أصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية دراسة مهمة حول دور الجهاز المصرفي والبنك المركزي في تنمية الاسواق المالية في البلدان العربية وتهدف الدراسة التي اعدها الدكتور عبدالمنعم السيد علي استاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة آل البيت بالاردن الى مناقشة كيفية الوصول الى وضع تقوم فيه الاجهزة المصرفية بتقديم المساعدة في تنمية الاسواق المالية العربية, من خلال وسائل وسياسات مصرفية معينة, تهدف الى تعزيز دور المصارف العربية وعلى رأسها المصارف المركزية, للوصول الى تنمية اقتصادية فعلية تشارك المصارف في تمويلها وتقديم الدعم المالي اللازم لها. قام الباحث في البداية بالبحث عن الدور التاريخي للمصارف في مجال تمويل الاسواق المالية العالمية, ثم قدم تقويما لأسواق المال العربية القائمة حاليا, وللاجهزة المصرفية العربية العاملة, ليستخلص اجابات لتساؤلاته ثم انتهى الى استنتاجات معينة بشأن دور المصارف والبنوك المركزية العربية في تنمية اسواق المال العربية, كجزء لا يتجزأ من عملية التطوير الاقتصادي والمالي في الاقطار العربية. تجارب الدول الصناعية قسم الباحث الدراسة الى تسعة اقسام اشتمل القسم الاول منها على الدور التاريخي للمصارف في مجال تنمية اسواق المال, حيث قدم عرضا لتجارب بعض الاقطار الصناعية في اوروبا وشرق آسيا, في مراحل نموها في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين, وخاصة التجربة الاوروبية القارية, والتي تبرهن على اهمية الدور الذي قامت به الاجهزة المصرفية فيها بتحقيق تصنيع سريع ساهم بدرجة مهمة في نموها وتطورها الاقتصادي, حيث ارتبطت المصارف الاوروبية القارية ارتباطا وثيقا بالصناعات الثقيلة والبنى التحتية الاساسية, كالسكك الحديدية, اكثر من ارتباطها بالصناعات الخفيفة والنشاط التجاري, مما نتج عنه تراكم اكبر واسرع في رأس المال. كما قدم الباحث تجربتين متشابهتين احداهماعربية وقد حدثت في مصر عام ,1992 وهي تشابه التجربة الاوروبية القارية, عند اقامة بنك مصر الذي التزم بانشاء مشروعات صناعية, ساهم فيها وشارك في مجال ادارتها, واستمر في الوقت نفسه في عملياته الاستثمارية الصناعية, رغم غضب المصارف الاجنبية المنافسة, وسعى الى تطوير القطاع الانتاجي في مصر من خلال دعم وحداته الاقتصادية وتعزيز قدراتها التنافسية في مواجهة المشروعات والسلع الاجنبية في الاسواق المحلية. وقد بلغ عدد الشركات التي اسسها تسع عشرة شركة انتاجية في الوقت نفسه الذي قدم فيه خدمات استثمارية الى جانب العمليات المصرفية التجارية التقليدية فكان بذلك مصرفا شاملا حقا. اما التجربة الثانية فهي تجربة اليابان, حيث شاركت الحكومة القطاع الخاص في اقامة مصارف متخصصة في الاحتفاظ بسيطرتها الادارية عليها, وقد اضطلعت تلك المصارف بتمويل الصناعة لآجال قصيرة وطويلة, بالمشاركة مع المصارف الاخرى. وخلص الباحث من عرض هذه التجارب الى استنتاج مهم, وهو ان الوظيفة المصرفية المتمثلة بتوفير رأس مال قصير الاجل مقارنة برأس مال طويل الاجل تعتمد على الظروف السائدة والخاصة بكل قطر على انفراد, او ضمن مجموعة من الاقطار تتشابه في الظروف الاقتصادية التي مرت بها في كل مرحلة من مراحل تطورها الاقتصادي. اسواق المال العربية في القسم الثاني من الدراسة قدم البحث عرضا لأسواق المال العربية على ضوء التجربة الاوروبية القارية, وفي ضوء تساؤل مهم: اي الاسلوبين المصرفي او السوقي اكثر ملائمة لحالة البلدان العربية؟ اشار الباحث الى ان اسواق المال العربية, والتي يبلغ عددها تسعا, هي اسواق ضيقة وتفتقر الى المهارات المالية اللازمة وقلة الادوات المالية المتاح التعامل بها, واقتصارها في الغالب على الاسهم, مع حجم محدود من السندات الحكومية واذونات الخزينة بالاضافة الى الاطار القانوني والاداري والمؤسسي محدود الكفاءة, مما حال دون تطوير اسواق رأس مال عربية متخصصة. اضافة الى ميل الافراد الى الاحتفاظ بمدخراتهم بصورة سائلة, وحصر معظم الاسهم في ايد قليلة تفضل عدم المتاجرة بها, وميل المتعاملين في السوق نحو المضاربة التي ميزت التعامل في معظم هذه الاسواق, وقد ادت كل هذه العوامل الى نتيجتين اساسيتين وهما: الحد من تطور الاسواق المالية العربية. اتجاه الاقراض المصرفي وهو بطبيعته قصير الاجل, في الغالب نحو تمويل المشروعات التجارية والانشاءات على حساب المشروعات الاستثمارية طويلة الاجل التي تركت للحكومات, سواء في البلدان النفطية او غير النفطية, من خلال انشائها لمصارف متخصصة وصناديق انماء قطرية واقليمية لملء فجوة التمويل الاستثماري. كما حدد الباحث الملامح العامة المشتركة التي تتصف بها اسواق المال العربية, وهي ان معظم هذه الاسواق منتظم, اما الاسواق الثانوية فمتفاوتة بعضها, منظم وبعضها الآخر في مرحلة التطوير. كما انها تؤدي دورا محدودا في توفير التمويل المتوسط والطويل الأجل. انها تتسم بقلة ادوات الاستثمار المالي نوعا وحجما. غياب وضعف مؤسسات الوساطة المالية المتخصصة في التعامل من خلال هذه الاسواق واشارت الدراسة الى ان حجم القيمة السوقية الاجمالية لأسواق المال العربية في عام 1994 بلغ 80 مليار دولار, مقارنة بـ 189 مليار دولار في المكسيك, و192 مليارا في كوريا الجنوبية, و247 مليارا في تايوان, وذلك في العام نفسه. أسباب الضعف وقد ارجع الباحث اسباب ضعف الاسواق المالية العربية وضيقها لعدة اسباب اهمها: ضآلة الناتج المالي والاقتصادي للاقتصادات العربية, ويعود ذلك جزئيا الى ان الدولة لا تزال تؤدي دورا رئيسيا فيها. عدم انتشار الشركات المساهمة التي يتم تمويلها من خلال اصدارات الاسهم والسندات, والاتجاه نحو الشركات الصغيرة او المشروعات العائلية. سيطرة عدد محدود من كبار المستثمرين على حصص كبيرة من اسهم الشركات القائمة واحتفاظهم بها لمدد طويلة, مما يؤدي الى ركود تداولها. عدم تنوع الاوراق المالية وغياب دور الوساطة المالية المتخصصة. غياب الفهم العام لمعايير الاستثمار, وندرة التحليل الاستثماري السليم. استمرار وجود قوانين تجارية غير ملائمة, وعدم توافر اطار قانوني مناسب لتطوير الاسواق المالية. تردد السلطات في السماح باستخدام ادوات اقتراض جديدة واستمرار اعتماد الشركات على مصادرها الداخلية لتمويل نشاطاتها واستثماراتها التوسعية. تركيز المستثمرين على اسهم الشركات التي توزع ارباحا سنوية مرتفعة غالبا, وليس على الشركات ذات