اعتقد ان معظم قرائي يأملون في الا أختم حديثي هذا في هذه الزاوية الاسبوعية, الا وأكون قد أقلعت عن الخوض في هذا الموضوع وطلقته إلى الأبد. ولعلني أزف إلى هؤلاء البشارة بأن أعدهم باسدال الستار عليه غير اني استميحكم عذرا في معاودة نبش موضوعنا القديم ريثما يسري مفعول الحظر الذي فرضته على نفسي طوعا . إلى الغد نبحر إذا بالذاكرة, إلى ذاك الصباح التاريخي العتيد, الذي يعقب ليلة تشييع العام 1999 إلى مثواه الأخير إيذانا بمولد يوم لا ينسى, الأول من يناير من عام 2000. ولنفترض انكم قد أنجزتم الآن وعلى الوجه الأكمل, وكما هو بالطبع متوقع منكم, تلك النقلة الرائعة في تحديث شبكاتكم وأجهزتكم الحاسوبية الداخلية بما يضمن لكم تجاوز علة القرن وتخطي عتبة الألفية الثالثة بسلام والنجاة من مغبة تواريخ 9/9/99 ومعضلة السنة الكبيسة في الألفية (أليست هذه مشكلة أخرى؟). ولنفترض فضلا عن ذلك أن موردي المواد أفلحوا هم أيضا في تخطي عنق الزجاجة, ولنشطح في التفاؤل ولنسلم بأن الغالبية العظمى من عملائك نجحوا كذلك في التهيئة لهبوط آمن وبلا كوارث على ثرى هذه الألفية الحاسوبية. يجدر التنبه إلى ان اجراء تدقيق شامل بشأن الموردين والعملاء بخصوص علة القرن الحادي والعشرين تصرف تقتضيه هذه المرحلة, هذا إذا كنا لم نبادر من قبل إلى اتخاذه. وماذا عن حكومة بلادك وحكومات الدول التي تستضيف مصانعك؟ ثم ماذا عما هو أخطر وأدهى, ماذا عن الأمر الأهم, شركات الكهرباء الحكومية منها وتلك المملوكة للقطاع الخاص؟ شئنا أم أبينا سوف تظل هذه المعضلة جاثمة كالكابوس, ولن يحيط علمنا بالاجابات الشافية حتى تكون قد وقعت الواقعة ويفوق مدى هول العواقب التي سوف تحيق بالبنية التحتية للاقتصاد العالمي كل ما يخطر ببال معظم الناس, وليس في الأمر غلو أو مبالغة. فهناك في استراليا قام شخص يرأس شركة تخصصت في مداواة علة القرن بتقييم الوضع بعد تشخيصه على الطبيعة وخرج بنتيجة تفيد بأن الشبكة سوف تنهار على أرجح الاحتمالات. إن الأجهزة والأدوات المعلوماتية التي تتحكم بالشبكة وتضبط ايقاع عملها في أي بلد تعد بالآلاف, وانهيار جزء تافه لا يؤبه له من هذه الأجهزة يمكن أن يسفر عن تداعيات كارثية شبيهة بالسقوط المتتابع لأحجار الدومينو, بل قد يشل الشبكة بالكامل. وكانت صحيفة استرالية قد تناولت هذه الحقيقة في مايو من هذا العام واتحفتنا بمعلومة مذهلة أخرى. ليس هناك, والعهدة في الرواية على الصحيفة, سوى حالة يتيمة واحدة معروفة تم فيها اختبار محطة للكهرباء وفحص قدرتها على تجاوز محنة العام 2000. أجري الاختبار على محطة كهرباء في المملكة المتحدة, كانت قد أغلقت لأجل الصيانة الروتينية. وأخفقت المحطة في هذا الاختبار. والحديث عن أنظمة وشبكات تعافت من علة القرن وبرئت من أسقامها لا يعدو أن يكون مجرد سفسطة في حال انهيار شبكات الطاقة المغذية بالكهرباء. ومن بين التقديرات الاحصائية الأخرى التي ينبغي على المستثمرين ورجال الأعمال إدراك مدى خطورتها ما سجله المراقبون من اجماع عام على ان ما بين 10 إلى 20% من الشركات في العالم سوف تنهار في معمعة مشكلة العام 2000 وما سوف يتمخض عنها من معضلات. ومن بين أعظم الجهابذة الضالعين في هذه المشكلة الخبير الدكتور ادوارد يارديني من الدويتش بنك الألماني. يرجح يارديني وبنسبة 60% حدوث ركود اقتصادي عام يماثل في حجمه ذاك الذي خيم على فترة 1973/1974. نسارع هنا فنذكر ان خبير البنك الألماني يعد متفائلا على رأي الكثيرين. ومهما كانت حقيقة الأمر فإن سحبا كثيفة من الغموض تكتنف آفاق المستقبل بقدر ما يتسربل به الغد من مخاوف وقلق. ولربما أمكننا القول بأن آثار هذه المشكلة على شتى الدول على اختلافها سوف توازي درجة تطورها الاقتصادي في محصلته الشاملة, وسوف تكون الأسواق الصاعدة الأفدح تضررا. بل إن خطرا جسيما يتهدد امدادات النفط العالمية, والأمر رهن بقدرة تلك الرقائق الحاسوبية المزروعة في المفاتيح والمحولات والصمامات في شبكات خطوط أنابيب النفط الرئيسية على تجاوز هذه النقلة إلى العام الجديد الذي تفتتح به الألفية الثالثة. وتومض في ذاكرتي تلك اللعنة الصينية القديمة التي يفوح منها شؤم المصير والتي تدعو على المرء التعس بمستقبل بائس فتقول: (اذهب فعساك أن تحيا في أزمنة تزدحم فيها أحداث جسام) . وعلى ما يبدو فإن هناك أحداثا جللا تترصدنا في غمرة احتفالنا بالألفية في حلكة الظلام أو في وهج الضوء. نائب رئيس لويدزبنك*