لا يختلف اثنان على ان التوطين في قطاع العمالة والتوظيف سياسة ناجحة وضرورية اقتصادياً واجتماعياً, وهي سياسة متبعة ليس في الدول الغنية ذات الاعداد المنخفضة من السكان فقط مثل دول الخليج, ولكن ايضاً في الدول ذات الكثافة السكانية العالية والمتقدمة اقتصاديا, مثل المانيا وايطاليا وغيرهما من الدول الأوروبية, التي تعاني احياناً من نسب في البطالة في الوقت الذي تشغل فيها العمالة الاجنبية حيزاً ملحوظاً وتأتي على حساب العمالة الوطنية . وهذه الظاهرة في دول الخليج تأخذ أبعاداً مختلفة, حيث تسعى الحكومات بخطوات جادة في طريق التوطين, لكنها تواجه مشكلة ليست بسيطة, وهي ان القطاع الخاص الذي يشغل مساحة كبيرة في اقتصادات هذه الدولة وعملياتها الانتاجية يعتمد في الاساس على العمالة الوافدة الجاهزة والمدربة والرخيصة في الوقت نفسه, اما العمالة الوطنية فلا تجد مكانها في القطاع الخاص, لأسباب عدة أهمها في رأي رجال الاعمال المواطنين قبل الاجانب هو انخفاض المستوى التأهيلي للمواطنين وعدم اقبالهم على الأعمال الفنية التخصصية, او الاعمال التي تحتاج الى مجهود كبير وتستغرق ساعات طويلة, واقبال المواطنين على الأعمال المكتبية والادارية, وهي الأعمال التي يقل وجودها في القطاع الخاص الذي يعتمد في الاساس على التخصصات الفنية. وحول ضرورة تأهيل المواطنين واعدادهم للعمل في القطاع الخاص, وفي التخصصات الفنية في المؤسسات والشركات وتحديد الجهات التي يجب ان تتحمل مسؤولية اعداد وتأهيل المواطنين للعمل, مدت (البيان) جسور الحوار مع المسؤولين من الحكومات والقطاع الخاص ورجال الأعمال وخبراء الاقتصاد. والبداية تأتي عبر اللقاء مع أستاذ الاقتصاد في جامعة الامارات ونائب مدير الجامعة لشؤون التخطيط الدكتور احمد خليل المطوع, والذي كان له بحث مهم حول هذه القضية تحت عنوان تركيبة سوق العمل في دولة الامارات والتنمية البشرية والمجالات المفتوحة أمام السياسة الاقتصادية. وهذا البحث احدث ردود فعل في دوائر عديدة, حيث تناول فيه د. المطوع التركيبة الحالية لسوق العمالة في دولة الامارات, وضرورة البحث عن سبل لرفع مستوى المهارات عند العمالة الوطنية. ويقول د. المطوع ان تأهيل العمالة الوطنية مهمة تقع في الاساس على عاتق اصحاب رؤوس الاموال والمستثمرين الذين استفادوا بشكل كبير من العمالة الوافدة الرخيصة سنوات طويلة, وكونوا من ورائها ثروات كبيرة. ويضيف د. المطوع ان هذه الفئة من رجال الأعمال حققت فائضاً في رأس المال عام 1995 بلغ ما يقرب من سبعة مليار درهم. ويقترح د. المطوع ضرورة مساهمة اصحاب رؤوس الاموال ورجال الاعمال في عمليات تدريب وتأهيل العمالة الوطنية بأن يقدموا نسبة من هذا الفائض الكبير في رأس المال, والذي حققوه من وراء العمالة الوافدة الرخيصة, وتوجه هذه النسبة لانشاء مؤسسات لتدريب المواطنين ورفع كفاءاتهم. ويقول د. المطوع ان هذا الرأي عندما طرحته في البحث لم يعجب اصحاب رؤوس الاموال ورجال الأعمال في القطاع الخاص, واعتبره البعض منهم شكلاً من اشكال الضريبة, وانا أقول ان الضريبة ليست بدعة, وانها موجودة في كل بلدان العالم, والوضع عندنا في الامارات استثنائي تماماً. ويضيف د. المطوع ان المواطن في دولة الامارات يدخل في منافسة ومقارنة غير عادلة, لأن الوافد يأتي الى البلاد وهو مؤهل ومدرب وجاهز للعمل ولديه خبرة سنوات طويلة فيه, بينما المواطن الحاصل على أعلى الشهادات عندنا غير مدرب