اكدت دراسة خليجية حديثة ان هناك مجموعة من التحديات ستواجه البنوك التجارية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال المرحلة المقبلة وطالبت المصارف الخليجية بإتخاذ الاجراءات الكفيلة بمواجهة تلك التحديات حتى تستطيع الاستمرار بقوة .واوضحت الدراسة ان من اهم المشاكل التي تواجه المصارف الخليجية حاليا التشبع المصرفي بدول مجلس التعاون من حيث عدد المصارف وحجم اعمالها مشيرة الى ان عدد الوحدات المصرفية 38 مصرفاً لكل عشرة آلاف مقيم فإذا انخفض هذا العدد عن حل على كثافة منخفضة. واذا زادت عن 10 اعتبرت الكثافة المصرفية مرتفعة جدا وقد تم احتساب هذا العدد لدول المجلس فبلغ حوالي 28 (لاتشمل وحدات البنوك الاجنبية) مقارنة 63 للدول العربية مجتمعة او للدول النامية. واشارت الدراسة التي اعدتها الامانة العامة لاتحاد غرف مجلس التعاون لدول الخليج العربية الى ان نصيب الفرد الواحد من موجودات البنوك التجارية الوطنية في دول مجلس التعاون والتي بلغت 7.7 آلاف دولار مقارنة مع 94.1 الف دولار للدول العربية موضحة انه على الرغم من الثقل النسبي الكبير لاقتصادات دول مجلس التعاون في الاقتصاد العالمي الا انه لا يوجد اي مصرف خليجي ضمن قائمة اكبر 100 مصرف في العالم ولايوجد اي عدد محدود منها لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة منها ضمن قائمة اكبر 200 مصرف في العالم. واكدت الدراسة ان استمرار ارتفاع الكثافة المصرفية في دول مجلس التعاون سوف يؤدي على المدى الطويل الى جعل حجم البنوك التجارية صغيرا جدا وبالتالي انخفاض كفاءتها التشغيلية وارتفاع التكاليف لديها وعدم مقدرتها على تطوير اعمالها بما يتفق وطبيعة المستجدات والتطورات الاقتصادية الجارية. تغيرات سريعة.. وجذرية واوضحت الدراسة ان التغيرات السريعة والجذرية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد ادت الى زيادة التحديات التي تواجه البنوك بصفة عامة فأصبح عليها تفادي الآثار السلبية لهذه التحديات والتعايش معها والتأقلم عليها من خلال تنويع خدماتها وتقليل تكاليفها وتحقيق الانتشار على الصعيدين المحلي والاجنبي. ولتحقيق هذه الاهداف اتجهت البنوك العالمية وبكثافة الى الاندماج فيما بينها خلال السنوات الاخيرة. وقد اتسمت بعض عمليات الاندماج بالضخامة والكبر كاندماج بنكي مانيوفاكتشرز هانوفر وكيميكل بنك وتكون شركة واحدة تحت اسم بنك كيميكال كوربوريشن, واندماج بنك اوف امريكا مع بنك سيكورتي باسيفيك, وغيرها من الامثلة التي لا يمكن حصرها في هذا المجال. تجارب الاندماج واوضحت ان على الرغم من ان فوائد الاندماج عديدة, والاثار السلبية للبنوك الصغيرة شاهدة للعيان الا ان تجربة الدمج بين عدد من البنوك التجارية الخليجية لم تحظ بالزخم المطلوب مع ان السلطات النقدية في هذه الدول لا تبدي ممانعة بل وتشجع مثل هذا الامر وتقدم له التسهيلات والحوافز المختلفة. ففي الكويت مثلا اعلن عن عملية دمج بين بنك الكويت الصناعي والبنك العقاري الكويتي وصدرت موافقة البنك المركزي المبدئية على اقتراح دمجهما الا ان الدراسات اللازم اجراؤها بهذا الخصوص لم تنجز بعد من قبل ادارة البنكين المذكورين. كما وسبق للبنك المركزي الكويتي الموافقة على دخول شركتين للاستثمار في عملية دمج هما: الشركة الكويتية للاستثمار والشركة الكويتية للتجارة والمقاولات والاستثمارات الخليجية الا ان العملية لم تسفر عن شىء الى الآن. وقد قامت احدى شركات الاستثمار بشراء حصص رئيسية في بنكين تجاريين محليين, واعلنت عن نيتها العمل على دمج ثلاثة مصارف محلية. وفي البحرين قامت مؤسسة