رأس المال الواسع, واحتمالات النمو الكبيرة. اما على المستوى الاقليمي ــ العربي, فقد اشارت الدراسة الى ان عدم التكامل بين الاسواق المالية العربية يعود للاسباب التالية: اختلاف التشريعات والتنظيمات المنظمة لها. ضيق الطاقة الاستيعابية لرؤوس المال في البلدان العربية التي اقيمت فيها هذه الاسواق, سواء كانت بلدانا نفطية او غير نفطية, بسبب عدم تطور اساليب الادارة المالية وصغر حجم الاقتصادات العربية. القيود الواسعة والرقابة المشددة التي تفرضها السلطات النقدية والمالية على تداول الاوراق المالية بين قطر وآخر. الاختلاف والتناقض بين السياسات النقدية والمالية العربية, والقيود على حركة رأس المال واسعار الفائدة واسعار الصرف والسياسة الائتمانية المصرفية. اتجاه الادخارات نحو الودائع المصرفية, ولآجال قصيرة, مما يصعب معه تحويلها الى قروض أو أوراق مالية طويلة الاجل مما يحد من تكامل الاسواق النقدية. ضعف التشابك الاقتصادي العربي والعمل الاقتصادي العربي المشترك, والذي يعد من أهم عوامل عدم التكامل بين الاسواق العربية. واقع المصارف العربية وتطرقت الدراسة في قسمها الثالث الى واقع الاجهزة المصرفية العربية, حيث اشارت الى ان ارتفاع اسعار الفائدة في البلدان النامية سببه شح الموارد المالية وضآلة المدخرات المحلية, واستحواذ الحكومات على الائتمان المصرفي بدلا من ان تكون مصدرا للاموال المتاحة في سوق الائتمان. اضافة الى الدور المحدود لهذه الاجهزة في الاقتصادات الوطنية. وتعرضها لضغوط كبيرة من قبل الحكومات لتمويل برامجها الانمائية. اضافة الى ضيق الاسواق المالية وانخفاض الوعي الاستثماري. واكدت الدراسة ان الوضع بالنسبة للاجهزة المصرفية التجارية العربية, لا يختلف عن الوضع في الدول النامية. فالمصارف العربية تركز نشاطاتها التمويلية في القطاع التجاري والانشائي, وبشكل خاص في قطاع التجارة الخارجية التي تؤلف جزءا كبيرا من الناتج القومي الاجمالي في مختلف الاقطار العربية المختلفة, النفطية وغير النفطية. ويستحوذ تمويل التجارة الخارجية عموما على 50% في المتوسط من التمويل المصرفي في تلك الاقطار. كما ان القطاع المصرفي في الاقطار العربية يهيمن على الهياكل المالية فيها, في الوقت الذي يتركز نشاطه اساسا في نطاق التمويل قصير الاجل, ففي نهاية عام 1994 بلغ حجم القيمة السوقية لاسواق الاوراق المالية العربية حوالي 80 مليار دولار. بينما بلغ حجم موجودات المصارف العربية في ذلك الوقت ايضا حوالي 900 مليار دولار, في حين بلغت قوة المساهمين فيها حوالي 89 مليار دولار. وهو حجم صغير نسبيا مقارنة بهذا العدد الكبير من المصارف العربية (322 مصرفا بالاقطار العربية حتى نهاية عام 1994, بعدد فروع يبلغ 7836 فرعا, تخدم 231.8 مليون نسمة) واذا قورن ذلك بمصرف واحد عملاق كالمصرف الياباني مثلا (582 مليار دولار عن العام نفسه) فانه يتضح تواضع حجم المصارف العربية ومحدودية رؤوس اموالها, فيا عدا مصارف قليلة جدا منها. النضج المالي وفي القسم الرابع يناقش الباحث (النضج المالي وأثره في التمويل المصرفي في البلدان العربية) , حيث ان المشكلة المالية التي تواجه البلدان العربية ـ خاصة غير النفطية ـ هي