بعد أن تراجعت عوائد البترول المصري بنحو مليار دولار وضياع قرابة ملياري جنيه إثر ضرب موسم السياحة الحالي وخسارة نحو90مليون دولار من ايرادات قناة السويس دخلت الأوساط الاقتصادية في مصر في حالة من الجدل واختلاف الآراء حول امكانية تحمل الاستثمار الأجنبي المباشر عبء توفير بين 500 الى 600 الف فرصة عمل جديدة, وضخ ما بين مليارين الى ثلاثة مليارات دولار من شرايين الاقتصاد القومي الأمر الذي من شأنه زيادة الناتج القومي بنسبة 8% مقابل 3.5% حاليا. وقد استطلعت (البيان) آراء الأوساط الاقتصادية والمسؤولين في مصر حول مدى امكانية قيام الاستثمار الاجنبي في مصر بدوره في احداث التنمية المستهدفة خصوصا ان مصر قد دشنت عدة مشروعات قومية مثل شرق العوينات, وتوشكي, وشرق التفريعة, وشمال خليج السويس وهي تحتاج الى رؤوس أموال ضخمة لا تكفي الموارد الحكومية لتغطيتها خصوصا في ظل التراجع الشديد لموارد الدولة, وانخفاض نسبة الادخار الى 17% مقابل 27% وهي نسبة الاستثمار الحالية. قال الدكتور عبد الحميد محبوب استاذ الاقتصاد المساعد بكلية التجارة جامعة الزقازيق ان معدل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر انخفض من 33% عام 1988 الى 20% عام ,1996 وعزا ذلك الى نجاح دول اقليمية في جذب بعض الاستثمارات الأجنبية التي كانت تتلقاها مصر, مشيرا الى أن توجه الاقتصاد المصري الى التصدير سيزيد من التوجه الى الاستثمار المباشر وتوطيد رؤوس الأموال فيه, خصوصا ان البيئة مهيأة لجذب الاستثمارات الباحثة عن فرصة افضل للأرباح اذ تفوق مصر في هذه الناحية دول شرق آسيا. وعلى الرغم من وجود عناصر جاذبة للاستثمار في مصر إلا أن تقارير البنك الدولي سجلت تراجع إجمالي الاستثمار المباشر فيها من 29.1 مليار دولار عام 1994 الى نصف مليار دولار عام ,1996 ومع أن المبلغ الأخير يفوق حجم الاستثمار في مصر عام 91 إلا أنه لا يزال ضعيفا اذا قورن باجمالي الناتج المحلي. وشدد محبوب على ان الاستثمار الاجنبي المباشر غير العربي في مصر يفضل قطاعات معينة مثل البحث والتنقيب عن البترول والصناعات التحويلية بنسبة 50% وذلك بعيدا عن الصناعات الاستخراجية, 14% في السياحة, 3.12% في الخدمات المالية. ويقول محبوب أنني وجدت في دراسة عن كيفية الاستفادة من الاستثمارات المباشرة الأجنبية في مصر ان قطاع الصناعات يخلق علاقة طردية بين رأس المال الاجنبي والاستثمار في المشروعات الصناعية بنسبة 21% رغم عدم وجود معاملة تفضيلية في هذا المجال بل هناك تكاليف اقتصادية ضخمة تتركز نسبة 28% منها في الصناعات الكيماوية و15% في الصناعات النسيجية. مشيرا الى أن الدراسة أكدت أن حجم الرأسمال الأجنبي المباشر في مصر يتناسب طرديا مع الكثافة النسبية للصناعة. والمشروعات ذات الحجم الكبير نسبيا علما بأن نصف الاموال الاجنبية التي دخلت مصر من أربع دول أوروبية وأمريكا مقابل عدد ضئيل من الدول الآسيوية وشرق أوروبا. واقترح لكي تنجح مصرفي جذب رؤوس أموال أجنبية اكثر ان يتم الأخذ بالمعايير الانتقائية عند توطين الاستثمار في مصر. اذ ان ذلك لا يتعارض مع الاتجاه الى التحرر الاقتصادي والخصخصة مثلما هو موجود في المكسيك. بينما اختلفت الدكتورة هبة حندوسة المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي للدول العربية وايران وتركيا من أن أهم العوامل التي تجذب الاستثمار الأجنبي الى مصر مازالت موجودة ليس في قطاع البترول فحسب بل في الصناعات الموجهة للتصدير فضلا عن ان الاستثمار الاجنبي المباشر الذي توطن في مصرفي التسعينات جاء للافادة من السوق المحلي دون الخارجي مطالبة بسياسات خاصة في مجال التعريفة الجمركية لتوجيه الانتاج للتصدير. وانتقدت حندوسة السياسة الاقتصادية المتبعة في المناطق الحرة الصناعية التي لم تلاق اقبالا كبيرا من الاستثمار الاجنبي منذ السبعينات