أصبحت الصين رقما مهما في المعادلة الاقتصادية الدولية بدليل ان حكومات الدول الصناعية الكبرى والأسواق المالية في الغرب تتابع بقلق شديد هذه الأرقام السياسية النقدية الصينية وما إذا كان هناك قرار سيتخذ بشأن سعر صرف العملة الصينية اليوان . عقدت في برمنجهام في بريطانيا أوائل العام الحالي عندما حياها قادة الدول الثماني الذين كانوا يبحثون وقتها الأزمة الاقتصادية في آسيا. وجاءت التحية لبكين وقتها مع موقفها المسؤول في عدم خفض قيمة عملتها بعد الانهيارات التي حدثت في عملات الدول الأخرى في روسيا. وكانت المخاوف هي ان الصين التي ترى عملتها قد ازدادت قوة أمام العملات الآسيوية الأخرى وهو ما يعني ان أسعار صادراتها أصبحت أعلى قد تلجأ إلى خفض العملة للمحافظة على قدرتها التنافسية. لكن خطوة مثل هذه كانت ستقود إلى انهيارات جديدة في عملات آسيا. لكن يبدو ان هذه الخطوة التي امتنعت الصين عن اتخاذها منذ بداية العام الحالي أصبحت قريبة خاصة في ضوء التدهور الأخير الذي حدث في سعر الصرف الياباني الذي يتوقع كثيرون ان يهبط إلى حدود 150 ينا للدولار خلال الأيام المقبلة. وتحملت الصين احتياطيات نقد هائلة تبلغ حوالي 140 مليار دولار بما يمكنها من الدفاع عن عملتها تجاه هجمات المضاربين لكنها قد تكون غير راغبة في ذلك, فعملتها أولا ليست قابلة للتحويل بحرية تامة, وثانيا فإن التصدير أهم بالنسبة لها من الاحتفاظ بعملة قوية. والمشكلة ان الصين الآن تتحكم في عملتين الأولى هي اليوان والثانية هي دولار هونج كونج الذي أصبح سياسيا تحت سيطرتها بعد عودة المستعمرة البريطانية السابقة إلى وطنها الأم. والعملتان حاليا تحت ضغط هجمات المضاربين فسعر اليوان في السوق السوداء في شنغهاي أصبح الآن أقل بـ10% من سعره الرسمي, في حين ان دولار هونج كونج الذي ربط بالدولار منذ عام 1993 بمستوى 7.8 دولارات هونج كونج لكل دولار ثم رفع سعر الفائدة عليه إلى ما يصل إلى 600 نقطة أساسية فوق سعر فائدة الدولار الأمريكي لمدة ثلاثة أشهر. وتدرك الصين ان أي خطوة رسمية في اتجاه خفض سعر العملة سيكون له وقع الصدمة في الأسواق الدولية نتيجة الانهيار الذي سيحدث في عملات بقية دول آسيا, وتأثيره على الين الياباني. لذلك فإن التوقعات هي ان تلجأ بكين إلى السماح لعملتها بهبوط تدريجي, وقد تلجأ اليابان إلى نفس الاسلوب, وبالطبع فإن الأثر سيكون سلبيا على بقية عملات آسيا ولكن ليس بنفس التأثير الذي يمكن أن يحدثه خفض رسمي للعملة. والتوقعات في اسواق العملات بين المستثمرين هي ان هناك متاعب واضطرابات مقبلة فبينما يراقب الجميع بكين فان الاسهم والسندات الروسية سجلت تدهورا حادا يوم الجمعة الماضي مع اتجاه المستثمرين الى الهروب في الاسواق الصاعدة, والمشاكل في روسيا سيكون لها تأثيرها مع المارك الالماني بحكم الاستثمارات والروابط التجارية القوية التي لالمانيا مع روسيا. وسط كل هذا يبدو المستفيد الاكبر هو الدولار الامريكي الذي يلجأ اليه المستثمرون عندما تضطرب اسواق العملات. وبالنسبة الى المستثمرين العرب ومنطقة الشرق الاوسط فان ارتفاع العملة الامريكية يصب في مصلحة عملاتها ويخفض تكلفة الاستيراد بالنسبة لها. لكن هذا جانب واحد من الصورة, لان الجانب الاخر يتمثل في المزيد من المتاعب في آسيا, وهروب الاستثمارات في الاسواق الصاعدة يعني طلبا اقل على النفط, ومنافسة اكثر حدة على الاستثمارات الاجنبية في الاسواق العربية التي فتحت اسواقها المالية امام هذه الاستثمارات للقدوم بحرية ولذلك فاننا نحتاج الى متابعة ما ستفعله الصين مع بقية العالم.