تساهم الحالة المناخية للموقع الجغرافي للوطن العربي بالتأثير سلبا على الموارد المائية المتاحة اذ تقع معظم اجزائه في مناطق مناخية جافة وشبه جافة تقل فيها الامطار وتمتد فيها اكبر رقعة صحراوية في العالم, وترتفع معدلات الفاقد من الامطار عن طريق البحر . كما يعاني الوطن العربي من ضغوط شديدة على موارده المائية فعلى الرغم من انه يمثل نحو 15% من مساحة العالم, و5% من مجموع سكانه يحظى فقط بأقل من 0,5% من موارد العالم المائية العذبة وهو الامر الذي يجعل متوسط دخل الفرد فيه من المياه المتجددة أقل من المعدلات في العالم. يعقد الامر ان نصف الموارد المائية العربية تأتي الى الوطن العربي من خارج حدوده اضافة الى زيادة استهلاك المياه بمعدلات مرتفعة نتيجة التزايد المطرد في عدد السكان. ويشير تقرير حول اوضاع المياه في الوطن العربي صدر مؤخرا عن جامعة الدول العربية الى توقعات بازدياد تأزم الوضع المائي العربي في القرن المقبل نتيجة لتوقع زيادة الطلب على المياه بمعدلات مرتفعة لمواكبة النمو السكاني السريع الامر الذي سينعكس سلبا على حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية مالم يتخذ العرب خطوات فاعلة ومؤثرة على مختلف الاصعدة المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية لوضع سياسات وبرامج للموارد المائية بهدف تخفيض استهلاكها والفاقد منها والحد من تبريدها وتلوثها وتوفير موارد مائية اضافية لضمان استمرارها لصالح الاجيال المقبلة, وبالتالي لابد من احتلال قضية المياه لصدارة سلم اولويات البرامج الانمائية العربية لمواجهة تحديات القرن المقبل, وتحقيق الامن المائي. ويوضح التقرير ان 90% من الاراضي العربية في مناطق شديدة الجفاف وشبه جافة تشح فيها الامطار, كما تغطي الرقعة الصحراوية 68% من مساحة الاراضي العربية و20% من المساحة المتبقية عرضة للتصحر بتأثير العوامل البيئية, او تحت ضغط الاستخدامات البشرية غير المخططة او غير الملائمة. متوسط سنوي ولا يتعدى متوسط معدل التساقط السنوي للامطار في الوطن العربي عن 160 مليمترا يقدر بنحو 2228 مليار متر مكعب في السنة ينفرد السودان بنسبة 50% منها. وتساهم مياه الامطار في تنمية الزراعة المطرية وتغذية الموارد الجافة غير ان جزءا كبيرا منها يفقد في التبخر والتسرب ويذهب الباقي منه في البحار والسبخات لصعوبة التحكم في السيول ويبلغ الفاقد من البخر نحو 85% ولا تتعدى المياه المتاحة للاستغلال من اجمالي ما ذكرناه سلفا سوى 265 مليار متر مكعب. يشير التقرير ايضا الى انه على الرغم من تعدد الدراسات العربية لتقييم الموارد المائية الا ان نتائجها متباينة الامر الذي يبرز ضرورة استكمال الدراسات لبعض الاحواض من الناحيتين (الهيدرولوجية) و(الهيدروجيولوجية) لارتقاء معرفتنا بالموارد المائية من حيث الدقة والشمول. ووفق التصنيفات العالمية فإن وضع الموارد المائية يتسم بالحرج اذا قل نصيب الفرد عن 1000 متر مكعب في السنة فيما يوصف الوضع المائي (بالفقر الخطير) اذا قل نصيب الفرد عن 500 متر مكعب في السنة, في هذا الاطار فان التقرير يشير الى ان وضع المياه في الوطن العربي هو اسوأ وضع في العالم مقارنة بباقي المناطق الكبيرة في العالم اذ يقارب معدل نصيب الفرد من المياه في افريقيا 5500 متر مكعب في السنة, وفي آسيا 3520 مترا مكعبا في السنة, وفي العالم 