الافتقار الى موارد مالية كافية لمواجهة متطلبات التنمية الكبيرة لديها. ويشير الباحث الى انخفاض الدخل القومي في البلدان النامية, وضآلة المدخرات, وعدم تطور نظام الشركات المساهمة في مشروعات الاعمال, وعدم صيرفة الايداع والتوفير فيها, وعدم تكامل اسعار الفائدة جزئيا بسبب محدودية التسهيلات المصرفية ومؤسسات الادخار, بالاضافة الى تدني معدل التراكم الرأسمالي, مما يحد من النمو الاقتصادي. وتواجه شركات الاعمال شحا في رؤوس الاموال, سواء من حيث المساهمات المباشرة او الائتمان المصرفي. كما ان الارباح غير الموزعة لا تكفي لتحقيق توسع مطرد في الاقتصاد. ويدل كل ذلك على تدني درجة النضج المالي في البلدان النامية بوجه عام, بما فيها البلدان العربية, مع اختلال نسبي في ذلك من بلد لآخر. دور البنوك المركزية ويتطرق الباحث في القسم الاخير من الدراسة, واستنادا الى النتائج التي توصل اليها في سياق البحث, لـ(دور البنوك المركزية في تنمية وتطوير الاسواق المالية العربية) مؤكدا ان هذا الدور اوسع شمولا وابعد مدى مما هو عليه في البلدان المتقدمة اقتصاديا, ويتلخص هذا الدور في: 1 ـ توفير التشريع اللازم لتحقيق التحرير المالي, بحيث يتيح للمصارف توسيع نشاطاتها الائتمانية لتشمل الائتمان المتوسط وطويل الاجل, ويسمح لها باستعمال الادوات المالية الجديدة التي انتشرت في البلدان الاخرى بعد التطور الهائل في اساليب التمويل على اختلافها. 2 ـ السماح بانشاء مصارف استثمار خاصة للترويج والاكتتاب في الاصدارات الجديدة من وسائل الملكية (الاسهم) والدين (السندات) وضمان الاكتتاب بها. 3 ـ السماح للمصارف بالمشاركة في ملكية وادارة مشروعات انتاجية تثبت جدارتها الاقتصادية, وتوافرت لها الامكانيات المالية اللازمة, وذلك بالمشاركة مع القطاع الخاص والقطاع العام اذا شاء. 4 ـ ضمان البنك المركزي لشهادات الدين (السندات) الصادرة بشكل خاص عن مؤسسات المرافق العامة الاقتصادية. 5 ـ السماح بانشاء مصارف متخصصة للصادرات والاستيرادات, يمكن ان يساهم فيها البنك المركزي, او يمدها بقروض قصيرة او متوسطة الاجل, مع مساهمة المؤسسات الحكومية والمصارف التجارية وشركات الاستثمار, بالاضافة الى القطاع الخاص. 6 ـ السماح للمصارف باقامة مؤسسات تمويل مشتركة تساهم فيها, وتضمن اصداراتها من الاسهم والسندات, وتوفر لها ما تحتاجه من تمويل. 7 ـ السماح للمصارف الوطنية بتوظيف جزء من مواردها في أدوات مالية عربية في الاسواق المالية المحلية العربية, مما يحقق ترابطا بين هذه الاسواق, وينوع من أدواتها الاستثمارية. 8 ـ على النطاق الاقليمي العربي, يمكن للبنوك المركزية العربية ان تضمن اصدارات من السندات لصالح اقطار عربية في اسواق المال العربية, او لدى المصارف العربية العاملة خارج نطاق العالم العربي. ويختم الباحث دراسته بالتأكيد على انه من الضروري اعطاء البنك المركزي حرية كافية في وضع السياسات النقدية, وفي اعلان وجهة نظره الصريحة في تقويمه للاوضاع الاقتصادية السائدة, خاصة النقدية والمالية منها, وفي التقويم والنقد والتعليق على السياسات والاهداف الحكومية. وانه باستثناء ذلك فلن يكون البنك المركزي الا تقليدا كماليا, لا طائل من ورائه.