النقد باجراء دراسة عن السبل والوسائل الكفيلة باتمام عملية الدمج بين بعض البنوك التي ايدت رغبتها في الاندماج وقد حددت الدراسة جدوى عملية الدمج والخطوات الواجب اتباعها لتحقيق الحماية والكفاية لحقوق المساهمين والمودعين والعاملين بشكل عام, الا ان البنوك المعنية قررت التمهل في البت في عملية الدمج نظرا لتحسن اعمالها. وفي السعودية تم عام 1983م دمج كل من بنك ملي ايران وبنك لبنان والمهجر وبنك يونايتد لمتد اف باكستان في بنك واحد هو البنك السعودي التجاري المتحد, كما اعلن في بداية عام 1977م عن دمج بنكي القاهرة السعودي والبنك السعودي التجاري المتحد. وفي عمان استطاعت السلطات النقدية هناك تشجيع بعض عمليات الدمج بين عدد من البنوك العاملة فيها بفضل ما قدم لها من حوافز ايداع 5% من رأس مال البنك الجديد لدى البنك المركزي بفائدة 3% سنويا لمدة اقصاها 5 سنوات, فقد تم دمج بنك عمان العربي والبنك العماني الاوروبي تحت اسم بنك عمان العربي, وتم دمج بنكي مسقط والاهلي العماني تحت اسم بنك مسقط الاهلي العماني عام 1993م, ودمج بنك عمان التجاري ومؤسسة المصرف العماني تحت اسم بنك عمان التجاري المحدود. البنوك الشاملة وم البنوك الشاملة الذي اصبح سائدا حاليا اكدت الدراسة انه لابد للبنوك التجارية في دول المجلس من ان تأخذ زمام المبادرة وتتخلى عن دورها في انتظار العملاء لطلب القروض والتمويل, وان تتجاوز الاساليب التقليدية في توظيف الاموال, وتقليل الاعتماد قدر الامكان على اسلوب الاقراض قصير الاجل الموجه اساسا لقطاع التجارة والقروض الشخصية والاستهلاكية, وعليها التوجه نحو المساهمة الفاعلة على اقامة المشروعات الانتاجية وتمويلها لاسيما المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم, وتقديم المشورة الفنية والادارية للقائمين على هذه المشاريع لمساعدتهم على تجاوز الاختناقات التي يصادفونها في المجالات الانتاجية والتسويقية وليس فقط التمويلية. واوضحت ان الدور الاقتصادي الذي على البنوك التجارية في دول المجلس ان تلعبه خلال المرحلة المقبلة يجب ان يعمل على تقوية وتعزيز الجهود المبذولة لدعم الدور الاقتصادي للقطاع الخاص وتنمية الانتاج غير النفطي بحيث يقود في النهاية الى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط الخام القابل للنضوب, وتحقيق التنمية الاقتصادية القابلة للاستمرار. وذكرت ان نجاح البنوك التجارية في اداء مهمتها السابقة يتطلب الاعتناء بتأهيل وتدريب الكوادر الفنية والمتخصصة, لاسيما الكوادر الوطنية, والتي تستطيع ان تتسلم زمام الامور, وتتمكن من بناء وتنفيذ استراتيجيات جديدة للعمل المصرفي, كذلك فهو يتطلب اعادة النظر في الانظمة الاساسية لهذه البنوك وتعديل القوانين والتشريعات الاقتصادية والمصرفية ذات العلاقة والصلة بعملها. واكدت ان توافر سوق مالي متطور, نشط وفعال يعد شرطا مهما من شروط تفعيل دور البنوك التجارية والاستثمارية, وذلك كي لا يكون هذا الدور على حساب الاعتبارات المالية الاعتيادية التي تتحكم في عمل اي مؤسسة مالية تتوسط بين المدخرين والمستثمرين والتي تتجسد في المحافظة على التوازن بين معايير الربحية والسيولة والضمان, فأسواق المال المتطورة تتيح للبنوك التجارية (الشاملة) متنفسا هاما وحيويا للتخلص من استثماراتها طويلة الاجل عند اقتضاء الحاجة لذلك, وهو الامر الذي يشجعها بالضرورة على النظر بجدية دون وجل الى الاستثمارات طويل الاجل في المشاريع الانتاجية والخدمية للقطاع الخاص كاحد الخيارات الاستثمارية والتمويلية المطروحة بجدية امامها. البنوك الخليجية.. واسواق