ليس غريبا ان يحتفل العالم خلال اعوام قليلة بالذكرى الخمسين لاكثر من مناسبة مثل تأسيس الامم المتحدة ونكبة فلسطين, وتأسيس الجامعة العربية, ومشروع مارشال الاقتصادي, وغير ذلك من احداث كثيرة وقعت في اعقاب الحرب العالمية الثانية التي غيرت مجرى التاريخ, وها نحن في هذه الايام نعيش الذكرى الخمسين لتأسيس الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية (جات) والتي اصبحت فيما بعد منظمة التجارة العالمية عام 1995. اقتصادي وعقوبات اقتصادية فرضتها عليها الولايات المتحدة الامريكية طيلة اربعين عاما مضت, وايا كان الجرم الذي ارتكبته باعتناقها الشيوعية طيلة كل هذه الاعوام, الا ان هذا لايعطي العذر لاحد في فرض عقوبات على شعوب بسبب اخطاء الانظمة الحاكمة , فالحكام لايعانون ولا يجوعون ولكن كل المعاناة تقع على الشعوب. وفي الاحتفال بالذكرى الخمسين للجات يقف الرئيس الامريكي كلينتون يدعو لمزيد من الدفع الاقتصادي الكبير نحو فتح الاسواق , وهو نفس النداء الذي وجهه منذ ايام رئيس منظمة الجات (ريناتو روجيرو) وقادة مجموعة الدول الثماني الكبار في اجتماعهم في برمنجهام, وقال كلينتون ان عصر التكنولوجيا الحديثة لا يحتمل المفاوضات الطويلة والانتظار اعوام من اجل التوصل لاتفاقيات تجارية, وان هذا يتناقض الآن مع سرعة الاندفاع الذي تتحرك بها سياسة السوق الحرة. ولكن لماذا هم في الدول الصناعية الكبرى حريصون هكذا على السرعة في تنفيذ الاتفاقية هل حقا هم حريصون على النمو الاقتصادي ووحدة السوق العالمية ليستفيد منها الجميع في اطار رفع الحواجز الجمركية وازالة العوائق من امام التجارة العالمية. الواقع يقول غير ذلك, ان كل ماقدمته الجات طيلة الخمسين عاما الماضية والذي تضمن ملفات ضخمة من المفاوضات والمباحثات والتقارير يصل الى عشرات الالاف من الاوراق, كله لايفيد ولايخدم الا مصلحة فئة واحدة وهي فئة المنتجين, وبعد خمسين عاما من تأسيس الجات تحدد تماما من هم المنتجون ومن هم المستهلكون , وما الدول النامية الا اسواق حاول اصحابها حمايتها عن طريق الحواجز والرسوم الجمركية والتي تشكل مصدر دخل كبيرا للعديد من هذه الدول الفقيرة, وتأتي الجات لترفع هذه الحواجز وتفتح هذه الاسواق على مصراعيها للمنتجين الذين هم في الاساس مجموعة الدول الصناعية الكبرى التي تسارع بطلب تنفيذ اتفاقية الجات بعد ان زاد الانتاج وملأ مخازن هذه الدول واصبح يبحث عن مزيد من الاسواق. وماحدث في جنوب شرق آسيا ماهو الا ضربة قوية لدول اصبح اقتصادها وانتاجها يهددان الدول الصناعية الكبرى ويسرقان منها الاسواق, ولهذا جاءت الضربة في موعدها قبل تنفيذ بنود اتفاقية الجات وتحرير التجارة العالمية التي كانت ستستفيد منها النمور الاسيوية كثيرا. ولا يبقى للدول النامية في الذكرى الخمسين للجات سوى الامل في دخول ثرواتهم الطبيعية وموادهم الخام الى اسواق الدول الصناعية الكبرى بلا قيود, اما ان يحلم الفقراء بدخول انتاجهم من السلع والمنتجات الصناعية الى اسواق الدول الكبرى بلا قيود او شروط وفق بنود الجات, فهذا مالا يستطيع ان يعدهم به احد, والامل فيه ضعيف, ولدى الدول الكبرى من الاسباب والحجج الكثير الذي يحول دون تحقيق ذلك حتى لو اعتبره البعض تحايلا على الجات. ومثال على ذلك ما اعلنته الدول الغربية مؤخرا من انها لن تسمح بدخول بضائع لاسواقها من دول تخالف قوانين العمل الدولية او تخالف قوانين حقوق الانسان, ولا نندهش في المستقبل اذا سمعناهم يرفضون منتجات الدول الاسلامية لانها تحرم اكل لحم الخنزير.