نجحت منظمة الاوبك لسنوات طويلة في الاحتفاظ بسقف اسعار النفط عاليا وفي احيان كثيرة متوازنا عن طريق الضغوط على الدول المنتجة تارة والسعي للتحكم في الاسواق العالمية تارة اخرى من خلال تنظيم الكميات المطروحة وعدم اغراق الاسواق اكثر مما هو مطلوب بالاتفاق مع الدول المنتجة العضو بالاوبك , وكانت حتى الدول المنتجة التي ليست عضوا بالاوبك تحاول الالتزام قدر الامكان بتوجيهات الاوبك لما في ذلك مصلحة لها لعدم الهبوط بأسعار النفط بصورة تضر اقتصادها حتى مع اكتشاف تلك الدول ــ خارج الاوبك ــ لآبار بترول جديدة, لم يؤثر ذلك كثيرا على خفض اشعار البترول, لأن عمليات التنقيب وزرع انابيب الضخ وغيرها كانت دائما ذات تكاليف عالية, كان هذا حتى سنوات قليلة مضت, الذي شهد اكتشاف العديد من ابار النفط الجديدة في عدد من الدول الاوروبية وفي النرويج, ورافق ذلك في السنوات الاخيرة انخفاض ملحوظ في اسعار التنقيب عن البترول نتيجة للتقدم والتقنية, كما ان منظمة الاوبك ــ التي تضم الدول العربية المنتجة للنفط وايران, واندونيسيا ونيجيريا وفنزويلا, ما عدا مصر ـ كانت منذ ربع مضى تنتج نفطا اكثر من دول العالم مجتمعه, لكن هذا الأمر انتهى ايضا فالنرويج التي ليست دولة عضو بالاوبك, اصبحت تعتبر الدولة الثانية المصدرة للبترول في العالم بعد المملكة العربية السعودية واصبح حوالي 33% من اجمالي البترول الذي يستهلكه العالم مصدره الدول الاعضاء في منظمة الاوبك تلك الدول التي لم تعد في مقدمة الدول ذات الانتاج الرخيص, الامر الذي ادى الى ضياع زمام الامور من دول الاوبك, ولم تعد قادرة على التحكم في اسعار البترول عالية بشكل منتظم, رغم ذلك كانت الدول المنتجة للبترول على قدر كبير من الحماس حتى شهر نوفمبر من العام الماضي عندما كانت اسعار النفط تحظى باستقرار وكانت الدول الاوروبية من وقت لآخر بدافع المنافسة في الشراء تدفع في البرميل اكثر من المطلوب, ثم قررت منظمة الاوبك رفع سقف الانتاج 10% وفي اكتوبر من العام الماضي وصل متوسط سعر البرميل لاكثر من 20 دولارا ثم عاد للانخفاض في فصل الشتاء وانخفض السعر الى 16 دولارا وباءت بعدها محاولات الدول المنتجة للنفط بالفشل في رفع السعر مرة اخرى, اما في شهر يونيو الماضي فقد وصل سعر البرميل 18,84 اما سعر البرميل لبترول بحر الشمال فقد بلغ برنت 12,06 دولارا, ثم انخفض لأقل من ذلك حتى وصل الى اقل من 12 دولارا, ولم يؤد هذا الانخفاض الى اثار سيئة كبيرة كما ان عدم الاستقرار, لم يتسبب في مشاكل او خسائر لدول الخليج الغنية, اما السعودية والنرويج باعتبارهما دولتين منخفضتي التعداد السكاني, ولديهما انتاج كبير من النفط, ودخل كبير ايضا ــ لدرجة انهما لم يتمكنا في حالات كثيرة من استثمار العائد من النفط في بلادهما داخليا ــ ويحتفظا بودائع مالية كبيرة في الخارج وايضا استثمارات كبيرة فقد افادهما كل هذا في الاوقات العصيبة لانخفاض اسعار النفط واحتفظتا بهامش كبير من الارباح, وذلك عكس الدول البترولية التي يوجد فيها نسبة سكان عالية, فان عدم استقرار وانخفاض اسعار النفط قد اعتبر لهذه الدول كارثة كبيرة فبلاد مثل الجزائر, مصر, فنزويلا, اندونيسيا, نيجيريا تأثرت سلبيا بشكل كبير, حيث ان العائد من تصدير النفط في هذه البلاد هو ضرورة حتمية للنمو الاقتصادي, فربع العائد من الصادرات في اندونيسيا مصدره البترول, فبالاضافة للازمة الاقتصادية التي عانت منها الدول الاسيوية مجتمعة جاء انخفاض سعر النفط, والهزات التي تعرض لها سعر الدولار, الامر الذي ادى لخسارة وصلت الى دول اسيا المنتجة للبترول والتي تضم كثافة سكانية عالية 40% كما اثر هذا بصورة ملحوظة على مصر والجزائر. وفي مارس الماضي كانت تشير بعض البوادر بأن منظمة الاوبك سوف تستعيد التحكم من جديد لكن جاءت مفاجأة بانخفاض الاسعار مما ادى معه انضمام كل من النرويج والمكسيك الى قرار منظمة الاوبك في تحديد سقف الانتاج, ولفترة قصيرة جدا بعد هذا القرار ارتفعت الاسعار ثم انخفضت فجأة وادت ازمة الشرق الاقصى الى بقاء السؤال قائما, ماذا سيحدث للاسعار في السنوات المقبلة وهل سيظل زمام الامور مفلوتا من يد منظمة الاوبك.. ثم كانت هناك محاولات اخرى في نهاية يونيو الماضي لتحديد الانتاج لكن لم يعكس هذا الاجراء واقعا ملموسا على الاسعار, ولقد اكدت مصادر نفطية هولندية على وجود مؤشرات كبيرة تؤكد ان البترول سوف يشهد انخفاضا في الاسعار مجددا مع قدوم فصل الشتاء, ولكن الدول المنتجة والمزدحمة بالسكان ستكون اكثر تضررا من الناحية الاقتصادية بهذا الانخفاض في الاسعار الى عدة عوامل في مقدمتها وجود مخزون شتوى من زيت التدفئة في الدول الاوروبية في نصف الكرة الشمالي بصفة عامة سيؤدي الى تراجع الطلب على النفط, ثانيا عدم التزام العديد من الدول بالقرارات التي ستتخذها الاوبك في تخفيض حجم الانتاج خاصة الدول التي تعاني من ازمات اقتصادية على غرار بعض الدول الاسيوية والدول العربية النامية والتي سترى ان في خفض الانتاج اضرارا اكبر من الضرر الذي يصيبها حال خفض اسعار البترول, ثالثا ارتفاع نسب المخزون في الدول غير الاعضاء بالاوبك والتي ستسعى الى طرحه بالاسواق لعدم قدرتها على الاحتفاظ بهذا الفائض, رابعا تزايد نسب الانتاج في بترول بحر قزوين مع اكتشاف مزيد من ابار النفط, واغراق الاسواق بمزيد من الصادرات القزوينية. هولندا ــ سعيد السبكي