في ندوة الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي: الامتلاك السريع لتقنيات التصنيع ضرورة حتمية لتجنب الارتهان للمصنعين، دول التعاون تمتلك سبل اختراق الحاجز التكنولوجي الذي يفصلها عن الدول الصناعية

أكد خبير خليجي ان الدول العربية ستواجه في القرن المقبل تحديات عظيمة في مجالات شتى وخاصة في المجال الصناعي مشيرا الى ان الامتلاك الحاسم والسريع لتقنيات صنع المعدات يعد ضرورة حتمية لتجنب الارتهان للدول الصناعية وتحول الدول العربية من دول مستوردة ومستهلكة للمعدات والسلع الى دول منتجة لها مما يعزز موقفها ويحافظ على مكتسباتها في القرن المقبل. وقال الدكتور بهاء بن حسن عزي رئيس مركز الدراسات الاقتصادية والصناعية في جدة بالسعودية في ندوة اقيمت في رواق عوشة بنت حسين بدبي يوم امس الاول عنوانها (الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي... وكيف يمكن للخليجيين ايجادها) ان دول الخليج حققت العديد من الخطوات الممتازة على طريق التصنيع في مجالات معينة ولكن الشيء الاهم هو استحواذه على تقنيات التصنيع من اجل مستقبل افضل ومقدرة على التنافس في القرن الحادي والعشرين. وأشار الدكتور عزي الى ان الدول الخليجية تمتلك مقومات انطلاقة صناعية متطورة كما تمتلك الحل الذي يكفل لها الاستحواذ على تقنيات التصنيع للمعدات ومنها نظام سياسي مستقر وأمن مستتب والاستطاعة المالية والشعور بالمسؤولية تجاه التحديات التي تواجه الامة العربية والمخاطر التي تحيط بها. وحول تشخيص الحلقة الخليجية المفقودة في المجال الصناعي وأسبابها وكيفية تداركها قال الدكتور عزي في محاضرته: (يمكن القول بأن التصنيع, في دولة ما, قد اصبح تصنيعا فعلا وذاتي التطور (Internalised) عندما تكون هناك قدرة يمتلكها ابناء تلك الدولة ويستطيع اي منا ان يراها بوضوح وينبهر بها... تلك القدرة التي تمكنهم من ادارة وتشغيل واختراع وصنع وانتاج وتطوير منجزات الصناعة المتكاملة ومنتجاتها المختلفة سواء ما كان منها للاستهلاك او من معدات الانتاج لمختلف المنتجات كالسيارات وسفن التجارة وبوارج الحرب ومعدات الابحاث العلمية والمعدات المفرزة للرخاء والمعدات التي تستخدم في حماية هذا الرخاء... وكذلك القدرة على اجراء البحث العلمي العميق في شتى المجالات... وهي ايضا القدرة على تطبيق واستغلال واستثمار نتائج هذه الابحاث وما تتفجر به عقول العلماء والباحثين من مخترعات ومكتشفات بتحويلها من انجاز نظري الى انجاز ينتجونه بأنفسهم وأيديهم وملكاتهم سواء للاستخدام أو للاستثمار) . فإذا استخدمنا هذا المعيار لقياس القدرة التصنيعية في اي بلد صناعي متقدم فإننا نجد ان ابناء ذلك البلد الصناعي اما انهم ينجزون بالفعل كل ما اشتمل عليه المعيار, او انهم يمتلكون القدرة على ان يقوموا بانجازه لو ارادوا... وان الذين لم يقوموا بانجازه بشكل كامل فإنما تمنعهم من ذلك عوامل اقتصادية أو عوامل سياسية. دول الخليج والمعيار اما نحن في دولة الخليج فحديثو عهد بالتصنيع طبعا. ولقد قطعنا شوطا كبيرا في انجاز العديد من مشاريع البنية الاساسية وقطعنا شوطا جيدا في اتجاهين صناعيين تنمويين من ثلاثة اتجاهات صناعية وتنموية. أولا: اتجاه يتعلق بإقامة المشاريع التي ترتكز على استغلال ما نمتلكه من ثروات طبيعية. وقد قطعت دول الخليج في هذا الاتجاه شوطا كبيرا يتمثل في بعض المشاريع البترولية والمعدنية... كما انه اتجاه يجري العمل على تطويره