الارتفاع الحاد والمطرد في أسعار أسهم الشركات والمؤسسات في دولة الامارات في هذه الأيام أحدث ردود فعل عنيفة وواسعة النطاق في جميع الأوساط, وأوجد حالة من الاضطراب والقلق المستمر لدى الجميع سواء المستثمرين بجميع مستوياتهم, أو المسؤولين في مختلف أجهزة الدولة وكذلك الخبراء والمحللين , وبدأت تتردد الشائعات وتكثر الأسئلة حول هذه الظاهرة الخطيرة, ويتساءل الناس عن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع أسعار الأسهم وإلى أي مدى سوف تستمر؟, وما هي النتائج وما هي الأضرار؟ وهل من الممكن التدخل لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة؟ وما هو دور الدولة في ذلك؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تدور الآن وبشدة على جميع المستويات. وبحثا عن اجابة لكل هذه الأسئلة استطلعت (البيان) آراء أهل الخبرة من علماء الاقتصاد, ومن الخبراء والمستشارين الاقتصاديين. كتب مغازي البدراوي صراع المستثمرين أستاذ الاقتصاد ومدير عام الدائرة الاقتصادية برأس الخيمة (دكتور محمد ابراهيم رابوي) يرى ان كبار المستثمرين يلعبون دوراً كبيراً في ارتفاع اسعار الاسهم لأنهم هم الذين يقومون بالشراء بينما صغار ومتوسطي المستثمرين ومالكي الأسهم القليلة هم الذين يفرحون بارتفاع الاسعار ويقبلون على البيع بسرعة, والمستثمرون الكبار يطمحون للسوق الكبيرة, ويسعون الى غزو مجالس ادارات الشركات الكبيرة عن طريق شراء أسهمها, خاصة الشركات والمؤسسات الحديثة, او الشركات القديمة في الفترات التي تسبق تغيير أو تحديث مجالس الادارات فيها, حيث يسعى كبار المستثمرين الى غزو مجالس الادارات بهدف السيطرة على الشركات الكبيرة وتوجيه سياساتها وفقاً لمصالحهم. وحول دور البورصة في هذا المجال يقول د. رابوي ان البورصة ضرورية ومطلوبة لتنظيم سوق الاسهم, وكبار المستثمرين في الامارات ينتظرون البورصة ويريدونها حتى تساعدهم على الانفتاح على الأسواق الخارجية خاصة أسواق دول الخليج التي تتطلع بشغف الى اسواق الأسهم في دولة الامارات. ويرى د. رابوي ان تأسيس البورصة يحتاج الى قاعدة تشريعية قوية تحكم تنظيم تعاملات البورصة, ويجب ان يعتمد تأسيسها على دراسات لتجارب البورصات الناجحة في السوق العالمية. وحول استمرار ظاهرة ارتفاع اسعار الأسهم يقول د. رابوي انها لو ارتفعت اكثر من ذلك وبشكل حاد فسوف تعود للانخفاض بشكل حادٍ ايضاً, لأن العملية في حد ذاتها مضاربة على الأسهم نفسها وليس على قيمتها الحقيقية, وكمية الأسهم الموجودة في الأسواق ثابتة اي ان العرض ثابت بينما الطلب عليها يزيد, وإذا زاد الطلب على كمية ثابتة فلا شك ان اسعارها سوف ترتفع, والرابح هنا مؤقتا هو البائع اي المستثمر الصغير او المتوسط, ولكن هذا لا يعني ان المستثمر الكبير الذي يشتري هذه الاسهم سوف يخسر, هذا ليس صحيح لأن المستثمر الكبير المشتري يستطيع الانتظار, ويعمل في إطار الاستثمار طويل الأجل ويسعى لأهداف أخرى كما قلنا منها السيطرة على السوق عن طريق السيطرة على مجالس ادارات الشركات عن طريق شراء أكبر كمية من أسهمها. ويضيف د. رابوي بأن ظاهرة الارتفاع الحاد لأسعار الاسهم ظاهرة غير صحية تماماً بالنسبة للاقتصاد لأنها في الأساس لا تعكس القيمة الحقيقية للسهم نفسه وهي ما تسمى بالقيمة ( الدفترية) اي المسجلة في دفاتر الشركة, بينما سعر السهم في السوق يسمى بالقيمة السوقية والتي يجب الا تزيد بنسبة كبيرة عن القيمة الدفترية, ولا تصل بأي حال من الاحوال لأكثر من ضعف القيمة الدفترية, ولكن الارتفاع الذي يحدث في اسعار الاسهم في الاسواق الآن غير منطقي ولا طبيعي, خاصة اذا علمنا أن أسهم بعض الشركات ارتفع سعرها في السوق أربعة وخمسة أضعاف قيمتها الحقيقية, وهذا أمر غير طبيعي وغير صحي خاصة وأن بعض هذه الشركات عمرها في السوق قصير ولم تعمل بعد ولم يعرف عنها أنها حققت أية أرباح بعد فكيف يرتفع سعر أسهمها وعلى أي اساس. ــ ولكن ما هو الحل لهذه المشكلة ان كان هناك بالفعل مشكلة؟ يقول د. رابوي: الامارات سوق حرة والدولة لا تستطيع التدخل بشكل مباشر, ولكن ممكن ان تضع ضوابط بطريقة غير مباشر, مثلا يستطيع البنك المركزي ان يأمر البنوك بألا تعطي اي تمويل او قروض للمستثمرين اذا كانت هذه القروض سوف توجه الى شراء الاسهم, ايضا يستطيع البنك ان يقوم بتوعية صغار ومتوسطي المستثمرين حول عمليات شراء الاسهم, وينصحهم بعدم شراء اسهم الشركات الجديدة التي لم تثبت اقدامها في السوق بعد, اكثر من ذلك لا تستطيع الدولة ان تتدخل, ولا يجب لها ان تتدخل حتى لا يؤثر هذا بشكل عام على اسواق الاستثمار في الامارات. ويقول د. احمد خليل المطوع استاذ الاقتصاد ونائب مدير جامعة الامارات لشؤون التخطيط بأن الارتفاع الحاد والمطرد في اسعار اسهم بعض الشركات ظاهرة غاية في الخطورة, ويجب الاسراع بوضع حد لها قبل ان يصل تأثيرها الهدام الى اقتصاد دولة الامارات ككل, ويقول د. المطوع هذا الارتفاع في اسعار الاسهم وهمي وغير مبني على اسس ومعطيات علمية, والدليل على ذلك ان الشركات التي ترتفع اسهمها بعضها حديث وبعضها لم يبدأ العمل بعد, وبعضها الآخر ليست هناك اية معلومات عن ادائه وانتاجه, وهذا يذكرنا بسوق المناخ في الكويت الذي كانت تجرى فيه المضاربات على اسهم شركات ليس لها وجود وغير محددة طبيعة عملها. ويقول د. المطوع في الاسواق الغربية المضاربة على الاسهم تقوم على اساس اداء الشركات وارباحها وانتاجها واحوالها المالية وسمعتها في السوق على مدى سنين طويلة, اما عندنا في الامارات فهناك مؤسسات لم يمض ايام قليلة على افتتاحها ارتفعت اسعار اسهمها وهذا شيء غير منطقي بالمرة. ويقول د. المطوع عملية المضاربة في الاسهم التي تحدث تعني ان السوق تدفع نفسها وليست العمليات الانتاجية هي التي تدفعها وهذه ظاهرة سلبية ولها اضرار كثيرة على اقتصاديات الدولة. ويرى د. المطوع ان الاسهم التي ترتفع الان ربما تنخفض مرة ثانية لان الارتفاع والانخفاض مرهون بحركة العمل والانتاج, والارتفاع الذي حدث مرهون فقط بالمضاربة وربما لهذا تبقى بعض الاسهم مرتفعة الاسعار حتى يحدث الاضطراب الكامل عندما تتسع الفجوة بين القيم السوقية للاسهم وقيمتها الحقيقية. ويضيف د. المطوع بأن الشركات المساهمة لا تتعرض في دول الخليج للافلاس لا لأنها قوية ولكن لأن حكومات الدول تتدخل لحمايتها وانقاذها في الوقت المناسب, وهذا امر خطر يرجع الى ان الحكومات نفسها تساهم في رؤوس أموال هذه الشركات. ويرى د. المطوع ان الاسس العلمية التي تقوم عليها أسواق الأسهم والبورصات العالمية ليست موجودة في أسواق الإمارات, ولا يستبعد د. المطوع أن يكون السماسرة والوسطاء هم الذين يشترون الأسهم ويبيعونها, ويديرون العمليات التي تحدث الآن في سوق الأسهم, وهذا يشكل خطورة لأنه بعيد عن الانتاج تماما ويشكل أضراراً بالغة للاقتصاد. ويقول د. المطوع ان الناس تقبل على شراء الأسهم اعتقادا منها ان هناك بالفعل سوقاً للأسهم في الإمارات, وهذا في حد ذاته وهم وغير صحيح بالمرة, وما يجري في أسواق الأسهم ما هو إلا مجرد إعادة توزيع لثروات عاطلة لا تعمل في الانتاج. ويطالب الدكتور المطوع بتدخل الدولة والبنك المركزي للضغط على البنوك حتى تمتنع عن منح أي قروض أو تمويلات لأية جهات توجه هذه الأموال لشراء الأسهم, وعلى البنوك أن تحترس بشدة لأن خطورة المضاربة في أسواق الأسهم ممكن تؤدي إلى إفلاس الشركات وتضيع معها البنوك المقرضة وتقع الأزمة الكبرى. ايضا يرى د. المطوع أن المصرف المركزي يستطيع أن يأمر بوقف التعاملات في أسواق الأسهم تماما لمدة أسبوع يعطي فيه الفرصة للشركات والمساهمين والبنوك لمراجعة نفسها وتأمل الأوضاع على طبيعتها بعيدا عن التأثر بالارتفاع المغري للأسعار, وحتى يعطي البنك المركزي فرصة للأسواق لتراجع نفسها قبل أن تنهار, وهذا ما يفعلونه في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية عندما تنخفض أسعار الأسهم في السوق يقومون بإغلاقها بعض الوقت وإيقاف التعاملات فيها ويصف د. المطوع ما يحدث في سوق الأسهم في دولة الامارات الآن بأن فقاعة سوف تنفجر وتصيب كل من حولها, كما ينادي بضروة الإسراع بتأسيس بورصة حقيقة لضبط آليات سوق الأسهم وحماية هذا السوق, وأن تتعامل مع كل الأمور بشكل رسمي, وتقدم المعلومات الصحيحة والرسمية لجميع الجهات, وتحمي المستثمر قبل الوسيط, لأن المستثمر هو عماد الاقتصاد بينما الوسيط أو السمسار لا يهمه اقتصاد الدولة في شيء.