1180 مترا مكعبا في السنة فيما لا يتعدى معدل نصيب الفرد بالوطن العربي عن 1027 مترا مكعبا في السنة. شح المياه ويشير التقرير الى ان مشكلة شح المياه في الوطن العربي تتزايد بسرعة كبيرة اذ تدنى نصيب الفرد الواحد في السنة من 3800 متر مكعب عام 1950 الى 1027 مترا مكعبا عام 1997 اي بما يقارب 37% خلال 45 عاما بسبب ارتفاع معدل نمو سكان الوطن العربي البالغ 2,7% وهو من اعلى المعدلات في العالم اذ يبلغ المتوسط العالمي لنمو السكان 1,7% وفي الدول الصناعية المتقدمة 0,7%. وتجدر الاشارة الى ان متوسط معدل نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة على نطاق الوطن العربي يخفي تفاوتا كبيرا بين المعدلات الخاصة بكل بلد ويكشف التقرير عن وضع المياه المتأزم لأكثر من 13 دولة عربية سيقل فيها نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة عام 2025 عن سقف الفقر المائي الخطير, وان الجزائر والسودان سوف ينضمان الى دول الخليج العربي وليبيا والاردن وتونس وجيبوتي واليمن التي هي حاليا تحت هذا السقف. زمام السبق ويشير التقرير الى انه على الرغم من تزايد استخدام التحلية في العالم فان الدول العربية ودول الخليج بشكل خاص تأخذ زمام السبق وتزيد من طاقات انتاج المياه المحلاة لتلبية احتياجات الشرب والصناعة بطاقة انتاج تفوق احيانا مثلى المعدل اليومي للاستهلاك ويبلغ معدل انتاج محطات التحلية في الوطن العربي 11,5 مليون في اليوم تأتي السعودية في مقدمة الدول المنتجة للمياه المحلاة وتحتل دولة الامارات المركز الثاني. ويحدد التقرير المعوقات التي تعترض تحقيق الامن المائي العربي في العوامل التالية: 1ــ محدودية الموارد المائية. 2ــ مأزق الموارد المائية المشتركة. 3ــ الزيادة في السكان. 4ــ نقص المعرفة ببعض الموارد المائية. 5ــ ضخامة متطلبات الامن الغذائي. 6ــ انخفاض كفاءة استخدام المياه. 7ــ تدهور نوعية المياه والتربة. 8ــ إهمال الجانب الاقتصادي للمياه. آفاق مستقبلية كما يوضح التقرير الآفاق المستقبلية لمعالجة ازمة المياه, مشيرا الى ان التصدي للازمة يتطلب تبني مجموعة من السياسات والاجراءات لإزالة تراكمات الكم الكبير من المعوقات المشار اليها, ومن أهم تلك السياسات والاجراءات: 1ــ العمل على تدقيق معرفة الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي من حيث الكم والنوع وإمكانيات تطويرها, وفي هذا الاطار يجب تطوير حصاد الامطار بإنشاء السدود الترابية والبحيرات والبرك وتوجيه مياه الامطار والسيول الى اماكن مناسبة لاستقبالها والاستفادة منها. 2ــ السعي لإيجاد حلول لقضايا المياه المشتركة مع دول الجوار عن طريق التوصل الى اتفاقات دولية لاقتسام هذه الموارد بشكل رسمي كما ينبغي التوصل الى اتفاقات فيما يخص الأحواض المشتركة ووضع استراتيجيات واقعية لاستثمار المخزون المائي الجوفي في اطار مشاريع عربية مشتركة. 3ــ اعتبار المياه الجوفية غير المتجددة مخزونا استراتيجيا يجب استغلاله بحذر ومراعاة حق الاجيال المقبلة فيه. 4ــ تطوير استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة في الزراعة والتي تقدر كمياتها بما يقارب 50% من مياه الشرب. 5ــ تنمية صناعة المياه المحلاة في الدول العربية مع الاستفادة من التجربة الفريدة لدول الخليج في تطوير هذه الصناعة ورفع كفاءتها. القاهرة ــ أحمد رجب