بات تطوير الوعي التكنولوجي خاصة فيما يتعلق بقضايا الساعة مثل علة القرن, أمرا بالغ الاهمية سواء بالنسبة للحكومات او الشركات ولعلنا نضفي مزيدا من البريق الى هالة القلق التي تحيط بمشكلة الالفية الثالثة للميلاد اذا تطرقنا لذاك الجانب منها الذي يبرهن على صحة نظريات بيتر دراكر . كان دراكر يرى ان صمود الشركات في عالمنا المعاصر رهن بتحولها الى مؤسسات تقوم على نظم المعلومات وتأخذ بمعطيات الثورة المعرفية ولاتجمد على الشكل الهرمي التقليدي. والمتعارف انما هي معلومات تم جمعها ومعالجتها وتصنيفها بصورة تجعلها بالغة الدقة وعنصرا جوهريا لايستغنى عنه لانها تهب لنجدتنا في الوقت المناسب. ان تجهيز فرادى المعلومات الخام, التي أتاحت تكنولوجيا المعلومات اكداسا هائلة منها وتحويلها الى ثروة معرفية حقيقية يتطلب علما. وكان دراكر قد قدم لنا خلال حقبة الستينات تعريفا لذاك الصنف من الموظفين والمستخدمين الذين كانت خطى التطور تقود الى ظهورهم وهيمنتهم في المستقبل وتترسخ يوما بعد يوم فكرة الشركة المعلوماتية التي اتحفنا بمفهومها مقال يعود تاريخه لعام 1988. ولدى دراكر قناعة مفادها ان الادارة الاستعمارية البريطانية لشبه القارة الهندية كانت: صدق او لاتصدق, واحدة من أكمل نظم ادارة المعلومات قاطبة, فعصبة من الناس تعدادهم الف, او يزيدون قليلا, وحفنة ضئيلة منهم تربو اعمارهم على 30 عاما أداروا دفة الحكم في تلك القارة بأسرها. دعونا نتجاهل لوهلة وجيزة من الوقت, ذاك الجدل العريض والنزاع الابدي حول الاستعمار بآثامه وفضائله وخطاياه ومزاياه ولننظر للامر على انه مجرد عملية ادارية, عندها يتبين كم كانت تلك العملية تنطوي على مايثير اشد الذهول والاعجاب. فالصين كانت تقبع الى جوار الهند وتكاد تماثلها في عدد السكان, غير انها احتاجت الى مئات الالوف من جهابذة الاداريين ومن شتى المستويات لتسيير امور البلاد. كان يناط بكل واحد من مسؤولي المناطق (ولم يكن هناك سوى موظف اداري واحد لكل منطقة) ان يرفع كل شهر تقريرا الى حاكم المنطقة, يورد فيه تفاصيل الوقائع التي حدثت فعلا وتلك التي كانت الخطط ترمي لحدوثها, مع تعليل واف يفسر اسباب عدم تنفيذ بعض ما كان خطط له مسبقا, ثم يتبع المسؤول هذا التقرير بآخر يفصل فيه القول حول استراتيجية الشهر التالي وعن السبل التي سوف ينتهجها لضمان ان تسير الامور وفق الخطط الموضوعة وكان يتعين على كل واحد من حكام المناطق التسعة تلقي حوالي مائة من تلك التقارير شهريا والرد عليها, كان كل منهم يدرك ماينبغي عليه القيام به, وقد منح الجميع كامل الحرية لتنفيذ ما اوكل اليهم من مهام دون تدخل السلطات العليا الا على اضيق نطاق. كم من الشركات المعاصرة التي تعرفون لديها كبار مدراء يرفع اليهم مائة من مرؤوسيهم من المدراء تقارير تضاهي تلك المشار اليها آنفا؟ ولطالما نوه كثيرون بهذا النمط من اساليب الادارة ولفتوا الانظار اليه باعتباره احد اسرار نجاح نظام الادارة الياباني في الثمانينات وذاك هو النهج الذي تقتفي خطاه الشركات التي تولي تكنولوجيا المعلومات حقها من الاهمية وهذا التيار يلقى حاليا كل الثناء والتشجيع, لقد اصبح هناك قدر اعظم من المرونة ضمن محاور ادارية ضاقت الى حد بعيد رقعة تدرجاتها الادارية. وكان التطلع دائما الى تكنولوجيا المعلومات وقدرتها على صبغ اعمال ووظائف المستخدمين بالطابع الآلي, لقد قلصت تلك التكنولوجيا الحاجة للمدراء بمقدار الثلثين, فمنذ ثلاثين عاما كان يتوقع من الشركات الكبرى مثلا ان تشتمل على 14 تدرجا اداريا واما اليوم فإن الشركة الحديثة الطامحة لولوج رحاب القرن المقبل بثقة واقتدار لن تحتاج سوى الى تدرجات ادارية. ويتم تدعيم هذه التدرجات الخمسة الادارية بأناس ذوي تخصصات ليتولوا العمل في خدمة الشركة ولم يعد رئيس الشركة او مديرها التنفيذي يحمل على عاتقه وظائف تتسم بطابع اوتوقراطي. لقد زرع في هذا المنصب للتنسيق بين جهود المتخصصين وضمان الأداء الامثل في الشركة شأنه في ذلك شأن قائد الاوركسترا او مايسترو الفرقة الذي يؤلف بين جهود سبعين او ثمانين عضوا من اعضائها من الموسيقيين البارعين للوصول الى ارفع مستوى من التناغم وذاك هو النبع الذي تنهل منه استراتيجيات تحقيق الثروة في القرن المقبل.