قررت مجموعة استثمارية في ابوظبي مؤخرا تأسيس شركة تأمين اسلامي تحت إسم (الجزيرة للتأمين الاسلامي) برأسمال 70 مليون درهم موزعة على سبعة ملايين سهم سوف تتطرح للإكتتاب في هذا العام فور الانتهاء من إعداد دراسة الجدوى والنظام الاساسي للشركة والحصول على موافقة الجهات المختصة . يأتي ذلك بعد ايام قليلة من افتتاح مصرف ابوظبي الاسلامي, ليضيف الى ساحة الاقتصاد الاسلامي قلعة جديدة الى جانب القلاع العديدة من المصارف وشركات التأمين الاسلامية الاخرى. وتعد هذه الشركة ثاني شركة تأمين اسلامية في دولة الامارات بعد (الشركة العربية الاسلامية للتأمين) (إياك) . وفي الامارات يوجد عشرون شركة وطنية للتأمين و26 فرعاً لشركة أجنبية, وشركة واحدة للتأمين الاسلامي وهذه تعتبر الثانية. ومع هذا المد والتوسع في إنشاء المؤسسات الاقتصادية الاسلامية يعود السؤال ليتردد حول مدى وكيفية مطابقة عمل ونشاط هذه المؤسسات للشريعة الاسلامية, ومدى اختلافها عن المؤسسات الاخرى التجارية, او كما يحلو للبعض أن يسميها بغير الاسلامية. ورغم كل ماقيل في هذا الموضوع الإ أن الأمور لم تحسم بعد, واختلاف الاراء مازال قائما, وهو ما نتعرض له في هذا التحقيق الذي نستطلع فيه اراء الاكاديميين ورجال الأعمال في حقل التأمين. درء الخطر الدكتور (جاسم علي الشامسي) استاذ ورئيس قسم المعاملات بكلية الشريعة والقانون بجامعة الامارات, وعضو الرقابة الشرعية في مصرف ابوظبي الاسلامي يقول انهم في مجمع الفقه الاسلامي في مكة صنفوا الأمين الى نوعين الأول التجاري ويقوم على ثالوث المؤمّن والمؤمن له والخطر المتوقع وهذا حرموه, والثاني التعاون والذي في رأيهم تجيزه وتسمح به الشريعة الاسلامية ويقوم على آساس تعاون مجموعة من الناس لدرء الضرر عمن اصابه منهم. ويقول د. الشامسي أن التأمين موجود في الاسلام منذ فجر الدعوة وهذا واضح من وقائع وروايات وأحاديث كثيرة حول قيام مجموعة من المسلمين بجمع المال أو الغذاء ومنح جزء منه للمحتاج اليه منهم, وفي احاديث الصحافي إبن جابر الكثير حول ذلك, ولكن رغم هذا كله هناك أراء لفقهاء وعلماء في الاسلام ومنهم الشيخ الفقيه مصطفى الزرقا من سوريا, والشيخ علي الخفيف من مصر, والشيخ محمود شلتوت وايضا الامام محمد عبده كلهم يجيزون التأمين التجاري بصورته الحالية ولايعتبرونه متعارضا مع احكام الشريعة الاسلامية. ويقول د. الشامسي (أنا بصراحة أميل لهذا الرأي, وأرى أن كل آنواع وأشكال التأمين حلال لاحرمة فيها, وماتحصل عليه شركات التأمين التجارية من عوائد لها ماهي الا مصاريف مقابل الخدمات التي تقدمها, والمسائل تخلو من المضاربة والمقامرة لأن عمليات تقدير نسب الضرر قبل وقوعه أصبحت دقيقة للغاية وتستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة. والتأمين اشكاله متعددة من الصعب تصنيف إحداها بأنه اسلامي, والآخر غير اسلامي, وهناك شكل التأمين الحكومي الذي يطلق عليه اسم (المعاشات) أو الضمان الاجتماعي, حيث تقوم الحكومة باستقطاع جزء من رواتب ودخول الافراد وتجمعها ثم تبدأ في منحا لهم بعد تقاعدهم عن العمل, والدولة بالقطع تستثمر هذه الاموال, وتودعها في بنوك تدخل بها في عمليات مضاربة في الاسواق المالية, ورغم هذا لا يستطيع أحد أن يحرم هذا الشكل من التأمين الحكومي. اما ما يسمى بالتأمين الاسلامي فيقول د. الشامسي أن الأمر يعتمد على اقبال الناس على المسمى نفسه, واختلاف التأمين الاسلامي عن التجاري في بعض النواحي لا يعني بالضرورة ان التأمين التجاري حرام. عقود تبرعات ويقول فؤاد ابراهيم أحمد مدير عام (الشركة الاسلامية العربية للتأمين) (إياك) وهي الشركة الوحيدة حاليا في دولة الامارات والتي تأسست عام 1977 في دبي, ان التعويض الذي تدفعه