة الى 40 مصنعا مع نهاية العام الحالي مقابل حوالي 20 مصنعا حاليا. وقال ان أ ي قطعة تصنع في دبي وتعرض بالاسواق الخارجية تنال ثقة العملاء لأن ما يصنع هنا يتميز بالجودة والذوق الرفيع, مشيرا الى ان كل الامكانيات متوفرة لازدهار صناعة الذهب في الامارة, وان زيادة الطلب المحلي عامل مشجع وتقدر آخر الاحصاءات زيادة الاستهلاك المحلي الى 3.73 طنا من المشغولات الذهبية في عام 1997 مقابل 6.52 طنا في ,1996 وان الاتجاه يؤيد صعود الطلب في ظل انخفاض الاسعار العالمية للمعدن. المعاملة بالمثل جواد الموسوي مدير مصنع الفردان للمجوهرات, قال: ان سوق الذهب في دبي قوي وقادر على مواجهة الظروف الطارئة, واذا كان الطلب الهندي انخفض في الأشهر الماضية, فإن شهرة دبي وموقعها المتميز والتسهيلات الموجودة بها تمكنها من المحافظة على مكاسبها, وذلك بفتح أسواق جديدة, وهناك مناطق أسواقها لم تفتح بعد في أفريقيا وآسيا, وهي من الدول التي للذهب فيها بريق خاص, كما اننا يجب ان ننوع في توجهاتنا التصديرية الى أسواق متعددة حتى لا يحدث اسقاط أو صدمة اذا ما تأثر الطلب من سوق معين.. لذلك يجب ان توضع خطط لغزو أو فتح أسواق جديدة سواء بالنسبة لاعادة تصدير الخام أو المشغولات الذهبية والمجوهرات. وأضاف الموسوي: ان صناعة المشغولات واقامة مصانع كبيرة أمر هام حتى تتنوع ايضا صادراتنا ما بين الخام والمصنع, وان اقامة صناعة قوية يجب ألا يستند الى الأماني فقط, بل ينبغي ان يكون بخطوات عملية, وقد يستغرق قيام هذه الصناعة قرنا كاملا أو عاما أو عامين, وكل الدلائل تؤكد أهمية الاسراع. ولكن يجب توافر عدة عوامل لنجاح التصنيع المحلي للمشغولات الذهبية والمجوهرات, أولها دعم وحماية هذه الصناعة, حيث لوحظ ان بعض الدول تفرض على صادراتنا من المشغولات الذهبية جمارك تصل الى 12% وحتى 75% حماية لصناعة الذهب فيها من المنافسة بينما تدخل الى الامارات مشغولات هذه الدول دون معاملتها معاملة المثل, وأن هذا التساهل قد يضر بالصناعة المحلية.. لانعدام المنافسة السعرية. كما اننا يجب ان نعمل على زيادة الطلب المحلي على الاستهلاك حيث يضم المجتمع العديد من المقيمين وقيامهم بالشراء من السوق المحلية يعتبر نوعا من التصدير واقترح الموسوي ان يتم الاتفاق على مهرجان سنوي تجرى فيه سحوبات وحوافز على الذهب والمجوهرات ويكون هذا المهرجان على مستوى الدولة وليطلق عليه مهرجان الامارات للذهب العالمي وذلك بخلاف مهرجان دبي للتسوق لتنشيط الطلب بالسوق المحلية ويتم خلاله اقامة معارض متخصصة في مجالي الذهب والمجوهرات. كما يجب حماية السوق من تجار الشنطة الذين يأتون الى الدولة لبضع ساعات أو أيام ويبيعون ما بحوزتهم من مشغولات الى أحد التجار او المحلات ويعودون الى بلادهم وكثيرا ما يحدث ان ما يحملونه لا يحمل المواصفات المطلوبة في عيارات الذهب او يكون مغشوشا وهذا يضر بسمعة السوق المحلية والثقة فيه بالاضافة الى ان تاجر الشنطة لا يدفع ضرائب او رسوما ولا يلتزم بأجور عمالة او قيمة ايجارية. واقترح الموسوي ان تقوم الجهات المسؤولة بالمطارات بان لا يسمح بدخول تجار الشنطة الا بكفالة احد التجار الذي يتعهد بشراء ما بحوزة تاجر الشنطة ويتعهد بضمان تعويض من يقع عليه الضرر. المسابك الصغيرة واختلف جواد الموسوي وتوفيق عبد الله حول المسابك الصغيرة, فبينما يؤيد عبد الله التوسع في اقامة المسابك والورش الصغيرة بصفتها موردا رئيسيا لتجار الذهب بالمشغولات الذهبية وتخضع لرقابة المحلات الكبرى, يرى الموسوي ان اغلب هذه المسابك غير مسجل, كما انها قد تضر بسمعة السوق لانها لا تخضع لاي نوع من الرقابة, ولذلك فان احتمالات الغش كبيرة في ظل عدم تطبيق قانون الدمغة. وقال ان غياب هذه العوامل تسهم في اقامة صناعة وطنية قوية سواء لتصنيع المشغولات الذهبية ام المجوهرات التي هي مطلب ضروري الآن. أحد التجار أكد انه لضمان مصانع كبيرة بهذا القطاع فانه يجب انشاء شركات مساهمة تطرح اسهمها للاكتتاب العام.. لان ذلك سيضمن اقامة مصانع ذات مستوى عالمي مزودة باحدث الآلات والخبرات, خاصة وان دولا عربية مثل السعودية خطت خطوات كبيرة في هذا المجال ولديها مصانع بمواصفات عالمية.. وان هذه الخطوة ستضمن لنا الاستمرارية والجدية في البحث عن اسواق جديدة. تحقيق - مصطفي عويضة