تأتي الزيارة التي يقوم بها الرئيس السوري حافظ الاسد لفرنسا التي تبدأ اليوم وتستمر ثلاثة ايام انعكاسا صادقا للظروف الصعبة وللضغوط غير المعلنة والحصار الخفي الذي يتعرض له الاقتصاد السوري على مدى السنوات السبع الماضية وبالتحديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبدأ عمليات التسوية السلمية بين العرب واسرائيل والتي تمارس من خلالها عمليات ضغط مستمرة على دمشق بهدف اجبارها على التخلص عن سياساتها المتشددة ضد اسرائيل التي مازالت رغم كل شيء تتهم سوريا بعرقلة السلام وعدم التخلي عن الارهاب . وتأتي المساعي السورية بهدف تحرير الاقتصاد والسير به في اتجاهات تعتمد على مصادر اكثر حيادا من غيرها من المصادر الاخرى التي تملي شروطا وتفرض سياسات وبرامج تعد في حد ذاتها تدخلا مباشر في شؤون الدول الداخلية, ونقصد هنا بالتحديد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وهما المؤسستان اللتان مازالت سوريا ترفض التعامل معهما ويتهمهما المسؤولون السوريون بأنهما غير حسني النية ويعملان لحساب جهات ذات مصالح مضادة لسوريا. كما ترى دمشق ان الاستعانة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لن يصلح الاقتصاد السوري, ولن يقدم له الا المزيد من المشكلات والتعقيدات, وسوف يؤدي بمساعداته المشروطة الى خلل في البنية الاجتماعية التي تسير عليها طيلة سنوات طويلة مضت. من هذا المنطلق وهروبا من هذا الحصار وتفاديا لاية ضغوط وازمات في المستقبل تتجه دمشق الى اوروبا بحثا عن المعادل المناسب والمكافىء والغير مشروط. ويمر الاقتصاد السوري مثل كل اقتصاديات بعض الدول بمرحلة انتقال صعبة تستلزم بالضرورة انفتاحا على دول السوق الصناعية صاحبة الهيمنة على التكنولوجيا العالمية. وتواجه سوريا حاليا صعوبات اقتصادية مرتبطة برواسب الماضي القريب وايضا بازمة النفط الحالية, حيث تشكل مصادر الطاقة بالنسبة لها اكثر من 35% من عائداتها. وتضع سوريا املا كبيرا على الاتحاد الاوروبي للتعاون معها على رفع مستوى اقتصادها وخروجه من ازماته وهو الامر الذي بدأت بالفعل خطواته العملية في مايو الماضي مع بداية المفاوضات بين دمشق والاتحاد الاوروبي في بروكسل, والتي من المقرر ان تتواصل في اكتوبر المقبل في دمشق, وتبحث هذه المفاوضات في الاساس اقامة منطقة للتبادل الحر بين سوريا والاتحاد الاوروبي. وقد طلبت سوريا من الاتحاد الاوروبي امدادها بالوسائل التقنية الحديثة واللازمة لتنمية قطاع المصارف والبنوك وتطوير نظام المعلومات وايضا وضع خطط وبرامج مالية جديدة تستعين سوريا فيها بالخبرة الاجنبية خاصة من فرنسا. وفي الوقت الذي تلجأ فيه سوريا للاتحاد الاوروبي وترفض التعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, يحذر البعض ايضا من اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي حيث يرون انها اتفاقات تحقق الفائدة لجانب واحد منها هو الاتحاد, وتغرق اسواق الطرف الآخر بالسلع والمنتجات القادمة من دول الاتحاد الاوروبي بينما تفرض الشروط والقيود على دخول سلع الدولة لاسواق اوروبا, وحتى التكنولوجيا الاوروبية فان ما يمنح منها للدول الاخرى في الغالب استهلاكي وليس انتاجي بالدرجة التي تنافس قطاعات الانتاج في دول الاتحاد الاوروبي. ويبقى الخيار الصعب مابين شروط وقيود صندوق النقد والبنك الدوليين وبين اتفاقات الاذعان مع الاتحاد الاوروبي.