ولا مؤهل للعمل, وواجب الدولة كما علمته ان تؤهله للعمل, ولكن هذه مهمة شاقة ومكلفة, وفي نفس الوقت سوف يستفيد منها في النهاية القطاع الخاص بشكل كبير, ولهذا لا بد من مساهمة هذا القطاع بشكل كبير في تدريب وتأهيل المواطنين للعمل وخاصة في القطاع الخاص. ويرى د. المطوع انه لا يمكن شغل جميع الوظائف بالمواطنين, وهذا امر ليس ضروريا الآن ويحتاج تنفيذه لفترة ليست بالقصيرة, والعمالة الوطنية قليلة, وتدريبها وتأهيلها لن يشكل عبئاً لو ساهم فيه القطاع الخاص بشكل فعال, خاصة وان هذا القطاع هو المستفيد الاكبر من مميزات الاقتصاد في الامارات, وعليه ان يعطي بقدر ما يأخذ, ويمكن ان يقدم مساهماته عن طريق رسوم سنوية او نسب على الارباح او حتى ضرائب, ولكن الأهم من هذا كله هو اعداد دراسات علمية دقيقة وبرامج وخطط مستقبلية لعمليات تأهيل العمالة الوطنية. استيعاب المواطنين مدير عام الدائرة الاقتصادية برأس الخيمة الدكتور (محمد ابراهيم رابوي) يقول اننا عندما نتحدث عن شركات القطاع الخاص في مجال العمالة الوطنية والوافدة فنحن لا نقصد هنا الشركات الصغيرة التي تقدم رواتب قليلة وتستخدم عمالة محدودة ولكن نتحدث عن الشركات الكبيرة المؤثرة في السوق والاقتصاد, والتي تستخدم عمالة كبيرة وتستطيع استيعاب المواطنين والانفاق على تدريبهم, ومن البديهي ان غالبية المواطنين لن يقبلوا, الا على الشركات الكبيرة, وتأهيل المواطنين امر مهم وحتمي, وقد أعدت وزارة العمل برنامجاً جيداً جداً, وبدأ منذ فترة يؤتي ثماره حيث يؤهل المواطنين للعمل في القطاعين العام والخاص. ويقول د. رابوي ان القطاع الخاص يجب ان يشارك وبفاعلية في تأهيل العمالة الوطنية, ولا يجب ان نلقي كل الاعباء على الدولة, واذا استلزم الامر فعلى الدولة ان تتدخل لاجبار القطاع الخاص على المشاركة في تأهيل العمالة الوطنية, لانه من البديهي ان القطاع الخاص لن يفعل ذلك من تلقاء نفسه لانه يفضل العمالة الوافدة الرخيصة والجاهزة والمؤهلة, ولكن اذا تركنا الامر كذلك فلن ننهض ببلادنا, وحضارات البلاد لا تقوم الا على سواعد ابنائها, والعمالة الأجنبية لا تصنع حضارة قومية. ويرى د. رابوي ان القطاع الخاص لن يخسر, ونفقات التأهيل للعمالة الوطنية لا تمثل شيئاً بالنسبة للأرباح التي يجنيها القطاع الخاص من المميزات الممنوحة له في دولة الامارات, وتأهيل العمالة الوطنية في حد ذاته استثمار طويل الأجل. ويضيف د. رابوي ان مسألة التكلفة في تأهيل العمالة الوطنية ليست هي المشكلة, ولا يجب ان تكون, والعمالة الوافدة بخبراتها الجاهزة لها ايضاً مشاكلها, ولا احد يقول بالاستغناء الكامل عن العمالة الوافدة ولكن ننادي برفع كفاءة المواطن, خاصة وان كثيراً من المواطنين اثبتوا كفاءات عالية في مجالات متعددة, ولا يجب ان نقيس الأمور على بعض الحالات الكسولة والمستهترة. ويطالب د. رابوي بضرورة وضع البرامج والخطط التأهيلية للعمالة الوطنية على اسس ودراسات علمية في مختلف المجالات, وفي الوقت الذي يجبر فيه القطاع الخاص على قبول العمالة الوطنية علينا ان نحمي هذه العمالة, وان نجعل التأهيل والتدريب على مستوى المواطن, بمعنى ان نضعه في مكان لائق لا يتضرر منه, ونعطيه اجراً مناسباً لمستوى معيشته الذي يختلف عن مستوى معيشة الوافد الذي يحسب اجره بعملة بلاده, بينما المواطن ينفق كل اجره داخل الامارات وفي افضل المستويات التي تمتص دخله كله. مسؤولية التأهيل اما المسؤول في