يبدو ان قضية البنوك والتمويل العقاري في مصر بدأت تدخل منعطفها الاخير من الجدال الدائر منذ عدة شهور ... فبعد ان كان هناك اعتراضات كبيرة حول دخول البنوك في عمليات التمويل العقارية تحول الاتجاه الى النقيض بل وزاد حماسا بعدما اعلن عدد من البنوك عن جديته في الدخول الى هذا النوع الجديد من التعاملات الا ان الجدال مازال مشتعلا بين خبراء الاقتصاد حول ماهية هذا التمويل والتعديلات التي قد تطرأ على قانون البنوك والائتمان رقم 163 لسنة 1957 فهناك من يعترض على تعديل بنود القانون, بينما يرى البعض الاخر ضرورة تعديل بعض البنود بما يتوافق مع طبيعة مناخ الاستثمار الحالي فماهي حقيقة الجدال الدائر حول امكانية تمويل البنوك للاستثمار العقاري؟ في البداية وقبل التعرف على اراء الخبراء في هذه القضية يجب الاشارة الى التعليمات الاخيرة التي اصدرها محافظ البنك المركزي المصري اسماعيل حسن تعليقا على ممارسات بعض البنوك في التوسع في منح تمويل عقاري لعدد من الشركات والمؤسسات وهي تلك الممارسات التي وصفها بأنها امر يصعب تجاهل مخاطره على السوق المصرفي وعلى البنوك المتوسعة في التمويل العقاري بل وعلى العملاء ذاتهم.. وكان اسماعيل حسن قد اكد في تعليماته على ان هذه الامور يجب دراستها بعناية من جانب ادارات البنوك المختلفة, فيجب على سبيل المثال ان يكون لدى البنك سياسة مدروسة تربط حجم التمويل العقاري بشكل او بآخر بالقاعدة الرأسمالية وليس كالمعمول في عدد من البنوك وهو اتباعها لسياسة التمويل العقاري من خلال نسبة محددة من اجمالي محفظة القروض لدى البنك وكذلك يؤكد محافظ البنك المركزي على ضرورة تعرف البنوك على نشاط المقترض لاغراض عقارية وان تفرق بين المضاربين والمستثمرين واصحاب المشروعات والمقترض بفرض شراء مسكن له.. فضلا عن ضرورة التحقق من الملكية ومدى امكانية البنك التنفذ عليها اذا تطلب الامر ذلك وقابليتها للبيع في فترة مناسبة والاهم من ذلك جدوى التمويل العقاري ليس فقط للبنك والعميل بل وللاقتصاد القومي. عملية حساسة جدا ويعد التمويل العقاري عملية حساسة جدا للجهاز المصرفي لها انعكاسات سلبية وايجابية ايضا والحديث هنا مع عبدالله طايل نائب رئيس مجلس ادارة بنك مصر اكستريور ــ والذي اكد على ان التمويل العقاري في العالم كله كان احد الاسباب الرئيسية في الخلل الذي اصاب عددا كبيرا من الدول فعلى سبيل المثال كان لتوسع البنوك في الاقراص العقاري بهدف توظيف السيولة الناجمة سواء عن زيادة المدخرات المحلية او تدفقات رؤوس الاموال الاجنبي الاثر الكبير في الازمة المالية التي اصابت دول جنوب شرق اسيا في منتصف العام الماضي والتي مازالت تعاني منها حتى الان وكذلك الازمة التي واجهتها المكسيك عام 1994. ضوابط ضرورية واستطرد طايل قائلا: هناك العديد من الضوابط التي يجب ان تتبعها البنوك المصرية في عملية التمويل العقاري حتى يكون هناك احكام على كافة البنوك العاملة في هذا الاتجاه لتفادي اية سلبيات قد تنجم عن هذا النوع من التمويل, فيجب ان يراعى التشريع تسهيل حصول البنوك على حقوقها والاستثمارات في وقت قصير في حالة تعثر العميل عن السداد وهو ماسيساعد البنوك على استرداد العقارات او بيع العقارات المرهونة كما يجب على البنوك ان تركز في عملية التمويل العقاري وامكانية تحقيق المسكن المناسب لكافة طبقات المجتمع خاصة الاسكان المتوسط والاقتصادي وبالطبع اذا حققت الهدفين فانه من السهل بعد ذلك