بلغ حجم الدين العام المصري طبقا لتقرير البنك المركزي 8.107 مليارات جنيه لعام 96/97 حيث يمثل 80% من الناتج المحلي الاجمالي يصل متوسط نصيب الفرد المصري من هذا الدين حوالي 2600 جنيه هذا العام بعد أن كان 250 جنيه في عام 81. ليصبح الدين المحلي بمثابة القنبلة التي قد تنفجر في أي وقت. الملاحظ أن هذه القضية حظيت باهتمام كبير.. خاصة عندما دار النقاش حولها في مجلس الشعب والشورى أثناء مناقشة الموازنة العامة للدولة والخطة الثانية من السنة الرابعة لهذا العام وتم الاعتراف بأن الدين الداخلي يمثل عبئا على الاقتصاد القومي على عكس ما ورد في البيان المالي لمشروع الموازنة للعام السابق الذي جاء فيه أن الدين العام الداخلي على عكس الدين العام الخارجي لا يشكل أي عبء حيث يقتصر أثره على تحويل جزء من الدخل القومي من يد المقرضين الى الدولة.. فضلا عن أن يقابله في معظمه أصول في الثروة القومية التي استخدم هذا الدين من تحويلها. والمقصود بالدين الداخلي هو الدين لدى الحكومة بما تعنيه من حكومة مركزية, ووحدات محلية, وهيئات اقتصادية وخدمية.. ويتكون من دين الحكومة ودين بنك الاستثمار القومي. تطورات الدين وفي محاولة لتتبع تطورات الدين الداخلي سنجد أنه في أوائل الثمانينات وتحديدا في عام 81 كان حجم الدين الداخلي لا يزيد عن 3.11 مليار جنيه نصيب الفرد فيه كان لا يزيد عن 250 جنيها ارتفع ليصل في عام 97 الى 2600 جنيه وبما يعني أنه يمثل حاليا 78% من متوسط دخل الفرد.. الحكومة والهيئات الخدمية نصيبها منه يصل الى 80% بينما نصيب بنك الاستثمار القومي حوالي 20%. يؤكد الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي كانت تقترب من 100% عام ,84 وعام 91 أما نسبته في عام 97 فشهدت ارتفاعا كبيرا ويرجع د. جودة السبب من رفع معدل الدين الداخلي الى تزايد نسبة أعبائه وفوائده التي وصلت الى 25% من الانفاق الجاري, مؤكدا انه مع نهاية 98 سترتفع الفائدة عما هي عليه. ويضيف د. جودة ان مخصصات خدمة الدين العام الداخلي والخارجي وفقا للموازنة العامة للدولة عام 96/97 قد بلغت 1.23 مليار جنيه وهي أكبر مما خصص في المشروع للأجور التي بلغت 8.22 مليار جنيه فقط مما يشكل عبئا كبيرا على الأجيال المقبلة بسبب ترحيل هذا الدين وبسبب تمويل العجز في الموازنة العامة خلال السنوات السابقة بالاقتراض. ويوضح أنه في إطار برنامج الاصلاح الاقتصادي تم ربط الجنيه المصري بالدولار الأمريكي عند سعر 4.3 جنيهات للدولار, وأن المعاملات المالية قد تحررت من ميزان المدفوعات.. فضلا عن أن الحكومة طرحت أذون الخزانة بمعدلات كبيرة نتج عنها ارتفاع من سعر الفائدة اقترب من 20% من اوائل التسعينات وكان سعر الفائدة في هذه الفترة يفوق معدل النمو الاقتصادي. ويوضح أن هذا الارتفاع أدى الى تدفقات كبيرة للأموال الساخنة (قصيرة الأجل أقل من سنة) من الخارج للايداع في البنوك المصرية ولكي يحافظ البنك المركزي على سعر صرف الجنيه مستقرا يدخل مشتريا للنقد الاجنبي. وبائعا للجنيه + فزادت السيولة لاكثر من 20 مليار دولار ولكي تمتص الحكومة هذه السيولة لجأت الى طرح أذون الخزانة بأكثر من حاجتها لسد عجز الموازنة مما أدى الى تراكم الدين الداخلي. الاعتمادات تتزايد يتفق مع هذه الرؤية الدكتور السيد عبد المولى الاستاذ بحقوق القاهرة ومستشار رئيس مجلس الشعب الذي يؤكد ان الاعتمادات المخصصة لخدمة الدين المحلي الداخلي في تزايد مستمر حتى أصبحت اكبر نسبة من الانفاق العام في الموازنة تفوق بذلك النفقات العامة المخصصة للأجور او تلك المخصصة للاستثمار او للتعليم او للدفاع القومي. ويرجع دكتور عبد المولى الارتفاع الكبير في الاعتمادات المخصصة لخدمة الدين المحلي الى اعتماد الموازنة العامة بصفة أساسية على أذون الخزانة لتمويل العجز بدلا من الاعتماد على الجهاز المصرفي في تمويل هذا العجز الذي يعتبر طريقة لتمويل تضخمية. وكذلك اعتمادها على فوائض صناديق التأمين الاجتماعي وحصيلة شهادات الاستثمار, ومدخرات صندوق توفير البريد والتي تودع لدى بنك الاستثمار القومي ليقدم منها القروض للوحدات الحكومية والهيئات العامة الاقتصادية لتمويل استثماراتها الواردة من الخطة الاقتصادية. ويرى د. عبد المولى إنه اذا لم يتم إدارة هذا الدين بطريقة فعالة وفي الحدود الآمنة فإن أعبائه على الموازنة العامة ستزداد في المستقبل بعد تزايدها