دخلت الاسهم المصرية خلال الاشهر القليلة الماضية منعطف الخطورة القصوى حيث شهدت الاسعار تدهورا واضحا اطاح باسهم العديد من الشركات رغم البيانات الجيدة المعلنة عن اداء تلك الشركات خلال النصف الاول من العام الجاري , واثار ذلك التدهور الذعر داخل السوق وهو ما دفع غالبية المستثمرين خاصة الصغار منهم الى التخلي عن محافظهم المالية, ولم يقف الامر عند هذا الحد بل امتد ليطول ايضا عملية الخصخصة حيث باتت هي الاخرى عرضة لاعادة الحسابات, وصحب هذا الذعر ايضا شائعات عديدة تؤكد ان الاسهم المصرية ستشهد مزيدا من الانخفاض وان تدهور الاسعار في البورصة شكل ضغوطا كبيرة على وزارة قطاع الاعمال العام مما دفعها لوقف طرح شركات جديدة والاعتماد على البيع الى مستثمر رئيسي وبالمظاريف المغلقة وتؤكد تلك الشائعات فشل الوزارة في طرح اسهم عدة شركات كبرى مثل المقاولات المصرية... العديد من التساؤلات داخل سوق الاسهم المصرية تبحث عن حل خاصة وان هناك خسائر بملايين الجنيهات وتوقعات بمزيد من الخسائر, وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة والرد على تلك التساؤلات حاورت (البيان) عددا من المسؤولين وخبراء السوق حول ازمة البورصة وانعكاسها على الاقتصاد القومي, وتوقعات الاداء للسوق خلال النصف الثاني من العام الجاري. انخفاض غير مبرر للحد من تدهور اسعار الاسهم قطعت وزارة قطاع الاعمال العام خطوات جادة في محاولة لاعادة الثقة في السوق كما جاء على لسان وزيرها الدكتور عاطف عبيد والذي أكد ان الوزارة لن تقف مكتوفة الايدي وتتفرج على هبوط اسعار الاسهم في الوقت الذي تزيد فيه ارباح الشركات التي تشهد اسهمها انخفاضا متتاليا خاصة وان 90% من الشركات التي طرحت بالبورصة مؤخرا ارتفعت ارباحها الى حد ان بعض الشركات تضاعفت ارباحها, وللقضاء على هذه الظاهرة التي يصعب تفسيرها قرر الدكتور عبيد استخدام الفائض لدى الشركات في شراء الاسهم عند حدوث أي انخفاض غير مبرر. كما اعلن الدكتور عبيد ايضا عن انشاء شركة معلومات لخدمة المستثمرين وتوفير الشفافية في عمليات الطرح بهدف اعادة التوازن في سوق المال ووقف التدهور في اسعار الاسهم, وستقوم الشركة التي يبلغ رأسمالها خمسة ملايين جنيه بتجميع المعلومات الخاصة بشركة الخصخصة ومراجعتها ونشرها بشكل دوري والالتزام بتوفير جميع البيانات التفصيلية للمستثمرين. وأكد الدكتور عبيد ان انشاء هذه الشركة سيحد من عمليات المضاربة بالسوق بالاضافة الى وضع آلية جديدة للحفاظ على أسعار الاسهم بشكل يعبر عن الأوضاع الحقيقية للشركات, وذلك في الوقت الذي تستلزم فيه الشركات القابضة بتوفير جميع المعلومات لهذه الشركة. وفي نهاية حديثه أكد وزير قطاع الأعمال العام ان تدهور أسعار الأسهم في الفترة الأخيرة لم يكن مبررا خاصة وان أوضاع الشركات التي طرحت مؤخرا تؤكد قوة مراكزها المالية مما يدعم موقفها ويدفعها نحو الارتفاع وليس الانخفاض كما نشاهد حاليا. طفرة ... وليس تدهورا وينفي عبدالحميد إبراهيم رئيس الهيئة العامة لسوق المال المصرية ان تشهد البورصة المصرية انهيارا أو ان تكون الفترة الحالية حالة تدهور قصوى. ويبرر ذلك بقوله: لكي نقيم أداء سوق الأسهم لابد أن ننظر بعين الاعتبار إلى عدة عناصر أساسية يأتي في مقدمتها ان البورصة تتأثر بالمؤشرات الاقتصادية للدولة. ونحن لسنا في حاجة للحديث عن حالة الاقتصاد المصري الذي شهد تطورا ملحوظا أشادت به كافة الأوساط الاقتصادية في العالم, كان آخرها صندوق النقد الدولي الذي أكد ان الاقتصاد المصري نموذج جيد للاقتصادات الناشئة. وكذلك يجب النظر إلى الربح الموزعة ففي السوق المصرية, كما أشار البنك الدولي بلغ معدل الربح على الأسهم أعلى مستوى له على الاطلاق بين البورصات الصاعدة التي يبلغ عددها 15 بورصة. كل ذلك يدفعنا إلى القول بأن سوق الأسهم المصرية لم تشهد تدهورا كما يدعي البعض بل هناك طفرة في الأداء وان الانخفاض الحالي ما هو الا حالة صحية جيدة تعبر عن مصداقية السوق لطلبات العرض والشراء. وينصح عبدالحميد إبراهيم المستثمرين بتحري الدقة قبل الشراء أو البيع وعدم الانسياق وراء الشائعات, موضحا ان المتعاملين ينقسموا في أسواق الأسهم العالمية إلى فئات متعددة, فهناك من يدخل السوق بهدف المغامرة حيث يشتري ويبيع في يوم تعامل واحد. وهناك من يدخل كمستثمر وهذا النوع الذي يحترم أصول التعامل ويحقق مكاسب جيدة. ومن ثم أنصح المتعامل المصري بشراء الأسهم والاحتفاظ بها لمدة لا تقل عن ستة أشهر حتى يتمكن