تطبيق اي ضوابط اخرى سواء كانت تتعلق بنسبة التمويل او غيرها, كما انه في حالة توافر هذه المحددات فانه يمكن ان تقوم البنوك التجارية بتمويل العقارات بالاضافة الى البنوك العقارية المتخصصة. عقبة امام البورصة ومن منظور اخر يرى جاب الله الدسوقي المدير العام المساعد بالبنك المصري لتنمية الصادرات ان التوسع في مجال التمويل العقاري يقف عقبة رئيسية امام تنشيط سوق المال والاستثمارات بالنسبة لمناخ الاستثمار في مصر كما ان المضاربة على اسعار العقارات تضر بالاقتصاد القومي حيث انها ترفع الاسعار دون اية قيمة مضافة وكذلك فان المضاربة على الاصول العينية تمثل عقبة امام احداث تنمية حقيقية. ويتساءل الدسوقي: هل من المعقول ان يفوق سعر متر الارض في مشروع عقاري بالقرب من مدينة اكتوبر او العاشر من رمضان مناطق عديدة في وسط القاهرة؟ وهل يعقل ان يشتري شخص ما وحدة سكنية ثم يبيعها بعد فترة وجيزة بأضعاف ثمنها الفعلي؟ فالمدن الجديدة كانت منذ فترة لاصحاب الدخول المحدودة اما الان فقد تحولت الى مدن للقادرين واصحاب الملايين. من خلال ماسبق يتضح لنا ان سوق الاستثمار المصري في حاجة الى تنشيط سوق المال وجذب المدخرات سواء لسوق الاوراق المالية او توجييها للاستثمار المباشر وليس المطلوب المضاربة في اسعار الشقق والوحدات السكنية التي يتم تمويلها من قبل البنوك. ويرفض الدسوقي توجيه البنوك التجارية لاموالها نحو التمويل العقاري مشيرا الى ان هذا النوع من التمويل من شأن البنوك المتخصصة وكذلك بنوك الاستثمار التي تضخ اموالا لفترات طويلة في اسواق العقارات ورفض كذلك قيام البنوك بتمويل اصحاب المشروعات العقارية بهدف اقامة مشروعات للمضاربة عليها وليس لخدمة المجتمع والمساهمة في حل مشكلة الاسكان. في حدود الأمان ويخالفه في الرأي الدكتور احمد شوقي رئيس مجلس ادارة بنك الائتمان الدولي (مصر) مؤكدا ان السوق المصري في حاجة للمساكن الفاخرة التي تقوم بعض البنوك بتمويل انشائها مشيرا الى ان السوق تحتاج كافة النوعيات وكما انه مطلوب من البنوك تمويل المساكن الاقتصادية والمتوسطة فانه مطلوب ايضا تمويل الفاخرة حتى تتمكن من تحقيق ارباح تدعم مراكزها المالية وتوجيه جزء من تلك الارباح للاسكان الاقتصادي. ويضيف الدكتور شوقي قائلا: على الرغم من توسع البنوك في عمليات الاقراض العقاري, الا ان النسبة لاتزال في حدود الامان المسموح به ولكن هناك تخوفات ظهرت لدى الجمهور بسبب المغالاة في تكلفة المشروعات العقارية وتقدير قيمة الارض التي سيقام عليها المشروع. وهو مايعني المبالغة في حجم التمويلات من قبل البنوك, وبالطبع فان هذه التخوفات لهامايبررها خاصة وان اموال البنوك هي اموال المودعين بالدرجة الاولى كما ان اموال البنوك العامة هي اموال الدولة الا انه بشكل عام نجد ان نسبة الاموال التي ضختها البنوك في مجال التمويل العقاري لاتتجاوز 4% من حجم الاموال لدى الجهاز المصرفي كما تؤكد اخر احصائيات البنك المركزي. ضرورة التوسع ويطالب الدكتور شوقي بضرورة تعديل قانون البنوك والائتمان بهدف توسيع البنوك في مجال التمويل العقاري, حيث ان اقرار مثل هذه التعديلات سيساعد البنوك في ضخ مايزيد على 6 مليارات جنية لتمويل شراء المساكن والمساهمة في المشروعات السكنية الجديدة. خاصة مع توافر القدرة المالية لديها على ذلك حيث ان البنوك لديها ودائع تتجاوز 200 مليار جنيه وهذه الاموال في حاجة الى ضمانات لانطلاقها الى مجالات