باستمرار. ومع انه اتجاه ضروري... بل لابد منه لدول كدول مجلس التعاون الخليجي, لكنه لا يؤدي الى امتلاك الخليجيين لتقنية صنع المعدات بشكل سريع وحاسم... كما يثبته الواقع المشاهد. ثانيا: اتجاه ثان يتعلق باقامة المشاريع التي لها ضرورة قومية واقتصادية أو امنية والتي لا يستطيع البلد ان يستغني عن منتجاتها في حالة الازمات العالمية. وقد قطعنا فيه شوطا كبيرا ايضا يتمثل في المشاريع الزراعية والغذائية وبعض الادوية وما في حكم ذلك. وهو ايضا اتجاه ضروري ولكنه لا يؤدي الى امتلاك الخليجيين لتقنية صنع المعدات بشكل سريع وحاسم... كما يثبته الواقع المشاهد. ثالثا: اتجاه ثالث, وهو هنا نقطة التركيز... فهذا الاتجاه الصناعي لا يقام لضرورته فحسب, وانما يقوم ليكون, في نفس الوقت, رأس الحربة التي تستخدم في عملية اختراق الحاجز التكنولوجي الذي يفصلنا عن غيرنا من الامم الصناعية, وذلك بسبب امكانية قيامه بإيجاد وتدريب المهندسين والخبراء الخليجيين التقنيين, الذين بإيجادهم سنتمكن من انتاج ما يلزمنا من المنجزات والمعدات الصناعية التي اشتمل عليه المعيار الذي سبق لنا ذكره. الحلقة المفقودة وحول الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي قال الدكتور عزي: ان لها ثلاثة جوانب: أولا: ان التصنيع المتطور هو في الاساس, نظرية علمية, وتطبيق علمي وعملي للنظرية. والنظرية مكانها ــ في العادة ـ الجامعات ومراكز البحث العلمي. والتطبيق مكانه ــ في العادة ــ المصانع المختلفة كاملة النمو التقني التي يستطيع ان يقوم المواطنون, بشكل عام بكامل انشطتها من ادارة وتشغيل وصيانة وصنع قطع الغيار وصنع المعدات والاختراع فيها والابتكار. وعلى هذا الاساس فقيام التصنيع الذاتي الفعال المتطور في بلد ما يقتضي بالضرورة قيام قاعدتين اساسيتين متضافرتين متفاعلتين هما: القاعدة الأولى: الجامعات ومراكز البحث العلمي وما الى ذلك مما يمكن ان نسميه بوسائل نقل المعرفة التقليدية. والقاعدة الثانية: المصانع متكاملة النمو التقني التي يمكن ان تطبق فيها المنجزات النظرية لوسائل العلم التقليدية وتستثمر والتي يقوم المواطنون بكل انشطتها من ادارة وتشغيل وصيانة وصنع قطع الغيار وصنع كامل المعدات والمحركات والأجهزة والاختراع فيها والابتكار والتطوير. ولابد من جود كل من هاتين القاعدتين الاساسيتين المتضافرتين المتفاعلتين في اي بلد ليكون لدى ذلك البلد تصنيع فعال ذاتي التطور ينطبق عليه المعيار الذي اوردناه. ثانيا: ان مشكلتنا في البلدان العربية عموما, هي انه بينما يتوفر لدى اكثرنا جانب مهم من مكونات القاعدة الاولى, كصروح العلم وبعض مراكز البحث العلمي فجميعنا يفتقر بشدة الى اهم الاجزاء التي تتكون منها القاعدة الثانية ذات الاثر الفعال القادرة على تحويل الانجاز العلمي النظري للقاعدة الاولى الى تقنية والى انجاز صناعي. وذلك على الرغم من وجود الكثير من المشاريع الصناعية سواء في دول الخليج العربي او في الكثير من البلدان العربية وخاصة الغنية منها. والسبب في هذا التباين هو خصائص المشاريع التي تختلف عن بعضها, خصائص مشاريعنا الصناعية تختلف عن خصائص المشاريع في الدول الصناعية المتقدمة. ثالثا: وبما ان خصائص مشاريعنا الخليجية لا تختلف عن خصائص المشاريع الصناعية في بقية الدول العربية فإن افتقارها للخصائص الهامة التي تتميز بها المشاريع الصناعية في البلدان الصناعية سيؤدي ــ كما ادى في البلدان العربية الاخرى ــ الى