المستمر خلال السنوات الخمس الماضية. عبء الخدمة الرؤية الرسمية أو الحكومية يلخصها د. محيي الدين الغريب وزير المالية حين يقول أن داء الدين العام المحلي يكمن في عبء خدمته الذي يتضمن فوائد وأقساطا تقتطع من الناتج المحلي ويعتبر الغريب أن خدمة الدين ليست عبئا على وزارة المالية التي تعتبرها الحكومة عمقا استراتيجيا تمويليا فحسب بل أيضا عبء مراقبة الحكومة يوما بيوم حيث يوقع وزير المالية يوميا كشف حساب يرصد أرقام حسابات الدولة من البنك المركزي والحصيلة اليومية لكل نوع من الضرائب. ويشير د. الغريب الى أن الدين العام المحلي بوضعه الحالي ترجع نسبة هامة من تراكمه الى قيام الحكومة بإنشاء بنية أساسية فرضت الاقتراض ويرى أنه اذا كان الدين المحلي موجودا فإن العائد الذي تحققه كنتيجة له هي بنية اتاحت فرصا استثمارية, ويحسب للحكومة أنها لم تلجأ للاقتراض من البنك المركزي منذ عام 91 بل لجأت للاقتراض من السوق, وأن أحد ثوابت الحكومة تخفيض عبء الدين بتوسعة الرقعة التي ينشط فيها القطاع الخاص. وبرغم محاولات الحكومة لخفض أعباء الدين المحلي عن طريق خفضه الاصدارات المتتالية لأذون الخزانة مع استمرار انفخاض العجز في الموازنة وحق استخدام حصيلة السندات في استثمارات معينة مثل بناء المصانع والوحدات الانتاجية, الا أن الخبراء الاقتصاديين يعتبرون ان تضخم المديونية يرجع جزءا كبيرا منه الى تزايد حجم النفقات الحكومية في ظل ثبات حجم الايرادات.. اضافة الى الآثار السلبية لعملية تحويل أذونات الخزانة القصيرة الأجل الى سندات طويلة الأجل, واعتماد الحكومة على الاستدانة من الداخل. إعادة هيكلة مخاطر ازدياد حجم الدين المحلي لا يختلف عليه المؤيدون لاقتصاد السوق أو الذين يرفضونه فهو يؤدي الى بطء معدل النمو, كما يساهم بشكل أو بآخر في التأثير على الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة, ويقترح الخبراء عددا من الحلول للخروج من هذا المأزق. يرى عبد الفتاح الجبالي رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ان الحل يكمن في اعادة هيكلة الدين العام ذاته ويشير في هذا السياق الى نجاح الحكومة المصرية في الحصول على موافقة البرلمان المصري بطرح سندات 200000 على ثلاث شرائح لمدد تتراوح بين خمسة وخمسة عشر عاما وبأسعار فائدة تصل الى 12% مع اعفائها من الضرائب والرسوم ويعتبر الجبالي إن هذه العملية خطوة على طريق اصلاح هيكل الدين العام. ويرى أيضا ان استخدام عائد بيع الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام يمكن استخدامه في سداد الدين العام المحلي بصفة أساسية بدلا من استخدامه في اعادة هيكلة الشركات. أما الدكتور السيد عبد المولى فيرى ان ترشيد حجم الدين المحلي يمكن عن طريق وضع سياسات مالية بديلة للسياسات الحالية ويوضح ذلك بأن جزءا كبيرا من الدين قد نجم على أثر قيام بنك الاستثمار القومي بتقديم قروض الى الجهات والمؤسسات الحكومية لتمويل استثماراتها وهو بدوره يقوم بالاقتراض من فوائض صناديق التأمين الاجتماعي وصندوق التوفير وشهادات الاستثمار وذلك بأسعار فائدة أقل من أسعار الفائدة الدائنة السائدة ويرى أنه من المناسب أن يعاد النظر في هذه السياسة وألا تجبر مؤسسات الادخار في تمويل فوائضها لبنك الاستثمار القومي وانما تعطي الحرية لتمويل فوائضها بالطريقة التي تعظم العوائد المنتظرة منها. ويضيف د. عبد المولى ان الحل الثاني يكمن في استبدال أذون الخزانة قصيرة الأجل بسندات على الخزانة طويلة الأجل ويرى أن هذه السياسة ستعمل على تنشيط سوق المال والمساعدة في الرقابة الكمية على الائتمان فضلا عن ايجاد مصادر تمويل طويل الأجل للوفاء بمقتضيات التنمية. بينما يرى د. مدحت حسنين أستاذ الاقتصاد والأعمال بالجامعة الامريكية أنه اذا امكن توفير السيولة لشركات قطاع الأعمال العام من سداد مديونية الحكومة فإن ربحية هذه الشركات سوف تزداد بقيمة الفوائد وخدمة الدين وهذا يعني أن هذه الشركات سوف تدفع ما عليها من ضرائب ورسوم للحكومة فيزداد دخل الحكومة مما يعني خفض في قمية الدين العام.. ويرى أن اعادة الهيكلة المالية لشركات قطاع الأعمال تعني أن يكون لوزارة المالية نصيب من هذه الحصيلة ويجب توجيه حصيلة البيع لسداد المديونية وتوجيه جزء من ربحية الشركات للوزارة في شكل توزيعات مما يعني مزيدا من الايرادات تساعد على خفض الدين العام.