لايملك المرء الا ان يلاحظ الارتفاع السريع في اسهم الشركات المساهمة العامة في دولة الامارات العربية المتحدة , فقد تضاعفت اسعار اسهم شركات ليس لها تاريخ ممتد, وذلك في غضون فترة قصيرة. وحققت اسعار اسهم شركات بعينها بين عشية وضحاها طفرات مفاجئة من دون تغير يذكر في اصول هذه الشركات, ومؤشر سوق الاسهم بكامله يتحرك بصورة اساسية في اتجاه واحد, هو الارتفاع. فما الذي يجعل هذه الاسهم تتحرك على هذا النحو؟ وماهو الامر وراء مثل هذه الحركة المحتدمة التي تشغل اذهان الكثيرين حتى اقل الناس اهتماما بحركة السوق؟ هذا ماسنحاول تداوله في هذا المقال. حيث سنحاول الرد على الاسئلة التي طرحناها لتونا, ولسوف نلقي نظرة على بعض القوى الاقتصادية وانشطة المضاربة التي ترفع اسعار الاسهم في الامارات. لابد في البداية من طرح بعض المعايير الاقتصادية السائدة في سوق الاسهم الاماراتية, فنحن نرى ان العدد الاجمالي للشركات المساهمة العاملة في البلاد يعد صغيرا نسبيا مقارنة بالثروة المتوافرة وفي حقيقة الامر فان اجمالي رأس المال المستثمر في هذه الشركات المساهمة يعد ضئيلا نسبيا, مقارنة باجمالي الثروة المتاحة للافراد والمؤسسات, وفضلا عن ذلك فان عائد مبيعات النفط الخام والعوائد المتوافرة من الاستثمارات في الخارج يفوق الفرص الاستثمارية التي يجري توفيرها في البلاد كل عام. وعلى جانب العرض, وبخلاف العدد المحدود من الاسهم الذي يجري تداوله في السوق, فان المستثمرين ليس امامهم مجال كبير للتداول في ادوات مالية اخرى, ويتمثل مايجري في سوق الاوراق المالية في ان قدرا كبيرا نسبيا من الارصدة الاستثمارية يطارد عددا محدودا نسبيا من الاسهم, اي ان كمية الاسهم المطلوبة نتجاوز الكمية المعروضة بهامش كبير. وبالرغم من ان الزيادات في اسعار الاسهم تبدو مطروحة للعيان بجلاء, الا ان بعض الاسهم لايلقى من الطلب مايلقاه البعض على نحو يتجاوز في سرعته اسعار البعض الآخر. ولكن ما السر في ان الطلب على اسهم شركات معينة يفوق نظيره على اسهم غيرها؟ الواقع ان هناك اسبابا عديدة تكمن وراء هذا, وفيما يلي نورد قائمة بالعوامل التي تؤثر على الطلب وبالتالي على اسعار الاسهم. 1- يشكل كون الشركة تتخذ من دبي او ابوظبي مقرا رئيسيا لها فارقا بالنسبة للمستثمر. 2- تميل الشركات التي تشارك الحكومة المحلية او الاتحادية كعضو مؤسس فيها الى ان تكون وضعيتها افضل من تلك التي لاتشهد مثل هذه المشاركة. 3- عندما تشارك شخصيات بارزة في رأسمال احدى الشركات فان الطلب النسبي على اسهم تلك الشركة يزيد. 4- يساعد وجود نخبة مختارة من رجال الاعمال ذوي الاتصالات الواسعة في مجلس الادارة الخاص بشركة ما في رفع سعر اسهم هذه الشركة. 5- تؤدي التوقعات بان الحكومة سوف تقدم الوانا من الدعم لشركة مساهمة عامة في شكل اراض ممنوحة لها او ترسية مشروعات عليها . . الخ او التقديم الفعلي لهذا الدعم الى زيادة الطلب على اسهم هذه الشركة. 6- يجتذب المستثمرون الى الشركات التي يخول لها او التي تمارس سلطة احتكارية او التي تتم حماية وضعيتها الاحتكارية سواء اكان ذلك بشكل مكتوب او لم يكن. 7- تلقى الشركات ذات الادارة الجيدة والاصول القوية تفضيلا على الدوام. 