سوف أركز هنا على مجموعة من الملاحظات جديرة في رأيي باثارة بعض التساؤلات الجادة حول ظاهرة (العولمة) . ولكي نمنع الالتباس ـ يجب ان نفرق بين مفهومين : 1ــ عمليات العولمة, باعتبارها عمليات تاريخية تجرى في مرحلة عليا من التطور الرأسمالي, وهي عمليات يرى البعض انها لا راد لها, وكأنها قضاء وقدر. 2ــ أيديولوجيات العولمة, وتلك تتعلق بالشق الثقافي, اذ ان هناك تداعيات ثقافية لعمليات (العولمة) الجارية. ونلاحظ ان العملية التاريخية الجارية (للعولمة) تتم من خلال ثلاث آليات أساسية: أ . آلية ثورة المعلومات والاتصالات. ب. دور النقود الالكترونية وحركة الأموال العابرة للحدود. ج. نموتوسع نشاط الشركات متعددة الجنسيات, من خلال عمليات الاندماج المتزايدة عبر القارات الثلاث: الاوروبية ــ الامريكية ــ الآسيوية. وتلك عمليات تاريخية جارية بالفعل لا يملك احد انكارها, لكن احدا لم يطرح السؤال التالي: ما هي حدود عملية العولمة؟ ان عمليات العولمة ــ في رأي العلماء والباحثين الغربيين ــ ليست جديدة, وأن هناك موجة عولمة بدأت في نهاية القرن الماضي, وتحديداً في عام 1870م, وانكسرت هذه الموجة بسبب تناقضات العولمة بحلول الكساد الكبير عام 1929, وبعد انكسار موجة العولمة التاريخية الأولى بسبب الكساد الكبير, توقفت عمليات العولمة خلال الثلاثينيات, وبعد الحرب العالمية الثانية, انغمس الغرب في عملية اعادة البناء خلال الخمسينيات والستينيات, ثم بدأت الموجة الحديثة للعولمة تؤازرها التطورات التكنولوجية منذ نهاية السبعينات, ولكن يظل السؤال الذي يفرض نفسه علينا هو: هل ستستمر عمليات (العولمة) الجارية إلى ما لا نهاية؟ ونجد بهذا الصدد كتابات حديثة في الغرب, تتحدث عن التناقضات الجديدة (للعولمة) , وخاصة العلاقة بين التقدم التكنولوجي, من ناحية, وأزمة توزيع الدخل والبطالة, من ناحية أخرى, لكنني لن أدخل في هذا الموضوع المعقد, والمتشابك, ولكني اود القول بأن (عملية العولمة) الجارية حالياً ليست خالية من التناقضات, وان هناك حدوداً تاريخية لعمليات العولمة بالمعنى الاقتصادي البحت, وبالتالي فإن البحث الجاد لا يقتضي فقط النظر الى العولمة على أنها تيار تاريخي لا يصد ولا يرد, وانما الامر يقتضي البحث في تناقضات العولمة, ومخاطرها على بلدان الجنوب, لأننا نحن العرب لسنا كبار اللاعبين في (ملاعب العولمة) . اما بالنسبة لخطاب العولمة على الصعيد الثقافي والايديولوجي, فهذه قضية في غاية الخطورة, ومتميزة تماماً عن العملة التاريخية الجارية, وهناك ترويج كبير للأيديولوجية, التي أطلق عليها:(خطاب العولمة) على الصعيد الثقافي, ان عناصر هذا الخطاب تحوي دعوة للتنميط, أو بالأحرى (محاولة استنساخ فكري) وكتابات فرانسيس فوكوياما حول (نهاية التاريخ) وانصاره واضحة وفجة تماماً في هذا المجال, حيث يدعو هذا (الخطاب) الى محو التمايز الثقافي والحضاري, ويرى ان محصلة العملية التاريخية الجارية للعولمة هو انتصار الحضارة الغربية التي سوف تفرض قيمها