قيام حاجز معيق يقف في وجه نمو قدرات العلماء النظريين الخليجيين الذين تفرزهم القاعدة الاولى المتوفرة لدينا والتي بلغت مدى كبيرا من التقدم. المناخ الصحي ان هذه المشاريع المتوفرة لدينا على الرغم من فوائدها الاقتصادية التنموية العظيمة التي حققتها وستحققها, لا تستطيع ان توفر المناخ التقني الناضج المتكامل الصحيح الذي يمكن طاقات هؤلاء العلماء كي تنمو فيه وتستمر وتتحول من قدرات نظرية الى قدرات تقنية قادرة على الصنع والاختراع والابتكار في المعدات والاجهزة الصناعية. في الوقت الذي توفر هذا المناخ بكل الكفاءة والكفاية القاعدة الثانية في الدول الصناعية لعلمائها ومهندسيها وفنييها سواء الذين تفرزهم القاعدة الاولى أو تفرزهم هي. توصيات وخلص الدكتور عزي في ختام محاضرته الى العديد من التوصيات التي تشكل المخرج للخروج من الحلقة المفزعة أو حلقة الخواء التكنولوجي ملخصا اياها بالتالي: - انه لا يسعنا في الدول الخليجية الا ان نعمل على امتلاك التقنية امتلاكا حاسما وسريعا وبناء اذا اردنا ان نبني التصنيع الخليجي الذاتي الفعال المتطور الذي ينطبق عليه المعيار الذي أوردناه وأقصد بالتقنية, القدرة على تحويل المنجز النظري الى منجز مصنوع. - ان التصنيع الذاتي المتطور الفعال في الدول الصناعية المتقدمة يقوم على قاعدتين اساسيتين, القاعدة الأولى هي الجامعات ومراكز البحث العلمي وما الى ذلك مما يمكن تسميته بوسائل نقل المعرفة التقليدية, والقاعدة الثانية هي المصانع كاملة النمو التقني التي يقوم بكل انشطتها المواطنون والتي تطبق فيها المنجزات النظرية لوسائل نقل المعرفة التقليدية وتحول الى منجزات مصنوعة... لأنها توفر المناخ التقني الكامل الناضج والصحيح. - انه تتوافر في الدول الخليجية اهم مكونات ومقومات القاعدة الاولى وبشكل جيد ومتميز في كثير من الاوجه ولا تتوفر القاعدة الثانية. وهناك حلقة مفقودة في هيكل التصنيع الخليجي لابد من توفيرها لتكتمل حلقات هذه القاعدة الثانية ويصبح في امكانها توفير المناخ التقني وبالتالي زيادة السرعة في معدل التطوير التقني ونموه. - ان الاقتصار على استعمال الاساليب التقليدية, وحدها, التي نتبناها في الدول الخليجية ــ كما هو الحال في الوقت الراهن ــ لا يكفي لامتلاك التقنية امتلاكا حاسما وسريعا ولا لإقامة التصنيع الذاتي المتطور الفعال وبالتالي فلا يمكن اللحاق في هذا المجال بالدول الصناعية المتقدمة تقنيا والفجوة التقنية ستزداد اتساعا مع مرور الوقت. - اذا اردنا امتلاك التقنية وإقامة التصنيع الخليجي الذاتي والمتطور الفعال فلابد من اللجوء الى اسلوب غير تقليدي لامتلاك تقنية الصنع بشكل حاسم وسريع وبناء. ويتمثل هذا الاسلوب غير التقليدي في التركيز على صناعة رائدة (أو أكبر ان امكن) شريطة ان تسمح هذه الصناعة بجمع وسيلة نقل العلم ووسيلة التطبيق وإقامة المناخ التقني الذي يتمكن فيه النظريون من تطوير وتحويل قدراتهم النظرية على الفور الى قدرات تقنية, وبشكل اكثر سهولة من غيرها. - في حالة الدولة الخليجية فإن صناعة النقل البحري الشاملة هي اقدر صناعة الى القيام بهذا الدور, ويمكن شرح الكيفية التي تقوم بها صناعة النقل البحري الشاملة لتحقيق هذا الدور. - انه على الرغم من ضخامة تكاليف اقامتها فإنها تتميز من وسائل نقل المعرفة التقليدية في انها تستطيع ان تغطي جل هذه التكاليف وقد تستطيع ان تزيد عليها حسب اوضاع السوق. كتب ـ غسان أمهز

تعليقات

تعليقات