8- كلما زادت الفوائد المتوقعة على السهم زاد الطلب عليه. 9- كلما زادت رغبة المستثمرين في تحقيق السيطرة على شركة ما عظمت الزيادة في اسعار اسهمها. 10- لاتتذبذب اسعار اسهم الشركات التي لايمتلكها الا قلة من المستثمرين المحافظين المعروفين بعدم تحريكهم للاسهم خارج محافظهم بقدر تذبذب اسهم الشركات التي يمتلكها الكثير من المستثمرين ويتداولونها طوال الوقت. 11- تؤدي الشائعات التي تدور حول ان احد العارفين بمجريات الامور يقوم بشراء اسهم شركة معينة الى رفع اسعار اسهم هذه الشركة. ولا يقتصر الامر بحال على هذه العوامل وحدها, ولكنها تتيح للمستثمرين والمضاربين واطار عمل للتحرك في السوق, ومع ذلك فانها تخفق في ايضاح السر في ان السوق باسرها تتحرك في بعض الاحيان بصورة مفاجئة. وفي البلاد التي تطورت سوق رأس المال بها بصورة كافية عادة ما تحدث قفزة مفاجئة في السوق عندما لاتتوافق توقعات الناس بالنسبة للاداء الاقتصادي مع الاداء الفعلي, وعلى سبيل المثال اذا كانت السوق تتوقع نسبة تضخم بحدود 6% عن الربع المنصرم من العام, ولكن نسبة التضخم على نحو ماتم قياسها ونشرها رسميا كانت بحدود 4% فان اسعار الاسهم والسندات ستتحرك باتجاه الزيادة, وسوف يحدث هذا لان المستثمرين سوف يتوقعون ان تتبنى السلطات سياسة نقدية توسعية وبتعبير آخر فانهم سيتوقعون زيادة في عرض النقود, الامر الذي قد يقتضي خفض معدل الفائدة السائد, وهو ما سيعني اطلاق ارصدة بصورة نسبية لتطارد اوعية الاسهم المتاحة. غير انه في دولة الامارات لاتستند اسباب التحركات المفاجئة في سوق الاسهم الى هذا النوع من التباين بين توقعات السوق والاداء الاقتصادي الفعلي, فالسوق هنا تميل الى ان تكون اقل اطلاعا على مجريات الاداء الاقتصادي . والسبب في ذلك هو ان الاحصاءات الاقتصادية لايعلن عنها بشكل دوري, بحيث يتاح للمستثمرين اتخاذ القرارات الاستثمارية المناسبة, وعلى الرغم من ذلك فانه في الامارات, كما في اي دولة اخرى, تتعلق الطفرات في سوق الاسهم بالزيادات في اجمالي السيولة المتاحة. وقد تحدث الزيادات في السيولة باي من الطرق التي سنوردها هنا, فاذا قام الافراد او المؤسسات في الامارات بتسجيل استثماراتهم وتحويل متحصلات عملية التسييل الى الامارات, فان السيولة سوف تزداد, واي نشاط لغسيل الاموال يمر من خلال آلية موجودة بالامارات من شأنه كذلك ان يسفر عن زيادة السيولة المحلية, وفضلا عن ذلك فان انخفاض مقدار التحويلات التي يقوم بها الوافدون العاملون بالدولة او هرب الارصدة من الدول الاخرى الى الامارات او الاستثمار الاجنبي المباشر فيها سيساعد على زيادة السيولة المحلية. غير ان مصادر السيولة هذه قابلة للتطبيق في حالة الدول كافة, وهي غالبا مما لاسبيل الى السيطرة عليه, وعادة ماتقوم المصارف المركزية بامتصاص الاثار غير المواتية الناجمة عن مثل هذه الزيادات الكبيرة في السيوله, وذلك باللجوء الى استخدام ادوات السياسة النقدية المناسبة. غير انه فيما يتعلق بالامارات ليس من الواضح ما اذا كان مصرف الامارات المركزي يطبق مثل ادوات السياسة النقدية هذه للسيطرة على الاثار غير المواتية للزيادة في السيولة اطار النظام المصرفي