أتيحت لي مؤخرا فرصة الاطلاع على بحث صدر عن مؤسسة (برايس ووتر هاوس) العالمية للحسابات حول مستقبل تدوين التقارير المالية . الاشعاعات الرؤية المستقبلية التي يعد بها البحث نابعة من مقدمة منطقية تذهب الى ان المستثمرين من ذوي الدوافع المالية القوية يقلصون ما تتكبده الشركة من كلفة رأس المال, كما يوحي البحث بأن الفجوات التي تباعد بين معلومات الادارة والتقارير المالية العامة للشركة على وشك ان تبدأ بالتقلص مع تنامي الاتجاه الحديث نحو تطوير ادارة الشركات من أجل الاعلاء من قيمة المساهمين. ونظام المستقبل المحاسبي الذي يبشر به البحث يقوم على فكرة محورية تسمو بمفهوم القيمة في صناعة وصنع التقارير. ولعل مما يقرب الصورة إلى أذهاننا ان نستحضر في مخيلتنا ما اعتدنا مشاهدته في معارض السيارات الكبرى حيث نرى تجسيدا نموذجيا لمفهوم سيارة المستقبل كما تسعى التقنية المتطورة الى بلورته, والأمر هنا فيما يتعلق بالشؤون المالية المحاسبية ورؤاه المستقبلية له وجه شبه بمفهوم سيارة الغد, وهذا جانب آخر من جوانب الامتاع التي تحفل بها تلك الدراسة المحاسبية. والسمة التي تطغى على ما عداها في ثنايا هذه الرؤية المستقبلية لاستراتيجيات تدوين التقارير المالية إنما هي القفزات الكمية في مضمار الشفافية, وتشتمل المعلومات الواردة في هذا النمط من التقارير على الحجم الغفير من ذاك النوع من المعلومات الذي يعتبر حتى الآن وفي المنظور الغربي سائدا, ناهيك عن النظرة التي يتم تناوله من خلالها في الشرق الأوسط حيث لا يزال من العسير جدا أن ترشح معلومات موثوقة في القطاع المالي. ولعل من إنصاف البحث الذي يدور عنه حديثنا ألا نعمد الى مسخه باختصاره في مثل هذا العمود الاسبوعي, فمن يود من القراء الاستزادة فليتصل بالمؤسسة التي أصدرت البحث مباشرة على فاكس رقم 00441719396676 يجدر التنويه الى ان مفهوم الدراسة الأساسي ينبثق عن بضع حقائق دامغة لايتطرق إليها الشك. وينعم العالم حاليا بوفرة في تدفق رؤوس الأموال الخاصة في جميع أرجاء المعمورة, والأجمل من ذلك أن هذا التمويل بات توزيعه يتسم بشىء من العدالة في العصور الحديثة, وبالنسبة للشركات العاملة في المنطقة فإنها من أجل أن تنال من هذا التمويل نصيبا ينبغي عليها أن تفي بمتطلبات المعايير المعتمدة عالميا في تدوين التقارير والتعامل معها, كما يجب أن تكون مهيأة لاستيعاب تطور تلك المعايير وأن تدور مع مسيرة تحديثها حيث دارت. لقد أصبحت الأسواق عالمية الطابع في كل بقعة قام عليها سوق, وباتت رؤوس الأموال حرة في تدفقها في معظم الأحوال, وهي تسير في حركتها الناشطة على خطى أفضل العائدات وتفتش عن مواطنها أينما كانت. كما أصبح العالم من ناحية أخرى يعج بقدر وافر من المعلومات المبذولة بين أيدي المستثمرين, ولم تجمد تكنولوجيا المعلومات عند نقطة إثراء المعلومات كماً ونوعاً, بل أحدثت ثورة مذهلة في دفق هذه المعلومات وقنوات انسيابها وتوفرها. فالانترنت أصبح بحرا زاخرا بالمعلومات فضلاً عن حشد آخر من مناهل المعرفة والمعلوماتية التي تفتح أذرعتها لمن يطلبها دون ان تكبده كبير عناء. وثمرة هذا ان ألقى هذا التطور على عاتق الشركات عبء ضخ قدر أكبر من المعلومات وإلا أصبح الناس يتلقفون معلومات مبتورة محدودة ليملؤوا حلقاتها المفقودة ويؤولوها بأسلوبهم وحسبما يشتهون. لذا كان من الأفضل أن نمسك بالزمام في شركاتنا وأن نتعامل مع عالم المعلومات بنظرة مستقبلية متطورة, ففي الآونة الراهنة وفي هذا العصر لايمكن اختراق حجب المستقبل واستشفاف تحدياته والصمود أمام عواصف متغيراته إلا ببذل المعلومات وطرحها على الملأ بحرية بدلا من ان نحد من انتشارها ونقيم السدود دون الوصول اليها. وتدوين تقارير القيمة هو أحد هذه الأساليب التي تستلهم المستقبل وتتعامل مع الغد بجرأة. وفضلاً عن ايراد وتوفير الحسابات المالية العادية, ينبغي أن يحوي التقرير عن الشركة معايير أخرى قياسية غير مالية لتكون مؤشرا على أدائها, ويمكن ان تشتمل هذه على أمور مثل حصة السوق وحصة العملاء, ورضى العملاء, وولاء العاملين ومهارة المستخدمين ومستواهم الثقافي, وغيرها من المؤشرات التقييمية لموارد الشركة ومقدراتها التي تمنحها ميزتها التنافسية وتثري قيمة طرحها لمنتجاتها. وفي نهاية المطاف فإن الارتقاء بأهمية الشفافية يمنح المدراء قوة أكبر على الادارة الحكيمة المثمرة بقدر ما يثري قدرات المستثمر على الانتقاء الأمثل لمحفظته الاستثمارية, واكتمال هذه العناصر يخدم في التحصيل النهائي وعلى المدى الطويل مصلحة الشركة. نائب رئيس لويدز بنك*