في مؤتمرهم المنعقد في مدينة برمنجهام البريطانية في مايو الماضي, ابدى قادة الدول الثماني ثقتهم في امكانية استعادة آسيا لاستقرارها الاقتصادي اذا طبقت خطط الاصلاح التي وضعها صندوق النقد الدولي بالكامل, كما اوضح القادة انهم يدعمون بقوة الاصلاحات الجارية في الدول المتضررة من الأزمة الآسيوية التي تطبق خطط الصندوق . وفي نفس اليوم اصدر مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا تصريحا شديد اللهجة ضد صندوق النقد الدولي وحمله المسؤولية عن احداث الشغب التي تمت في اندونيسيا في ذلك الوقت والتي انتهت باستقالة سوهارتو بعد قبوله بخفض الدعم, وذكر مهاتير محمد بالنص المترجم (ان الناس عندما يزدادون فقرا ويقطع عنهم الدعم فان ذلك يؤدي الى اثارتهم عمداً) . والمعروف ان برامج صندوق النقد الدولي التي يطالب الصندوق بتطبيقها ولدت مشاكل اقتصادية معقدة, حيث تتطلب في عناصرها الأولية الغاء الدعم او تخفيضه ورفع اسعار السلع, كما تتطلب تخفيض سعر صرف العملة المحلية ورفع سعر الفائدة البنكية وتقليص عجز الموازنة العامة, وهي امور تؤثر سلباً على معيشة الفقراء وتوسيع دائرة الفقر وزيادة البطالة, وهذه البرامج تم تطبيقها فعلاً في المكسيك وبعض دول امريكا الجنوبية منذ حوالي ثلاث سنوات, كما تم تطبيقها ايضاً في بعض دول جنوب شرق آسيا في السنة الاخيرة, وكانت قد طبقت قبل ذلك في بعض الدول العربية كالاردن ومصر والسودان وادت الى قيام اضطرابات سياسية ومظاهرات شعبية. ومن المؤكد ان برنامج صندوق النقد الدولي الذي تم الاتفاق عليه مع اندونيسيا على اساس تخفيض الدعم ورفع اسعار بعض السلع وتخفيض سعر صرف الروبية الاندونيسية ورفض انشاء مجلس للعملة, هذا البرنامج كان سبباً رئيسياً في استقالة الرئيس سوهارتو الذي استمر في الحكم ما يزيد على ثلاثين عاما متواصلة. لذلك فان هناك دولا عديدة في آسيا وفي خارج آسيا, تعارض برامج صندوق النقد الدولي مركزة معارضتها على عاملين: 1ــ ان برامج صندوق النقد الدولي لا تراعي البعد الاجتماعي, بمعنى انها لا تراعي صالح الفقراء الذين يشكلون النسبة الغالبية في الشعوب النامية حوالي ثمانين في المائة, خاصة وان هذه البرامج تتجه مباشرة الى الغاء وتخفيض الدعم وبالشكل الذي يؤدي الى رفع اسعار السلع المحلية والاجنبية وهو ما يؤثر على معايشة الطبقات الفقيرة من ذوي الدخول المحدودة. 2 ــ تأتي هذه البرامج متفقة مع اهداف صندوق النقد الدولي التي تطالب بقيام عالم متحرر من القيود النقدية والتجارية, بصرف النظر عن القيود الحمائية التي تحمي الفقراء, وعن الدعم الذي تقرره الحكومات لتخفيض اسعار السلع, على ان يستمر ذلك حتى يتم اصلاح النظام النقدي العالمي لكي يأخذ في اعتباره صالح كل الطبقات الفقيرة والغنية, وكل الدول النامية والمتقدمة. وبذلك كانت برامج صندوق النقد الدولي, ومازالت محل نقد مستمر ومعارضة دائمة من اغلب الدول التي اضطرت الى الاخذ بها. كما كانت هذه البرامج وراء الانهيار الاقتصادي والاضطرابات السياسية التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا وامريكا الجنوبية, الامر الذي ادى الى قيام جمعيات اهلية في اكثر من سبعين دولة تطالب بالغاء الصندوق وتتخذ شعارا لها (خمسين عاما تكفي) وكان ذلك بمناسبة انقضاء خمسين سنة على نشأة الصندوق دون تحقيق انجازات لصالح الفقراء. وفي ضوء ذلك عرض رئيس الصندوق ميشيل كامديسو بعض المقترحات الاصلاحية على الاجتماع السنوي الاخير المنعقد في هونج كونج منذ شهور وذلك لاصلاح النظام النقدي العالمي وتعديل اتفاقية الصندوق, وتتمثل هذه المقترحات فيما يلي: 1 ــ ضرورة قيام الصندوق بدور رقابي على الدول الاعضاء للتأكد من مدى سلامة الحكم ومدى سلامة خطوات السلطة التنفيذية وتطبيق القانون والديمقراطية. 2 ـ قيام الصندوق بدور فعال في اسقاط الديون الخارجية المستحقة على الدول الاكثر فقرا لحماية هذه الدول من الكوارث الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة شعوبها. 3 ــ قيام الصندوق بدور ايجابي في القضاء على الفساد السياسي والاداري بعد ان وصلت قيمته السنوية الى حوالي ثمانين مليار دولار امريكي حسب تقديرات البنك الدولي. 4 ــ وضع ضوابط على تحركات رؤوس الاموال بين الدول الاعضاء, وبما يتماشى مع القواعد الواردة في اتفاقية الصندوق التي تسمح بفرض الرقابة النقدية على التحويلات الرأسمالية. 5ــ اقرار محاور جديدة لبرامج الاصلاح الاقتصادي تتمثل فيما يلي: أ ــ محور داخلي يهتم باصلاح النسيج الاجتماعي والأوضاع الداخلية للشعوب, وبما يتطلبه ذلك من زيادة رقابة الصندوق على الادارة الداخلية والقضاء على البيروقراطية والتأكد من سلامة القوانين وعدالة تطبيقها. ب- محور خارجي يقوم على توازن ميزان المدفوعات بين الدول الأعضاء, وعلى تحرير التحويلات النقدية الخارجية بالنسبة للمعاملات التجارية والخدمات غير المتطورة, مع فرض سعر صرف واقعي للعملة المحلية. وإذا كانت هناك معارضة لهذه المقترحات من بعض الدول الأعضاء على أساس أنها تمس الشؤون الداخلية لهذه الدول, فإنه من المنتظر ان تقل هذه المعارضة بعد الأزمات النقدية الأخيرة التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا وبعض الدول الأخرى, خاصة وان الانهيار الاقتصادي الذي أصاب دول جنوب شرق آسيا يمكن أن يمتد إلى جميع دول العالم, ما لم توقفه أيديولوجية عالمية جديدة وفكر عالمي مستحدث.