لكن هذا لا يعني ان الزيادة في السيولة لايتم امتصاصها من النظام عن طريق المصارف التجارية الى مدى محدود, والطريقة التي تقوم المصارف التجارية من خلالها بانجاز هذا هي تحويل ودائعها بالدراهم الى دولارات امريكية او عملات اخرى. وعلى الرغم من ذلك فان معظم عمليات التحويل التي تقوم بها البنوك التجارية هذه ترتبط بالودائع لاجل باكثر مما ترتبط بالودائع تحت الطلب, وهذا هو السر في ان المصارف التجارية لايمكنها التخفيف من الآثار غير المواتية للطفرات المفاجئة من السيولة الا الى مدى محدود. وفي وجود سوق صغيرة للاسهم ذات فرص محدودة للاستثمارات قصيرة الامد, فان زيادة صغيرة في السيولة المحلية يمكنها ان ترفع اسعار الاسهم بسرعة كبيرة نسبيا ولنأخذ على سبيل المثال الارتفاع الذي حدث مؤخرا في اسعار الاسهم المحلية فما الذي سبب هذا الارتفاع؟ ان اسعار النفط في تراجع, والحكومة لم تنشر اي بيانات اقتصادية ذات اهمية تذكر وقد فرضت حكومة ابوظبي قيودا على انشاء المباني الجديدة بسبب وفرة المعروض منها, ولم يتم الاعلان عن اي مشروعات جديدة كبرى, ومع ذلك فقد ارتفعت اسعار الاسهم ليس بشكل محدود وانما بمقدار كبير فما السر في ذلك؟ من المحقق انها قد ارتفعت بسبب زيادة في السيولة ولكن من اين جاءت النقود؟ هل يمكن ان يكون مصرف الامارات المركزي قد قام بطبعها في صورة اوراق مالية؟ الاجابة هي بالسلب على اغلب الظن هل يمكن ان تكون قد جاءت من مصادر خارجية؟ الرد هنا هو انه ربما حديث ذلك. ولكن اذا كانت النقود قد جاءت من مصدر خارجي فان السؤال الذي طرح عقب ذلك هو : من اين؟ في الفترة السابقة مباشرة على ارتفاع اسعار اسهم الامارات , قامت باكستان بتجميد كل حسابات العملات الصعبة, وتم تحديد سعر تحويل ثابت للسماح لاصحاب هذه الحسابات بتمويل ممتلكاتهم من العملات الصعبة الى روبيات. وافضى هذا التصرف الى فقدان الثقة في الحكومة الباكستانية. وخشي المودعون من ان الروبية سيتدهور سعرها بصورة اكبر في السوق السوداء. واذا تحقق هذا فان سعر التحويل الثابت الذي تعرضه الحكومة الباكتسانية لن يكون مصدر جاذبية في المدى البعيد, ومن هنا فقد قام هؤلاء المودعون بتحويل مالديهم من العملات الصعبة الى الروبية بالسعر الثابت لكي يعيدوا تحويلها بشكل فوري الى عملات اجنبية بسعر السوق السوداء ومن ثم فان العملات الصعبة التي تم الحصول عليها بهذه الطريقة حولت الى بلاد اخرى باستخدام قنوات غير مشروعة . وعلى الرغم من ان المودعين قد تكبدوا خسائر فادحة في عمليات التحويل هذه, الا انه من وجهة نظرهم فان وجود حساباتهم بالعملة الصعبة في بلاد اكثر استقرارا كان امرا اقل تعرضا للمخاطر من الاحتفاظ بارصدتهم في باكستان مع وجود خيار وحيد هو تحويلها الى الروبية بالسعر الثابت. ومن المعروف ان الامارات تربطها صلات وثيقة بباكستان, ويقيم عدد كبير من الوافدين ورجال الاعمال الباكستانيين مع عائلاتهم بالامارات والمسافة القصيرة التي تفصلها عن بلادهم فانه لم يكن من المدهش ان نرى ان قدرا كبيرا من هذه الارصدة الهاربة يشق طريقه الى الامارات. واذا كان الامر كذلك فلن يكون امرا مفاجئا ان جانبا يعتد به من هذه الارصدة قد شق طريقه الى سوق الاسهم بالامارات كذلك. ولكن قد يبادر احدهم الى الاعتراض قائلا ان المواطنين في دولة الامارات هم وحدهم من حقهم التعامل في هذه السوق. اليس الامر كذلك؟ وفي معرض الرد على ذلك نقول بلى, ولكن الا يقوم بعض البنوك بتشغيل الارصدة المحلية المستثمرة في الاسهم والتي لاتقتصر ملكيتها على مواطني الامارات وحدهم؟ بالطبع سيكون الرد بالايجاب , وحيث ان المواطنين والوافدين معا يحق لهم الاكتتاب في محافظ هذه البنوك فان هذه المحافظ تشكل قناة جانبية لاستثمار الارصدة الاجنبية في اسهم الامارات, وبالاضافة الى هذه الارصدة فان هناك من المواطنين من يقوم بالاستثمار باسم الوافدين في سوق الاسهم مقابل عمولة زهيدة. هل يمكن ان تفسر هذه الارصدة الهاربة من باكستان الارتفاع الاخير في اسعار اسهم الامارات؟ ان الرد هو بالايجاب الى حد ما لان هناك تفسيرات اخرى كذلك. فقد ادت تجارب تفجير القنابل النووية في شبه القارة الهندية الى اثارة مناخ من عدم الاستقرار في البلاد التي تأثرت بهذا التطور, وقد استنكرت الدول الغربية هذه التجارب واعلنت ايقاف دعمها المالي للبلدين المعنيين, وفي بعض الحالات تم ايضا فرض عقوبات فردية على الهند وباكستان, وهذا كله يعني ان اقتصاد شبه القارة الهندية يتعرض للتقلص والمعاناة. ومن المؤكد ان رسالة على مثل هذا القدر من القوة من شأنها ان تؤثر في السلوك الاقتصادي للوافدين من شبه القارة والذين يعملون في دول الخليج. ومن الممكن ان نفترض ان بعضا من هؤلاء الوافدين سيقلص التحويلات التي يبعث بها عادة الى بلاده, وسيبرر قيامهم بذلك امران, اولهما يقوم على اساس توقعاتهم ان عملة بلادهم ستتدهور في المستقبل وبالتالي فان من العقلاني الاحتفاظ بمدخرات اكبر في البلد الذي يقيمون به بدلا من تحويلها الى الوطن, والثاني يقوم على اساس التوقعات بان الركود في الوطن هو امر محتم, وهو ما يعني فرصا استثمارية جيدة اقل هناك . ومن شأن انخفاض تحويلات الوافدين العاملين في الامارات ان يعني زيادة في السيولة المحلية. ومن المحتمل مجددا ان جانبا من هذه الزيادة في السيولة يشق طريقه ايضا الى سوق الاسهم الاماراتية. وفي ضوء حقيقة ان هذه السوق صغيرة نسبيا, فان زيادات السيولة من المصادر التي اشرنا اليها يمكن ان تؤدي الى رفع السوق بصورة ملحوظة مع سعي اوعية استثمارية اكبر وراء محافظ استثمارية صغيرة نسبيا, والزيادة في اسعار الاسهم ستجتذب بدورها المزيد من المضاربين للحاق بعربة السوق الامر الذي سيزيد من ارتفاع اسعار الاسهم. واذا افترضنا صحة السيناريو السابق فان السؤال الذي يبرز هو: الى اي حد تتسم سوق الاسهم في الامارات بالاستقرار؟ ان الرد هو انها ليست مستقرة للغاية, والسبب في ذلك هو ان الارصدة التي تتدفق على هذا النحو ليس مقدرا لها ان تبقى في السوق, وانما هي ظواهر مؤقتة , فمن شأن تحسن الوضع الاقتصادي في بلاد الوافدين او عودة الثقة بحكوماتها او رحيل الوافدين ان يؤدي الى تدفق الارصدة الى الخارج بالسهولة نفسها التي تدفقت بها الى الامارات, ومن هنا فان المستثمرين ينبغي على الدوام ان يكونوا على تمام اليقظة فيما يتعلق بتعرضهم للمخاطر في سوق الاسهم عندما تبرز هذه الظواهر.