من تحقيق أرباح مرتفعة. دخول الأجانب ويرى عبدالستار بكري عضو مجلس إدارة البورصة المصري ان لدخول الأجانب إلى السوق سبب رئيسي للاضطرابات التي شهدتها الأسهم خلال الفترة الماضية. موضحا ان المشكلة التي ضاعفت من الأزمة خلال الفترة الأخيرة هي ان المستثمر المصري والعربي يتحكم في سلوكه عنصر التقليد. فاليوم الأجانب يشترون الأسهم نظرا لانخفاض مضاعف الربحية وبالتالي في حالة شرائه وبيعه للأسهم فهو يحقق مكسبا كبيرا. وهو عندما يدخل السوق فإنه يدخل تدريجيا وليس دفعة واحدة وهم في هذا الدخول يعطون الايحاء للمستثمر المصري ان الأسعار سترتفع والنشاط قادم وموسم جني الأرباح على الأبواب فيندفع المصريون ويحدث الضغط على السوق فترتفع الأسعار وهنا يقوم الأجانب بالبيع وجني الأرباح. والأجانب لهم حدود في التعامل ويخرجون من السوق بدراسة وفهم إلى أن تصل الأسعار إلى مستوياتها الدنيا فيقومون بحركة رد فعل عكسية. ويفسر بكري حديثه بقوله: دخول الأجانب إلى السوق أمر جيد لكن تصرفات المستثمر المصري غير سليمة وذلك هو السبب الرئيسي في التردي المستمر حتى تحول الأمر إلى مشكلة نفسية أكثر منها اقتصادية أو فنية وهي مسائل يصعب علاجها وتتطلب استراتيجية شاملة لازالة الآثار النفسية. طريقة التحليل الدكتور السيد الطيبي الاستاذ بأكاديمية السادات للعلوم الادارية له وجهة نظر اخرى تنطلق من تحليله لنسبة مساهمة الاجانب مقارنة بنسبة ملكيتهم وهو يشير في البداية الى ان هيئة سوق المال بدأت بتحليل نسبة مساهمة الاجانب في سوق التداول طبقاً لنسبة ملكيتهم في الاوراق المالية الى اجمالي حجم التداول بالبورصة وتبين ان نسبة ملكية الاجانب تصل الى 1.5% فقط بينما يرتفع حجم التداول الى 36% مما يعني ان الاموال الاجنبية تدور في البورصة اكثر من 24 مرة, هذا في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة ملكية المصريين في الاوراق المالية 98.5% سواء كانوا افراداً أو صناديق استثمار وحجم تعاملاتهم 64% مما يعني ان معدل دوران رأس المال المصري في البورصة يصل الى 64 مرة فقط في السنة على الرغم من كبر حجم الملكية وهذا يعني ان هناك تعثراً كبيراً في حركة تداول المصريين وعندما تبين للمسؤولين ان هذا الاتجاه في التحليل يفصح عن مهارة الاجانب في السيطرة على السوق وفشل الجانب المصري في تحقيق معدل تداول يتناسب مع ملكيته بدأ المسؤولون في البحث عن منهج آخر وهو حساب نسبة الاجانب في البيع والشراء وكلما كانت نسبتهم في الشراء أكثر كان ذلك داعياً للمحللين الرسميين الى الافتخار بأن الاجانب يشترون اكثر مما يبيعون, ولكن الى متى سيستمر ذلك؟.. لذا يبحث المسؤولون حالياً اسلوب قياسي آخر يتميز بالواقعية والشفافية. اهتزاز الثقة بالحكومة من جانبه يؤكد المهندس هاني توفيق أمين الجمعية المصرية للأوراق المالية ان الانخفاضات الاخيرة التي لحقت بأسعار الاسهم المصرية جاء كرد فعل لفقدان الثقة في الحكومة, حيث ان البورصة تعد كمرآة تعكس الاداء الاقتصادي للدولة واذا نظرنا الى الأشهر القليلة الماضية سنجد ان هناك العديد من الاحداث التي هزت ثقة المواطن والاجنبي ايضاً في امكانية نمو الاقتصاد القومي المصري يأتي في مقدمة تلك الاحداث حادث الاقصر الشهير الذي ما زال عالقاً بفكر العديد من المستثمرين وماله من انعكاسات سلبية ضخمة وكذلك الحال عدم المصداقية في كثير من الاحيان في اسهم الخصخصة من حيث تقييم الاسهم وطريقة الطرح ونوع المشتري وفشل الطرح في بعض الاحيان اضف الى ذلك تعدد القوانين وكثرة تعديلها في اقل من الشهر الواحد فهذا الامر يخيف المستثمرين ويدفعهم الى الهروب من السوق. ويقول الدكتور شريف البارودي استاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس, بأن الوضع الحالي في السوق المصري وضع صحي للغاية ونحمد الله لعدم حدوث انهيار كبير في الاسعار فاذا نظرنا الى حركة التداول منذ بداية العام الماضي سنجد ان هناك صعودا قويا مبررا في بعض الاحيان وغير مبرر في كثير من الاحيان حيث ارتفعت اسعار الاسهم في بعض الاحيان لعدم وجود بضاعة في السوق فقط على الرغم من اسهم تلك الشركة المرتفعة قد حققت خسائر واعلنت عن ذلك كل ماسبق يدفعنا الى القول بان السوق المصري قد تعرض بصورة مصغرة الى ماتعرضت له بورصة طوكيو من قبل او ما اطلق عليه بالفقاعة الا ان الحال المصري افضل حيث ان الفقاعة لم تنفجر فجأة بل اخذت في تصغير حجمها الى ان وصل السوق الى وضعه الحقيقي. القاهرة ــ احمد صفي الدين