وأساليبها التنظيمية وأنماط الحياة الاجتماعية على شعوب العالم, وضمن هذا الاطار, يجري ترويج لمفهوم (القرية الكونية) , وكأن تلك (القرية الكونية) تتكون من شارع واحد كبير فسيح الجنبات يتسع للجميع, وكأن الكل يجري بسرعة واحدة, بينما الكل يعلم ان تلك (القرية الكونية) هي قرية متعددة الشوارع, بل ومتعددة الازقة والحارات, واليوم يتحدثون في الدوائر الغربية عن خطوط التقسيم الجديدة المسماة (خطوط تقسيم التكنولوجيا الرقمية) (The digital divide) اي هناك شمال وجنوب في نفس البلد الواحد, نتيجة خط التمايز بين الذين يمتلكون زمام ومقدرات (التكنولوجيا الرقمية) الحديثة والذين لا يمتلكون سبل التعامل والتواصل معها. ولذا فإن موضوع (القرية الكونية) هو محاولة ايضاً لطمس التناقضات الاجتماعية والثقافية الجديدة الناتجة عن التكنولوجيا الحديثة, وخاصة (الرقمية) , كذلك فإن (العولمة) كعملية تاريخية تنطوي على تناقض أساسي عادة ما يغفله البعض, اذ ان هناك تناقضاً بين نزعتين: النزعة الأولى: تؤدي الى المزيد من التعددية والتمايز, وان هناك نوعاً من الديمقراطية الجديدة من خلال الانترنت وإتساع دائرة المعلوماتية. والنزعة الثانية: نحو مزيد نحو التمركز والاحتكار, وخاصة في ظل موجة (الاندماجات الكبرى) (Megamergers) التي نشهدها في البلدان الغربية خلال السنوات الخمس الاخيرة. اذ انه منذ بداية التسعينيات نجد ان المصارف الكبرى والشركات الكبرى تندمج بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ التطور الرأسمالي, وكذلك الحال بالنسبة لشركات الاعلام الكبرى, وبالتالي فاننا نعيش في مرحلة تاريخية جديدة يتنازعها تياران متناقضان تماما: اذ ان المزيد من الدمج والتمركز الاحتكاري يؤدي لنفي التنافسية, وبالتالي نفي التعددية. لأنه اذا ما تمت السيطرة على مراكز الانتاج, ومراكز المال, ومراكز البث الاعلامي بواسطة الشركات الكبرى, فاننا سوف نشهد مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي والاجتماعي العالمي بقيادة رأس المال تؤدي الى السيطرة الاجتماعية Social Control ليس على وقت العمل فقط, بل على (وقت الفراغ ايضا, حيث انه اصبح من الممكن التحكم في وقت فراغ (جمهرة العاملين) من خلال وسائل الاعلام والتسلية الحديثة, وبالتالي فان الوقت المتاح للعمل السياسي والتغيير السياسي يتم تقليصه وتضييق مساحته الى اضيق الحدود. وهذا لا يعني انه يجب ان نقف كمتفرجين لا حول لنا ولا قوة, بل علينا ان نفهم ظاهرة (العولمة) بتناقضاتها الجدلية لعل ذلك يفتح لنا طريقا لفهم الضرورة والافلات من عمليات (التهميش) في ظل العولمة. ومن هنا توجد مخاطر حقيقية تشتمل عليها ثقافة العولمة, اذا وقفنا منها موقف المتفرجين حيث ان هناك تعميقا للفردية والتفكيكية للافراد يسميها البعض (الديمقراطية الفسفسيائية) على حد قول الفين توفلر, بلا روابط او (عقل جمعي) وينطبق نفس الشيء على فكرة (المواطن الكوني) . كذلك هناك نوع جديد من الثقافة مرتبط بعمليات العولمة