في الوقت الذي تتعامل فيه الصين سياسيا وعسكريا على الساحة الدولية بمنطق القوة العظمى, وتحتل احد المقاعد الخمسة الدائمة في مجلس الامن, وتستعرض قواتها العسكرية وتهدد بها دولا اخرى نجدها تتخذ موقفا مناقضا تماما على الساحة الاقتصادية وبالتحديد في تعاملها مع منظمة التجارة العالمية(الجات)والتي تأبى الا ان تتعامل مع الصين على انها دولة قوية اقتصاديا, في الوقت الذي تطالب فيه الصين بأن تعامل كدولة نامية مازال اقتصادها في مراحل التكوين. ولكن ما السر وراء هذا التناقض, ولماذا يستعرض العملاق الصيني قوته سياسيا وعسكريا بينما يبدي مظاهر الضعف ويلتمس المساعدة والمعونة اقتصاديا؟ يقول وزير التجارة الصيني (شي جوانج شينج) ان شركاء الصين التجاريين في الغرب يطالبون بثمن مرتفع للغاية لانضمام بلاده الى منظمة التجارة العالمية, ويقصد شي من كلامه هذا بالتحديد الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى بما فيها اليابان, وهي الدول التي ترفض على مدى اثنى عشر عاما مضت طلب الصين للانضمام للجات, والذي تطالب فيه الصين بأن تعاملها الدول الكبرى معاملة الدولة الاقل تقدما والضعيفة اقتصاديا, وتهدف الصين من هذا الطلب الحصول على موافقة الجات بالابقاء على تعريفات جمركية ورسوم استيراد مرتفعة على بعض السلع القادمة من الخارج الى السوق الصينية مثل السيارات والمواد الكيماوية والافلام الخام والمشروبات الكحولية, وغيرها من السلع التي من الممكن ان تشكل منافسة قوية للمنتج الصيني داخل الصين, ومن ناحية اخرى تطالب الصين دول الاتحاد الاوروبي ان تعامل المنتجات الصينية الداخلة الى اسواقها معاملة منتجات الدول النامية والضعيفة اقتصاديا, وترفض اتهامات الدول الغربية لها بأنها تحاول اغراق اسواقها بسلع ومنتجات صينية رخيصة ولا تقبل المنافسة. ويأتي هذا الامر بعد القيود والرسوم التي فرضها الاتحاد الاوروبي على الواردات من الدواجن الصينية وبعض المنتجات الاخرى والتي لا تقوى المنتجات الاوروبية على منافستها من ناحية الاسعار. ويقول وزير التجارة الصيني (شينج) بأن الاتحاد الاوروبي وامريكا يتعاملان مع الصين. بمنطق مزدوج وغير عادل, فهم يريدون منها ان تفتح اسواقها بلا قيود ولا شروط لمنتجاتهم المنافسة بينما يفرضون الرسوم الجمركية العالية على المنتج الصيني المتوجه الى اسواقهم. ورغم الضغوط التي تمارسها دول الاتحاد الاوروبي وواشنطن على الصين للحيلولة دون دخولها منظمة الجات بشروطها, الا انهم يتمنون دخول الصين في عضوية المنظمة ولكن بشروطهم هم, لأن الصين تعد من اكبر الاسواق في العالم انتاجا واستهلاكا, والصين شاءت ام ابت عملاق اقتصادي لا يختلف عليه اثنان, حتى لو ادعت هي انها دولة فقيرة نامية تحتاج للمساعدات والتسهيلات الاقتصادية, ولو انفتحت الاسواق الصينية للمنتجات الغربية بلا قيود فان هذا بلا شك سوف يكون له اسوأ الاثر ليس فقط على الانتاج الصيني المحلي, ولكن على المجتمع الصيني ككل والذي مازال يتمسك بأخر تلابيب النظام الشيوعي المنهار. ويبقى السؤال: من ينتصر في هذا الصراع؟ وهل تستطيع الصين مواصلة التحدي والنضال من اجل انتزاع اعتراف الدول الكبرى لها بأنها دولة نامية وضعيفة اقتصاديا؟ ام ان الغرب سوف ينتصر في انتزاع اقرار الصين العملاقة سياسيا وعسكريا بأنها ايضا عملاق اقتصادي يشكل تهديدا كبيرا لانتاج هذه الدول داخل اسواقها وخارجها ايضا. الاعتقاد الغالب لدى الكثيرين ان تنتصر الصين في هذا الصراع, اذا ما استطاعت اقناع واشنطن بمساعدتها والوقوف في صفها, خاصة وانها الدولة التي تحظى بحق (الاكثر رعاية) , وهو الحق الذي لا تمنحه الولايات المتحدة الامريكية ولا حتى لأقرب المقربين لها اسرائيل, ومنحته للصين لاعتبارات سياسية واقتصادية كثيرة لا يتسع المجال هنا لشرحها. د. مغازي البدراوي