الاستثمار المختلفة كما تحتاج ايضا الى ازالة العقبات التشريعية التي تتمثل بشكل اساسي في تطبيق احكام القانون المدني المنظمة للرهون العقارية على عمليات الائتمان الممنوحة من قبل البنوك. دراسات الجدوى ويختتم احمد شوقي حديثه بقوله: يجب على البنوك ان تعد دراسة جدوى جيدة للمشروع العقاري شأنه في ذلك شأن كافة المشروعات الاستثمارية الاخرى التي يقوم بتمويلها البنك ولابد ان تتضمن هذه الدراسة اجراء تقييم سليم للتكلفة الاستثمارية للمشروع والتأكد من قدرة المشروع على سداد مستحقات البنك مع تحديد المدة والتأكد كذلك من الملاءة المالية للمقترضين وسمعتهم في السوق وخبرتهم في مجال الاستثمار العقاري وتعاملاتهم السابقة والحالية مع البنوك الاخرى ويجب الاتزيد مساهمة البنوك في المشروعات العقارية عن 50% من حجم المشروع, على ان يلتزم المؤسسون بدفع النسبة الباقية وان تدرس بدقة التدفقات النقدية للمشروع وبرنامج السداد واذا احسن البنك تطبيق هذه الضوابط فان اعادة الاموال المقترضة تكون في دورة الامان. استثمار محفوف بالمخاطر من جانب اخر يؤكد علي نجم رئيس مجلس ادارة بنك الدلتا الدولي على ضرورة دراسة اتجاه البنوك التجارية نحو الاستثمار العقاري حيث ان لديه اعتراضات كبيرة لتوجيه مثل هذه البنوك الى تلك النوعيات من الاستثمار المحفوف بالمخاطر ويدلل على رأيه بقوله: ان البنوك التجارية تعتمد على تحويلات قصيرة الاجل كالودائع ويجب الا توجه اموالها لمشروعات طويلة الاجل كالمشروعات العقارية مشيرا الى ان مطالبة البنوك التجارية بالتوسع في عملية الاستثمار العقاري هو نوع من خلط الاوراق وان على هذه البنوك ان تعرف دورها واختصاصاتها كالمعمول به معظم دول العالم حيث تسند عملية التمويل العقاري الى البنوك المتخصصة او الى شركات التمويل العقاري. ويعتبر نجم ان النسبة التي حددها البنك المركزي المصري والتي تقضي بألا يتجاوز نسبة مساهمة البنوك في المشروعات العقارية عن 5% من القاعدة الرأسمالية للبنك تعد نسبة جيدة وتقع في حدود الامان, ورفض في الوقت نفسه الاقتراح الذي طالب به البعض والخاص برفع نسبة المساهمة الى 30% نظرا لانه يشكل خطورة مباشرة على الجهاز المصرفي, ففي حالة تعثر المشروع العقاري لسبب او لآخر كيف يمكن استرداد اموال البنك خاصة وانه لن يستطيع طرد الساكن, فهو امر مرفوض من كافة النواحي السياسية والاجتماعية والاخلاقية, وكل تلك الامور تجعلنا نتخوف من التوسع في عمليات التمويل العقاري. لا لتمويل الاسكان الفاخر ويستطرد نجم حديثه بقوله: كل ماسبق لايعني توقف البنوك عن الاستمرار في عمليات التمويل العقاري الان هناك شروط للخوض في مثل هذا النوع من الاستثمارات فمثلا يجب على البنوك التوقف عن تمويل المساكن الفاخرة والفيلات والقصور لان اصحاب هذه المشروعات لديهم القدرة المالية سواء على التمويل للانشاء او التمويل للشراء ومن هنا يتضح لنا ان الوقت قد حان لمراجعة سياسات بعض البنوك التجارية التي توجه اموالها للتمويل العقاري في ظل التسارع نحو تمويل المنتجعات السياحية والفيلات والقصور الفخمة واخيرا يجب ان نشير الى ان السوق المصري في حاجة الى اسكان متوسط واقتصادي, وان الطلب على الاسكان الفاخر سيكون محدودا وقد يصل الى مرحلة تشبع في وقت لاحق, وان هناك خطورة في تمويل البنوك لمشروعات عقارية فاخرة يتم بيعها بالتقسيط اذ ان البنك لايعرف كيف يسترد امواله في حالة تعثر العميل عن السداد.