رأس المال وحول دور البنوك الخليجية في اسواق رأس المال اوضحت الدراسة ان البنوك في دول المجلس تقوم بالاستثمار في اسواق رأس المال المحلية والدولية عن طريقين: الأول, مباشر من خلال قيامها بشراء الاسهم والسندات لحسابها الخاص لاغراض الاستثمار طويل الاجل ولاغراض الاتجار والمضاربة في اسواق المال. وقد احتل هذا النوع من توظيف الاموال اهمية كبيرة في استخدامات اموال البنوك الخليجية كما لاحظنا سابقا. اما الطريق الثاني فهو غير مباشر ويتمثل بانشاء صناديق الاستثمار المشترك. واشارت الدراسة الى ان تجربة اقامة صناديق الاستثمار المشترك في دول المجلس تعتبر تجربة حديثة نسبيا, حيث لم يبدأ تسويقها جديا سوى في بداية عقد الثمانينيات, كصناديق تدار من قبل خبرات غير محلية وتسوق ضمن اطار بنوك محلية. وبدأت عملية اقامة وتسويق الصناديق تأخذ بعدا واسعا مع تأسيس البنك السعودي الامريكي والسعودي والبريطاني صناديق مشتركة لاستثمار في الاسهم السعودية فقط للاستفادة من الفورة في اسعار الاسهم التي شهدتها السوق السعودية في ذلك الوقت. واوضحت ان الاسواق المالية في دول المجلس شهدت خلال السنوات الاخيرة اقبالا واسعا على تأسيس صناديق الاستثمار من قبل البنوك التجارية والمؤسسات المالية الاخرى للاستفادة من توافر السيولة والامكانات الادخارية الكبيرة نتيجة عودة نسبة كبيرة من رؤوس الأموال التي هاجرت في وقت من الاوقات متأثرة بظروف اقليمية غير مواتية اثرت على المنطقة في بداية عقد التسعينيات مشيرة الى انه كما هوالحال بالنسبة لمعظم توظيفات الأموال في البنوك الخليجية تتجه رؤوس الاموال الموظفة في صناديق الاستثمار الى اسواق المال الدولية على حساب اسواق المال المحلية والعربية, ففي السعودية مثلا تشير اخرالاحصاءات المتوافرة الى ان اجمالي استثمارات السعوديين في الاسواق المالية الدولية عن طريق البنوك وصناديق الاستثمار وغيرها من الطرق تقدر بحوالي 500 مليار ريال سعودي. واكدت الدراسة ان تطوير دور البنوك التجارية في الاسواق المالية الوطنية ما زال بحاجة الى بذل مزيد من الجهد والعمل لما لهذا الامر من انعكاسات ايجابية على اداء البنوك نفسها من حيث توفير افاق ومجالات جديدة لتوظيف الاموال المتراكمة لديها في الاسواق المحلية. كما ان تطوير اداء الاسواق المالية يعد احد المتطلبات الاساسية للتنمية الاقتصادية ودعم الاستثمار الخاص المحلي والاجنبي. وذكرت الدراسة ان القطاع المالي والمصرفي يعتبر من اكثر فروع الاقتصاد تطورا على الصعيد الفني, وتأثرا واستغلالا للتطورات التقنية الحديثة, مما يفرض على البنوك ضرورة الاستجابة لهذه التطورات والتأقلم عليها والا بقيت مختلفة عن مجاراة البنوك الاخرى التي تأخذ بأسباب هذه التطورات وتوظفها في عملياتها المصرفية والتمويلية المتنوعة مشيرة الى انه من ابرز هذه التطورات التعامل بالمشتقات المالية الجديدة التي ازدادت وتيرة استخدامها من قبل البنوك المالية نظرا لما تشكله من فرصة سانحة لتوظيف الاموال والمحافظة في نفس الوقت على سيولة البنوك التجارية عند مستوياتها المرغوبة ضمن اطار حافظات استثمارية متنوعة تتمتع بمرونة كبيرة وتوزيع افضل للمخاظر. اضافة الى ذلك, فان من الوسائل التقنية الحديثة المستخدمة على نطاق واسع من قبل البنوك العالمية توفر خدمات اسرع واسهل للعملاء تغريهم بالتعامل معها مما يوفر لها مصادر اضافية للدخل وتحقيق الارباح. التطورات الاقليمية والدولية وحول التطورات الاقتصادية الدولية والاقليمية واثرها على اداء البنوك التجارية اشارت الدراسة الى ان السنوات الاخيرة حفلت بتطورات اقتصادية