آثار الأزمة الآسيوية تقترب من الشرق الاوسط: بقلم - د. مغازي البدراوي

مازالت أصداء الأزمة المالية والاقتصادية في أسواق دول جنوب شرق آسيا تتردد على الصعيد المحلي في داخل هذه الدول على الصعيد الدولي حيث تلقي بظلالها على أسواق المال وبورصات الاسهم والسندات العالمية, ومازال الانخفاض مستمرا في عملات اندونيسيا وتايلاند وغيرهما من الدول الآسيوية . وتزداد تدريجيا حدة الركود الاقتصادي في هذه الدول وتتناقل منها حسب نظرية (الدومينو) الى باقي الاسواق القريبة منها في المنطقة, وهو الامر الذي جعل البعض في اسواق منطقة الشرق الاوسط يتوجس خيفة من استمرار هذه الأزمة وصولها للمنطقة, خاصة مع التشكك الكبير لدى العديد من الخبراء والمراقبين حول قدرات دول جنوب شرق آسيا على اجتياز هذه الازمة, وهو الامر الذي أحدث اضطرابا في الاقتصاد العالمي على مدى الشهور الاربعة الماضية, وربما ادى هذا الى التحرك السريع لصندوق النقد الدولي لتقديم المساعدات لهذه الدول, وان كان البعض يتشكك في مساعدات صندوق النقد وعدم تناسبها مع حجم الخسائر, هذا الى جانب ان الصندوق في سياسته المالية يكيل بمكيالين, ففي الوقت الذي يقدم فيه المساعدات لكوريا الجنوبية ويؤجل لها سداد الديون قصيرة الأجل, ويوافق على دفع الشريحة الرابعة والخماسة لها من معونة الصندوق وقدرهما أربعة مليارات دولار من القرض الشهري البالغ 13 مليار دولار, ويقدم تسهيلات عديدة لحكومة كوريا الجنوبية, نجده من ناحية اخرى يتعنت في سياسته مع اندونيسيا, ويقرر تأجيل سداد دفعات القرض المقرر لها لمواجهة الأزمة وهو الامر الذي يجعل سوقا كبيرة مثل اندونيسيا تتفاقم فيها الأزمة بشدة وتمتد لتؤثر على جيرانها, والسبب في تعامل الصندوق مع اندونيسيا بهذا الشكل حسب تصريحات المسؤولين في الصندوق ان الحكومة الاندونيسية تتقاعس في الاصلاحات الاقتصادية التي اتفقت مع الصندوق على القيام بها في الداخل, وان كان الامر أبعد من ذلك على ــ حد قول بعض الخبراء ــ فمن المعروف ان صندوق النقد الدولي يسعى في الأساس لربط الاصلاح الاقتصادي بالاصلاح السياسي, ونظام السلطة السياسية في أندونيسيا لا يروق للغرب وواشنطن التي تعتبره نظاما يميل للشمولية والديكتاتورية, وما حققته اندونيسيا من نجاحات اقتصادية كبيرة في السنوات الماضية لم يكن ليرضي الغرب الذي يحاول دائما ان يثبت للجميع ان النهضة الاقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالديمقراطية والحرية السياسية, وعندما تأتي التجربة الاندونيسية لتقدم عكس ذلك, وتثبت ان النمو الاقتصادي ممكن تحقيقه حتى في ظل انظمة حكم شمولية فان هذا لا يرضي الغرب, ولهذا تأتي هذه الازمة في جنوب شرق آسيا لتعكس بوضوح سياسة الكيل بمكيالين لدى صندوق النقد الدولي الذي لايقرر شيئا بدون اخذ رأي اي الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية. وهكذا تتفاقم ازمة النمور الآسيوية وترتفع ديونها الخارجية لتصل في كوريا الجنوبية الى 157 مليار دولار, وفي اندونيسيا الى 154 مليار دولار, وتتراكم فوائد الديون بشكل مستمر خاصة الديون قصيرة الأجل والتي تصل فوائدها في الربع الاول من هذا العام الى 40 مليار دولار في كوريا الجنوبية وعشرة مليارات دولار في اندونيسيا وستة مليارات دولار في تايلاند, ومع تزايد الديون في هذه الدول يتزايد احجام المستثمرين الاجانب عن التوجه اليها, ويزداد تدريجيا الاحجام عن شراء السندات والاسهم التي تطرحها هذه الدول رغم الانخفاض الحاد في اسعارها, وفي نفس الوقت يزداد تدفق وخروج الاموال في اسواق هذه البلاد الى الخارج مع تدهور حاد للعملات المحلية. ورغم ادعاء البعض بأن الازمة اقليمية ولن تخرج عن نطاق اقليم شرق آسيا, الا ان العديد من الخبراء والمحللين يقولون أن استمرار الازمة بضعة شهور اخرى بمعدلاتها الحالية سوف يؤدي حتما الى وصول آثارها الى العديد من الاسواق الاخرى القريبة منها وعلى رأسها اسواق الشرق الاوسط, ويكفي ان نعلم ان الازمة كان لها اثر كبير على انخفاض اسعار النفط بسبب احجام دول شرق آسيا عن شراء كميات كبيرة من النفط بسبب نقص مواردها الناتج عن الازمة.

تعليقات

تعليقات