تحدث عنه الاستاذ/ جميل مطر في مقال منشور بجريدة الحياة حول (ثقافة الهوس المالي) و(الربح السريع) من خلال معاملات البورصات فبعد ان كانت قاصرة في الماضي على المتعاملين من ابناء الطبقات العليا, اصبحت هناك العديد من عناصر الطبقات الوسطى والدنيا تدخل عالم المضاربات والبورصات, وتعتمد بشكل متزايد على (التريع) اي (الدخل الريعي) المنفصل عن الانتاج والجهد, وقد يكون هذا مقبولا في الغرب بعد ان بنى الغرب قواعده الانتاجية وقام بتطوير قواه الانتاجية. اما في مجتمع مثل مجتمعنا, مازالت بنياته الانتاجية الاجتماعية ضعيفة وغير متطورة, فان هذا يعتبر بمثابة (تعويق للتنمية) . ولعل هذا هو (الدرس الاسيوي) فبعد ان بنت بعض تلك البلدان قواعد انتاجية صلبة, تعجلوا الدخول فيما يسمى عمليات (العولمة المالية) فتم تقويض جزء هام من رصيد التراكم الانتاج الحقيقي من خلال الازمة المالية الاخيرة. اخيرا, كان الملفت للنظر في مؤتمر (منتدى دافوس) الشهير الذي يقام كل عام, حيث يتم طرح كل ما هو جديد على (اجندة العولمة) انه في احد الجلسات للمؤتمر الاخير المنعقد في فبراير ,1998 كاتن هناك جلسة مخصصة لموضوع Commodification: everything for sale كان الهدف منها التفكير في كيف نحول كل شيء (وكل قيمة) الى سلعة قابلة للاتجار دوليا فكل شيء معروض للبيع في ظل العولمة. اريد القول ختاما ان البلاد العربية ليست متأخرة في مضمار (العولمة) فحسب, بل اننا عندما ندخل في هذا الملعب فاننا نلعب خلف المرمى وليس امامه, اما الآخرون فانهم يلعبون في وسط الملعب, بل هناك من يهجمون الى الامام, وبصراحة شديدة هذا هو الوضع, فبلاد آسيا تلعب في وسط الملعب بالرغم من هذه الازمة التي سوف تبرد, ثم تحاور اللاعبين الكبار بعد ذلك, لأنها قامت بتدريب وتجهيز استمر لمدة ثلاثين عاما, كي يمكنها ان تناطح الكبار. ان اي انجاز تكنولوجي حديث سوف يتم شراؤه بأغلى الاثمان, وليس هناك فرصة للمناورة شرقا وغربا, حيث ان اي استثمار يضع شروطا وطنية حيث يفرض على المستثمر الاجنبي ان يصدر نسبة معينة, او يستخدم جزءا من المكون المحلي, يعتبر هذا ضد (حرية التجارة) وفقا لاتفاقية الجات, وهذا لا يهم الولايات المتحدة او العالم الاول في شيء وانما يهمنا نحن بشكل اساسي, اي لابد ان تكون عندي قدرة للسيطرة على قرارات الاستثمار وتوجهات عملية التراكم من اجل توجيه مسارات التنمية في ظل العولمة. ان قضية تحرير التجارة ترتبط بمرحلة النمو التي يمر بها كل بلد, فالولايات المتحدة قاومت تحرير التجارة في السلع الزراعية في اول حوار لمفاوضات منظمة الجات بينما هي التي فرضت تحرير التجارة في السلع الزراعية على اوروبا في التفاوض في دورة اوروجواي, لأن امريكا اصبحت قادرة على التحرير, فتوقيت التحرير قضية من اخطر ما يكون لذا نجد في الكتابات الفنية يتكلمون عن التحرير المالي, متى يكون توقيته؟ والتحرير التجاري, متى يكون توقيته؟ فلن يرقص العرب على أنغام الآخرين.. وفي التوقيت الذي يختارونه لنا.