دولية عديدة تتلخص في الاقبال المتزايد نحو اقامة التكتلات الاقتصادية الاقليمية (كالاتحاد الاوروبي والنافتا وغيرها) والتي يتوقع ان تصبح اللاعب الاقتصادي الرئيسي المؤثر في حركة العلاقات الاقتصادية الدولية. والاتجاه نحوالتحول الى اقتصادات السوق بما يقتضية ذلك من تحرير كافة الجوانب الاقتصادية وتقليص الدور الاقتصادي للحكومة وتفعيل دور القطاع الخاص. وقد جرى هذا التحول الجوهري في العديد من البلاد النامية ضمن اطار برنامج شامل للاصلاح الاقتصادي بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدوليين لمساعدة هذه الدول على التخلص من المشاكل والاختلالات الاقتصادية التي تعاني منها. اضافة الى ذلك كله, سعى المجتمع الدولي الى تحرير المبادلات الدولية في السلع والخدمات من خلال ابرام اتفاقيات متعددة الاطراف لهذه الغاية. واضافت الدراسة انه بافتراض انتهاء حالة الصراع العربي- الاسرائيلي وفق مبادىء الشرعية الدولية, واحلال السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الاوسط. فان اندماج اسرائيل في اقتصادات المنطقة يصبح امرا واردا. ولابد بالتالي من حدوث تأثير متبادل بين الاقتصادات العربية ومنها الاقتصاد الخليجي والاقتصادي الاسرائيلي. ولا يتأتى هذا التأثير فقط من خلال اقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة وفتح الافاق للتبادل التجاري, بل وايضا من خلال اقامة نوع من العلاقات والتأثير المتبادل في المجال المصرفي والمالي. واكدت ان القيام بمحاولة رسم وتحديد طبيعة العلاقات المحتملة في المجال المالي والمصرفي بين دول المجلس واسرائيل عملية ليست سهلة وتعتمد في الغالب على الاستنباط من واقع الخصائص الاقتصادية الهيكلية الحالية لكلا الطرفين, خاصة في المجالين المالي والمصرفي. مشيرة الى ان اخر الاحصاءات المتوافرة عن النظام المصرفي في اسرائيل توضح ان اجمالي الاصول لدى البنوك هناك يقدر بحوالي 117 مليار دولار خلال عام 1994, اي ما نسبتة 62% من اجمالي الاصول للبنوك الخليجية التي تقدر بحوالي 188 مليار دولار في نفس العام (الاصول داخل الميزانية فقط). ويبلغ نصيب الفرد من اجمالي الاصول للبنوك التجارية في اسرائيل حوالي 17.6 الف دولار, وحوالي 7.7 الف دولار في دول المجلس. وذكرت الدراسة ان هذه الاحصاءات تعكس امران. الاول كبر حجم النظام المصرفي المطلق والنسبي في اسرائيل بالمقارنة مع النظام المصرفي في دول المجلس مجتمعة, ناهيك عن كل دولة بمفردها. الامر الثاني, ان الاقتصاد الاسرائيلي يتمتع بعمق مصرفي اكبر من ذلك الذي تتمتع به دول المجلس. واشارت الى طبيعة العلاقة التي قد تنشأ- في حالة تحقيق السلام العادل والشامل- بين النظام المصرفي في دول المجلس واسرائيل ستكون اقرب الى العلاقة التنافسية المحضة معربة عن الخشية من ان تكون المنافسة لصالح اسرائيل لعدة اسباب منها. ان الكبر النسبي والمطلق للنظام المصرفي في اسرائيل لن يمكن اية دولة خليجية بمفردها من الوقوف امام المقدرة التنافسية للبنوك الاسرائيلية خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ضعف التنسيق والتعاون المصرفي بين دول المجلس, والتطور الهائل التي استطاعت البنوك في اسرائيل ان تحدثه في اعمالها من حيث التكنولوجيا المصرفية, وادوات الاستثمار المصرفي والخدمات المصرفية الاخرى بما يتفق والمعايير العالمية ومع مستوى الخدمات في الدول المتقدمة, اضافة الى تمتع البنوك في اسرائيل بشبكة واسعة وقوية من العلاقات على العصيد المصرفي العالمي, اما البنوك في دول المجلس فما زال امامها شوط طويل لتقطعه في هذا المجال.