اتجاهات مالية: عهد ووعد شرقي : بقلم- اوزموند بلامر

ما الذي تخبئة الايام لجنوب شرقي آسيا؟ ذاك سؤال طالما سمعناه في حلنا وترحالنا وطغى على نقاشنا مع عملائنا ولقاءاتنا واتصالاتنا في منطقة الخليج, ولا يخلو ردي على مثل تلك الاستفسارات من البساطة, فمصير آسيا رهن بأمر أو امرين رئيسيين لهما الاهمية القصوى, فالأزمة تجاوزت بعدها الاقتصادي وانقشع عنها الضباب المالي لتتضح معالمها السياسية البحتة, فحين نطلق ايدي الطغاة يستبدون بالسلطة ويستميتون في الاستحواذ الكامل عليها على مر الدهور وكسر العصور, كما كان الشأن مع بعض زعماء جنوب شرقي آسيا, فسرعان ما يعشش فيهم الاحساس بالكمال وبأنهم قوم لا يقهرون ولا تسند عنهم هفوة, وها هو مهاتير محمد يعاود الحديث عن مؤامرة دولية لزعزعة استقرار المنطقة, وكأن الكلمات يمكن ان تصرف انظار الناس عن الخلل السياسي الجسيم. وسلال التاريخ ملأى برماد ورفات ساسة تربعوا على سدة الحكم آمادا طويلة ولم يتنحوا الا بعد فوات الاوان, اكتسح التيار بعضهم بعنف, فيما ارخى آخرون قبضتهم سلميا, غير ان هناك سمة تكاد تطبعهم جميعا بطابعها, فكلهم استولى عليه الشعور بأنه لا غالب له وان احكامه وآراءه منابع الحكمة, وان قاعدته السلطوية لا تطالها عاديات الزمان, ولعلي اذكر في هذا المقام ان الفرق طفيف فيما يتصل بهذه الناحية بين سوهارتو بعد مضي 35 عاما وبين مارجريت تاتشر عقب سنوات عشر قضتها في الحكم. وعلى ما يبدو, فان احد ملامح الطبيعة البشرية يتمثل في اننا مهما حاولنا تحسين اوضاع البشر المعيشية والارتقاء بمستوى تعليمهم دون منحهم ما يكافىء هذا من الحريات الاقتصادية والسياسية, فان المساعي في هذا السبيل عبث لا طائل تحته. ويظل الناس اسرى أوهامهم طالما واصلت الفقاعة تضخمها, الا انه حالما تنفجر الفقاعة أو تضمر, يصدم هؤلاء بصخرة الواقع, وتندلع ازمة الفوضى بمجرد اضمحلال الفقاعة أو انفجارها, ومارجريت تاتشر بقيت مصونة لم يمسسها سوء طيلة حقبة الازدهار أواسط التسعينات وما ان لاح التباطؤ على الاقتصاد حتى تحول الناس إلى الانتقاد المر وانتابتهم موجة السخط على الحكومة, مع انها كانت تقوم بخير ما يمكن القيام به في ظل ظروف عصيبة. ولا يسعنا البتة في نهاية المطاف ان نعتبرها مصادفة. ان تلك الدول الاسرع نهوضا من كبوتها في جنوب شرقي اسيا انما هي البلدان ذات النظم السياسية المرنة, وبالتالي فهي تلك التي يحكمها ساسة حديثو الانتخاب. والسياسة, سواء كانت احادية أو متعددة الاحزاب, انما هي خلق عجيب تغلب عليه المزاجية, فكون الحكومة قائمة بمهمتها على خير وجه ليس بأمر ذي بال بقدر ان تبدو بالنسبة لشعبها انها تؤدي اداء حسنا, فشعوب دول جنوب شرقي اسيا التي عصفت بها الازمة كانت تغمرها سعادة عارمة في الوقت الذي كانت حكوماتها تجمع وببطء حطب النار التي اشعلت الازمة والتي سقطت تلك الحكومات في اتونها الان, ولم يكن ذاك الا بتشبثها بمعدلات الصرف المصطنعة العالية, وفي اصرارها في بعض الحالات على احتضان صناعات احتكارية عقيمة لا جدوى منها. وحينما تنفجر الفقاعة وترغم الاحداث الحكومات على بذل كل ما لديها من جهد وخبرة لاستنقاذ اقتصادياتها, فان هذا يشعل فتيل التضخم والركود الذي يهوي بأسهم الحكومة ويمرغ هيبتها ويحرض على بغضها, ويضطر الرئيس سوهارتو الان فحسب إلى دفع الثمن المستحق من ركام عقود من سوء الادارة, فأنت لن تكسب الناخبين إلى صفك إلى الابد, وحتى لو لم يكن هناك ناخبون, فان المقاومة سوف تغدو منظمة مع شيوع التعليم وانتشاره بين طبقات المجتمع. لذا فان مستقبل جنوب شرقي آسيا الاقتصادي في ايدي ساستها, وفي معظم الاحوال, فان مصالح الشعب لا يمكن ان تحظى بالرعاية المثلى الا اذا استلم زمام الامور حكام جدد منتخبون وجرى تنظيم عملية التعاقب على السلطة وآلية خلافة الحاكم التي هي غاية في الاهمية فيما يخص الشأن الحكومي والسلطة تماما كما الشأن فيمن يكون رب العائلة ويتولى رعاية الاسرة. نائب رئيس لويدز بنك*

تعليقات

تعليقات