سادت حالة من التوتر واختلال عجلة القيادة في اسواق المال الأوروبية خلال الايام القليلة الماضية, واهتزت الصورة داخل البورصات الاوروبية وشهدت حركة شراء الاسهم والسندات نوعا من التجمد, ففي الوقت الذي حققت فيه بورصة باريس تقدما طفيفا تراجعت الاسهم والسندات في فرانكفورت ولندن, بينما انخفضت مؤشرات بورصة امستردام تحت الـ ,1200 وخسرت 2.95 نقطة . ويعود هذا الاختلال نتيجة لعديد من الاسباب والمؤثرات الداخلية والعالمية, في مقدمتها تقارير المحللين والمراقبين الاقتصاديين الاوروبيين والتي حذرت من عدم تحقيق الشركات الامريكية او الاوروبية الكبرى للارباح المنتظرة وذلك خلال الربع عام الاخير, مما دفع كبار المستثمرين الاوروبيين وفي اجماع لا يتكرر كثيرا, الى تجميد انشطتهم في انتظار في التقارير الربع سنوية لكبريات الشركات, في الوقت الذي تذبذبت فيه تقديرات المحللين وتوقعاتهم حول هذه الارباح, في حين بقيت اسواق المال الاوروبية معتمدة على تحركات صغار المستثمرين في بيع وشراء الاسهم للشركات والبنوك, واهمها شركات الطيران والتكنولوجيا والبترول والزيوت. وفي هولندا اضطرت شركة الطيران الهولندية الملكية (كيه ال ام) و(الاونى ليفر) وشركة الزيوت الملكية, الى التعجيل باعلان التقارير السنوية للقضاء على المخاوف والتوترات الحادثة في بورصة امستردام, وكانت المفاجأة تقديم شركة (الكيه ال ام) للتقرير الربع سنوي الذي اوضح نتائج تمثلت في تحقيق مكاسب اضافية 13 مليون جيلدر اي بزيادة نسبتها 2 و5% ليصل صافي الارباح 263 مليون جيلدر, في حين لم تعلن معظم الشركات الكبرى بعد عن تقاريرها, مما ابقى حالة التوتر, والتي ساهم فيها ارتفاع اسعار الين الياباني مقابل الدولار, ومؤثرات ازمة اسيا في اسواق المال بهونج كونج, والارتباك الذي احدثه مؤشرات بورصة نيويورك, فقد ادت التقارير المالية الواردة الى بورصة امستردام من الولايات المتحدة الامريكية بأن كبريات الشركات الامريكية لم تحرز نتائج ايجابية وارباح تذكر خلال الربع الاخير من العام الحالي فقط بعض الشركات حققت ارباحا بلغت 2.7%, وهي الشركات المحلية التي ليس لها علاقات مباشرة بالبورصات الاوروبية. وكانت التحاليل والتقارير المالية التي صدرت بداية هذا العام تتوقع بأن الشركات الامريكية ستحرز هذا العام نتائج ايجابية تحقق معها ارباح تتراوح بين 8 : 9% هذا العام, الامر الذي ادى الى ان كثير من مكاتب تجارة السندات والاسهم في بورصة امستردام اعتمدت على هذه النتائج وقدمت نصائحها لعملائها على هذا الاساس. وقد ادى التضارب بين تقارير المراقبين في بداية العام وبين وقائع الارقام الصادرة الى نوع من فقدان الثقة لدى المستثمرين, وتعود اسباب انخفاض قيمة الارباح لدى الشركات الامريكية الى تراجع الطلبات والتعاملات من جنوب شرق آسيا اضافة الى انخفاض اسعار المواد الاساسية. وعلى ضوء هذه التطورات فقد بدأ على الفور كبار المستثمرين الهولنديين باعداد خطط جديدة تجعل ارتباط بورصة امستردام بالسوق الامريكي اكثر استقلالا حتى لا تواجه بورصة امستردام هزات بسبب الاسواق الامريكية, واشار احد كبار المتخصصين في أمور المال ان التوجه الهولندي خلال الاعوام المقبلة سيسير عبر خطوط كثير من الدول الواقعة على حوض البحر الابيض المتوسط والمحيط الهادي, مشيرا الى ان هذه المناطق توجد بها بلاد تتوافر فيها مصادر المال والايدي العاملة الرخيصة, لكنه لم يذكر دولا بعينها, مشيرا ان اسواق المال الاوروبية لا تحتمل مزيد من الهزات القادمة من الشركات الامريكية على غرار ما حدث مؤخرا حيث شهدت بورصة نيويورك انخفاضا هائلا يعد الثالث من نوعه في تاريخ البورصة بنيويورك واكبر انخفاض في هذا العام, ولقد فشلت بعض التبريرات التي قادها رجالات المال والاقتصاد في اوروبا بأن ما حدث في نيويورك انما يعد نوع من اجراء الاصلاحات على غرار الاصلاحات التي سبق وان حدثت بالبورصة, وان الوضع سيعود الى ماكان عليه, الا ان هذه التفسيرات لم تعود بالايجاب على اسواق المال بأوروبا, خاصة وان توقعات المراقبين من بيوت الخبرة والمال مختلفة تماما من حيث التقدير, فمنهم من يؤكد استمرار الوضع المتدهور بسبب فضيحة كلينتون الاخلاقية وضعف اساس البنية التحتية في الاسواق الامريكية ومنهم من يؤكد ان الاوضاع الاقتصادية والنمو في امريكا تبشر بانهاء الوضع المتردي بسرعة. غير ان تضارب التقديرات قد زاد من سرعة التوتر في اسواق المال الاوروبية, كما ان التوجس والترقب يطغى على تجار السندات والاسهم بسبب عدم وضوح الرؤيا حتى الآن بالنسبة للازمة الاسيوية, وللارباح التي حققتها كبريات الشركات, والتي تلوح بتراجعها لدى نسبة لا بأس بها من كبريات الشركات, مقارنة بالربع الاول من هذا العام, خاصة الشركات التي هي محل ثقة للمستثمرين. هولندا ــ سعيد السبكي