الشركة للمتضرر من اعضائها المؤمنين فيها بدفع من الاقساط التي يدفعها الأخرون والتي نسميها (تبرعات) ولهذا يمكن القول ان العقود التي تبرمها الشركة مع الاعضاء هي (عقود تبرعات) والهدف من وراء الشركة ليس تحقيق ارباح, ولا توجد أية شبهة للربا في عمليات التأمين التي تقوم بها الشركة ولا من عمليات استثمار اموالها, وتغطي نشاطات الشركة قطاعات مختلفة منها نقل البضائع والسفن والطائرات والسيارات واصابات العمل والحوادث المختلفة وغيرها من اشكال التأمين ماعدا التأمين على الحياة الذي يخالف الشريعة الاسلامية. ويضيف فؤاد بأن الشركة تعمل على مبدأ التأمين التعاوني الاسلامي الذي يعني التعاون على مواجهة الاخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية. ويضيف ان التأمين الاسلامي يختلف عن غيره أن لايهدف الى تحقيق ارباح وإنما يقدم فقط خدمة, ولايؤمن على النشاطات المخالفة للشريعة الاسلامية مثل التأمين على الحياة, ولاتمارس الربا, وتقوم بتوزيع الفائض التأمين (الارباح) على حملة الوثاق التأمينية سنويا, ولا يستفيد المساهم من الشركة بأي نسبة من هذا الفائض, ايضا لايتحمل المشترك أية أعباء مالية تزيد عن نسبة الضرر المتوقع تعرض له, وتمنح التعويضات من الشركة بقدر الضرر نفسه لا أكثر ولا أقل ودودن تسويف أو مماطلة. ويضيف فؤاد قائلا بان شركة (إياك) تتبعها هيئة رقابة شرعية تراجع اعمالها ونشاطتها للتأكد من عدم وجود مخالفات للشريعة الاسلامية. سؤال قائم ورغم ما يقوله مدير عام شركة (إياك) إلا أن السؤال يبقى قائما ماهو الفارق بين التأمين الاسلامي وغيره من أشكال التأمين, ويدعم هذا السؤال أن شركات التأمين الاسلامي ليست مجرد صندوق للودائع الثابتة تحصل من فقط رسوم خدمات, ولكنها شركات استثمارية تستثمر رؤوس اموالها التي هي حصيلة ودائع المشتركين فيها في مجالات مختلفة, وان كانت كما يقول القائمون عليها تفصل بين حساب العمليات التأمينية وحساب الأوعية الاستثمارية, وهي مسألة يصعب تصورها الى حدما لانها تفترض وجود صندوقين احدهما للودائع والأخر لرأس المال والخلط بينهما محدود ومحسوب بدقة. في حديث لمجلة الاقتصاد الاسلامي يقول مدير شركة التأمين الاسلامية في الاردن (احمد محمد الصباغ) ان هناك حاجة ملحة للتأمين الاسلامي, وهناك قطاع كبير من الناس والشركات يتحرجون من حرمة التأمين التجاري, وفي التأمين الاسلامي المؤمن هو المؤمّن له, وصندوق الشركة ملك للمؤمنين مجتمعين. ويعطي (الصباغ) مثالا يقول فيه آن هناك شباب انهى تعليمه ويحاول تكوين بيت واسرة ولايجد دعم مالي ولاضمان يساعده على الاقتراض من البنوك الاسلامية, ومن البديهي أنه ليس لديهم ضمانات للبنوك العادية, ونحن نقدم لهم وثيقة التأمين ونتكافل معهم بالضمان لدى البنوك لتمنحهم القروض مقابل ضمان الوثيقة, واذا قدر الله اذا حدث احدهم شيئا يمنعه من السداد تدفع شركة التأمين الاسلامية ديون القرض للبنك, ولاحاجة لإخراج الارملة من البيت أو حرمان الوريث من السيارة أو الحجز على الممتلكات من قبل البنك. يستعرض (الصباغ) القروض بين التأمين الاسلامي والتجاري قائلا: ان التأمين الاسلامي يبتعد عن العمليات الربوية وعن شبهات الحرام في تعاملاته, ويقوم على المبدأ التعاوني والذي يحقق أكبر قدر من العدالة فيما يتعلق بحقوق المساهمين حيث يتم الفصل فيه بين حقوق حملة الاسهم وحقوق حملة الوثائق, واعطاء كل ذي حق حقه دون خلط وايضا التأمين الاسلامي يرسخ الفكر الاسلامي في التعاملات الاقتصادية عن طريق تدريب وتعيين كوادر فنية مؤهلة تتمتع بوعي كامل لاحكام الشريعة الاسلامية في التعاملات التأمينية, كما يكرس التأمين الاسلامي فكرة التعاون في الشدائد بين حملة الوثائق. تحقيق- مغازي البدراوي