رغم انها احدى وسائل جذبه وقالت أن الاستثمار العربي صار يمثل شريحة كبيرة في مصر حيث بلغ 208.11 مليار جنيه تستثمر في عدد 537.1 الف مشروع تصل تكاليفها الاجمالية الى 43.67 مليار جنيه بينما تساهم في 1361 مشروعا في المناطق الصناعية برؤوس أموال 068.8 مليارات جنيه مقابل 176 مشروعا في المناطق الحرة الست برؤوس أموال 140.3 مليارات جنيه حتى نهاية العام الماضي. واعتبرت الدكتورة ليلى الخواجة استاذة الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية, جامعة القاهرة ان المدخرات المحلية في مصر غير كافية لتمويل خطط التنمية وتحقيق أهداف النمو بمستويات مرتفعة وهو ما يتطلب ضرورة وجود استثمارات أجنبية خاصة المباشرة لسد فجوة التمويل القائمة (وبالتالي لابد من الاهتمام بتوفير المناخ المناسب لقدومها لفترة طويلة. ولفتت الأنتباه الى أن قيمة الفجوة الاقتصادية في مصر تصل الى اكثر من 15 مليار دولار حيث ان خطة التنمية تحتاج 30 مليار دولار سنويا بينما المدخرات التي يستطيع الاقتصاد توفيرها لا تتعدى 17 مليار دولار مشيرة الى أهمية تشجيع جميع أنواع التمويل الاضافي من الخارج سواء عن طريق الاستثمار المباشر أو سوق المال. ومن جانبه قال الدكتور محمود عبد الفضيل استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ان قوة بيئة الاستقبال وقدرة المؤسسات في الدولة هي التي تؤدي الى نجاح الاستثمارات الاجنبية المباشرة منبها الى أهمية تحديد نوعية الاستثمارات التي نحتاج لها وتوجيهها بحيث تحقق أهدافنا من زيادة الصادرات. والتقت (البيان) الدكتور ابراهيم فوزي رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة والذي قال انه بدون المقارنات نفقد بوصلة التوجيه حيث ان الاستثمارات الاجنبية المباشرة من كافة القطاعات بلغت 294.1 مليار دولار عام 1994 ولا أعتقد أن شيئا حدث في مصر يجعل الاستثمار الاجنبي المباشر ينخفض عن ذلك منبها الى أنه في ظل استمرار زيادة التسهيلات والتحسن الاقتصادي تزايد بلا شك, وأضاف اننا لا نفرق بين الاجنبي والعربي الا من حيث تملك الثاني الاراضي المقام عليها المشروع. وقال اننا قمنا من أجل جذب الأموال لتنمية الاقتصاد بالغاء شرط دفع ربع رأس المال في البنك عند التأسيس واستبدلناه بسداد 15% فقط ثم ليستكمل الباقي خلال 3 شهور قادمة فضلا عن الغاء الحصول على الموافقات وعدم تحديد التكاليف الاستثمارية للمشروع لان المستثمر هو الاقدر على تقديرها. اضافة الى اننا تخلصنا من السعر المزدوج لسعر الصرف والغاء دعم الاسعار. واستبعد أن يكون الاستثمار الاجنبي الذي جاء لمصر كان يقصد الاتجاه لمجال بعينه, عدا شركة (لوكاس فارتن) الانجليزية بضفائر السيارات والتي تصدر انتاجها بالكامل وقال (اذا حدث ذلك نستطيع ان نقول ان مصر أصبحت محطة رئيسية لاستقبال الاستثمار. وأي واحد يستثمر في مصر يحضر الشريك الاجنبي كما ان مشروع (ميدور) لانشاء معمل تكرير بترول الاسكندرية هو الذي رفع اجمالي حجم الاستثمار الاجنبي في مصر بواقع 3 مليارات جنيه عن باقي القطاعات التحويلية الكيماوية) . ورفض فوزي مسألة توجه الاستثمار الاجنبي الى قطاعات معينة مبررا ذلك بأن مصر لا تزال تمر بمرحلة تحولات كبيرة ولو دخلنا مرحلة الانتقاء فالنتيجة سوف تكون سلبية فضلا عن ان اللجنة التي ستحدد ان كان المشروع هاي تيك أم لونج تيك بالتأكيد ستكون حكومية. وشدد على ان مصر حررت دخول الاستثمار أي مجال بالكامل عبر قانون 8 لسنة 1997 الذي حقق الشفافية كاملة والالتزام بسياسة السوق المفتوح الذي يعتبر احد سمات المناخ الاستثماري معتبرا أن حقوق الاجنبي موازية للاجنبي بالكامل ولا يوجد قائمة سلبية للمستثمرين او تراخيص استثمارية ولاحد أقصى للملكية وحق الاقامة مكفول فضلا عن الاعفاء لمدة 5 سنوات من الضرائب وحرية جلب المعدات بالاعفاءات الموجودة.