الدولة فبعضهم يختلف رأيه عن خبراء الاقتصاد في بعض النقاط وان كان الجميع متفقون على الهدف العام. ويقول رئيس غرفة رأس الخيمة (علي عبدالله مصبح) : الدولة لا تستطيع ان تجبر القطاع الخاص على تحمل مسؤولية تأهيل العمالة الوطنية, وان كان ممكن ان تلتمس من المؤسسات والشركات الكبيرة ان تقبل العمالة الوطنية وتنفق على تأهيلها, وهذه هي في الأساس توجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وايضاً أصحاب السمو حكام الامارات, وهناك مؤسسات خاصة ومساهمة مثل (أدنوك) و(اتصالات) و(جمعة الماجد) وغيرها تتكفل بتأهيل المواطنين وترسلهم في بعثات تدريبية بعد تخرجهم. ويضيف مصبح قائلاً: انا لا أعفي القطاع الخاص من المسؤولية تماماً, واذا كانت الدولة تنفق اموالاً طائلة على المواطنين حتى ينتهوا من تعليمهم في المدارس والجامعات , فإن القطاع الخاص عليه ان يتحمل جزءاً كبيراً من تأهيل المواطنين ونحن في الحكومة نستقبل اعداداً كبيرة من المواطنين ندربهم ونعطيهم مكافآت شهرية, ولكن القطاع الخاص مطالب بتولي مسؤولية تأهيل المواطنين للأعمال التخصصية اللازمة في المؤسسات والشركات الكبيرة, ويجب وضع برنامج كبير لتدريب وتأهيل العمالة الوطنية تضعه الحكومة مع مجلس الخدمة المدنية وكذلك المجلس الوطني الاتحادي, ويشارك فيه القطاع الخاص. ويطالب رئيس غرفة رأس الخيمة المواطنين بأن يسعوا للعمل بجدية في كل المهن, ولا يرفضون وظائف ويقبلون وظائف اسهل, لأن الظروف تتغير والمشكلات الاقتصادية تكثر وتزداد حدة, وما يرفضونه الآن سوف يجبرون على قبوله في المستقبل مع التوسع في سياسة التوطين. واذا كانت هذه آراء الخبراء والمسؤولين في الدولة فإن آراء رجال الأعمال في القطاع الخاص ليست كما يتصور البعض على النقيض مما ذكر, بل على العكس منهم الكثير الذي يؤيد ويطالب بحماس بمشاركة القطاع الخاص في تأهيل العمالة الوطنية. القطاع الخاص لا يتهرب ويقول رجل الاعمال, محمد خلف الحبتور: جميع الخريجين من المواطنين يراد لهم تأهيل وتدريب لان الدراسة في الجامعة لا تؤهل للحياة العملية بشكل جيد, واي خريج لا بد وان يتدرب , ونحن مستعدون تماماً لتحمل مسؤولية تدريب وتأهيل العمالة الوطنية, وليس صحيحاً ما يشاع من أن القطاع الخاص يتهرب من هذه المسؤولية, بالعكس نحن نتمنى ان يعمل معنا المواطنون حتى نتفاهم معهم بسهولة, وهناك مواطنون على مستوى عال من الكفاءة والتأهيل المهني ومنهم المتعلمون بالخارج وايضاً المتعلمون في جامعات الامارات, ولكن نحن نواجه مشاك في تشغيل العمالة الوطنية منها ان الحكومة تعطي رواتب عالية لمواطنين غير مؤهلين, ولا يبذلون في عملهم اي مجهود, اما القطاع الخاص فلا يستطيع ان يدفع رواتب مثل الحكومة في الوقت الذي نعمل فيه اكثر من الحكومة في ساعات العمل والمجهود, ولا يوجد شيء يجبر المواطنين على تحمل المشاق معنا اذا كانت الحكومة تفتح لهم ابوابها للعمل المريح وبأجر عال, وهذا لا يمنع ان القطاع الخاص ايضاً يعطي اجوراً عالية, ولكن لمن؟ بالقطع نحن ندفع اكثر للخبرة والكفاءة الأعلى. ويضرب الحبتور مثلاً بسلطنة عمان حيث تجبر الدولة هناك القطاع الخاص على تشغيل المواطنين وتأهيلهم لكنها في الوقت نفسه تساهم مع القطاع الخاص بدفع جزء من راتب المواطن يعادل الفارق ما بين راتبه في القطاع الخاص والراتب الذي يستلمه زميله في الحكومة. ويضيف الحبتور نحن مستعدون تماما لتدريب المواطنين وتأهيلهم, فقط نطلب منهم ان يصبروا معنا ويتحملوا للنهاية, وللعلم ان من يتدرب عندنا من المواطنين نعطيهم رواتب عالية, ويترقون الى اعلى المناصب, نحن لسنا مقصرين في حق العمالة الوطنية بقدر ما العمالة نفسها مقصرة في حق نفسها. ويؤكد الحبتور على ترحيب القطاع الخاص بالعمالة الوطنية قائلاً: انا مستعد اذا تساوى المواطن مع الوافد في الكفاءة والخبرة ان اعطيه الأولوية وافضله على الوافد وأعطيه اجراً أعلى منه. ويقول (الحبتور) نحن في مؤسساتنا نستقبل كل عام خمسة طلاب من جامعات بريطانيا ندربهم ونعطيهم رواتب ونتحمل نفقات سفرهم واقامتهم ونقدم للجهات التي أرسلتهم تقارير تفيد مستواهم اثناء التدريب, هذا نفعله للأجنبي الذي ربما لن يعمل عندنا, فما بالك بالمواطن, بالقطع نحن مستعدون ان نقدم له اكثر من هذا بكثير. ويحكي الحبتور عن نفسه قائلاً: انا خريج ادارة فنادق, وعملت في الفنادق, وارتديت زي العمل مثل الوافدين, وتحملت كل المشاق فقط بهدف ان اتعلم وأزيد خبرتي. صعوبة تشغيل المواطنين وكان ختام جولة (البيان) الحوارية مع رجل اعمال اخر يعمل في واحدة من أكبر مؤسسات القطاع الخاص في دولة الامارات وهو (عامر احمد سيف بالحصا) مسؤول القطاع الصناعي بمجموعة شركات بالحصا والذي قال لنا: ان القطاع الخاص مستعد لتحمل مسؤولية كاملة في تأهيل العمالة الوطنية, ويرحب بها تماماً في العمل لديه, ونحن لدينا في مؤساتنا مواطنون من خريجي الجامعات يعملون في مناصب ووظائف ادارية ولا يعملون في مناصب فنية وتخصصية, ونحن نعلم جيداً صعوبة تشغيل المواطنين, لان المواطن بطبيعته لا يتحمل اصدار أوامر اليه, ولا يتحمل ظروف العمل الصعبة, والجامعات لا تؤهل المواطنين للعمل التطبيقي, وكلهم يحتاجون للتأهيل بعد التخرج, ونحن مستعدون تماما للمساهمة في تأهيل العمالة الوطنية, ولكن على الحكومة ان تساعدنا حتى نستطيع ان نقدم للمواطن اثناء فترة تدريبه وتأهيله راتباً مناسباً. ويقول (بالحصا) لدينا مصنع في سلطنة عمان, والدولة هناك تجبرنا على تشغيل نسبة محددة من المواطنين فيه, ونحن نقبل على الرحب والسعة, ونتمنى ان يتم هذا في الامارات, ولكن على المواطنين ايضاً ان يقبلوا على العمل بجدية وصبر وقوة تحمل لكل ظروف العمل, ونحن لا نملك أي ضغوط على المواطنين مثلما نملك على العمالة الوافدة التي نحضرها من الخارج, ونعمل اقامتها علينا, ونستطيع التخلص منها وترحيلها في اي وقت ودون أي ضغوط. ويضيف (عامر) قائلاً انه يأمل لسياسة تأهيل العمالة الوطنية ان تنجح في المستقبل في دولة الامارات, ويقول ان هذه السياسة واجهت صعوبات في بدايتها في سلطنة عمان, وكان المواطنون هناك هم الذين يرفضون العمل في القطاع الخاص ولكن مع تغير الظروف, ووجود ازمات اقتصادية, اضطر المواطنون انفسهم للبحث عن العمل في اي مكان وتحت أي ظروف, واعتقد ان المشاكل الاقتصادية الآن اصبحت عامة في المنطقة كلها, وسوف تضطر العمالة الوطنية في الامارات في المستقبل القريب إلى الخضوع للظروف وقبول العمل في القطاع الخاص بشروطه ومشاقه. وفي نهاية هذه الجولات من الحوار الصريح والموضوعي حول مسألة من أهم المسائل التي تواجه الاقتصاد الوطني والحياة الاجتماعية في دولة الامارات يظل من المهم الاشارة الى ان مسألة الانفاق على تأهيل العمالة الوطنية ليست سهلة, ولم تحسم بعد, والقطاع الخاص مطالب فيها بتحمل جزء كبير من المسؤولية, وتظل القضية مفتوحة على المزيد من المتابعة لتطوراتها.