التوطين بالقطاع المصرفي بين الواقع والطموح (1): مشروع قرار مجلس الوزراء يعطي دفعة كبيرة للامام باتجاه تأهيل الكوادر المواطنة

تأكيدا لتوجهات الدولة, ودعما لسياسات التوطين بقطاع المصارف, وافق مجلس الوزراء, مؤخرا, على مشروع قرار يتم بمقتضاه تحديد نسبة المواطنين الذين يعملون بالمصارف التجارية العاملة بالدولة بـ 4% سنويا . وقد جاء هذا القرار استنادا الى ما انتهى اليه تقرير لجنة تنمية الموارد البشرية برئاسة معالي احمد حميد الطاير وزير المواصلات, بهدف تهيئة الاجواء المناسبة وتوفير كل السبل الممكنة لتوطين القطاع المصرفي وتأهيل الكوادر المواطنة لقيادة هذا القطاع الحيوي, الذي يلعب دورا رئيسيا في التنمية الاقتصادية الشاملة. ومنذ صدور قرار بتشكيلها قبل نحو عامين, سعت لجنة تنمية الموارد البشرية بالقطاع المصرفي الى تهيئة البنوك العاملة بالدولة لعمليات التوطين, ومن جانبها استجابت البنوك بدرجات متفاوته لهذه التوجهات, وبالفعل زاد عدد المواطنين العاملين بها بنسب مختلفة, بل انشأت بعض البنوك اقساما للتنمية البشرية والكوادر المواطنة بتأهيلهم وتدريبهم للعمل بكل مجالات واهتمامات العمل المصرفي وزادت بعض البنوك من حماسها فبادرت الى القيام بتأسيس اقسام باسم (التوطين) مهمتها الاساسية توسيع قاعدة عمل المواطنين في المصارف, وصولا للمستهدف الذي اشارت اليه اللجنة في وقت سابق بنحو 40% و 50% من اجمالي العاملين بكل بنك. واليوم وبعد الخطوة الاخيرة لمجلس الوزراء يبدو من المنطقي التساؤل: الى اين وصل قطار التوطين بهذا القطاع الحيوي على وجه الدقة وماذا تحقق بالضبط؟ وماهي التصورات المستقبلية لتحقيق المزيد من الخطوات الجادة للانتقال لمرحلة اكثر وضوحا وتبلورا؟ على امتداد هذا التحقيق تحاول (البيان) الاجابة على الاسئلة وصولا الى المزيد من الوضوح حول المسيرة المستقبلية لقطاع المصارف الذي يوصف تقليديا بانه القاطرة القوية للاقتصاد الوطني. تجربة المشرق في البداية يوضح مصطفى المطوع, رئيس قسم التوطين ببنك (المشرق) ان البنك يعد من اكثر البنوك اهتماما بالمتابعة الوثيقة لموضوع التوطين في المصارف , حيث انتهج لنفسه سياسة خاصة ومحددة لدعم توجهات التوطين, اتساقا مع السياسة العامة للدولة, مشيرا الى ان بنك المشرق سيعلن في غضون اسبوع عن مشروعات مهمة وكثيرة لتأهل المواطنين للعمل بالجهاز المصرفي وخدمة المجتمع بشكل عام. وقال المطوع ان قسم التوطين بالبنك ينطلق بجهوده في تعاون وثيق مع وزارة العمل, واحدث الاجتماعات التي عقدت في هذا الاطار جرت يوم الثلاثاء الماضي لبحث وسائل دعم التعاون المشترك لتأصيل سياسة التوطين, وبحث الاطر الكفيلة بتقدم الكوادر البشرية المواطنة وتطويرها موضحا ان القسم لا يقتصر دوره على مجرد التعيين فقط, بل هو بمثابة مركز تدريب وتأهيل وايفاد للبعثات الى الخارج, ومن حق المتدرب ان يلتحق بالعمل الذي يراه مناسبا خارج البنك. كما ان البنك يقوم باجراء جولات في الكليات لعرض الوظائف على الدارسين في السنوات النهائية والتعرف على الكفاءات عن قرب. واشار الى انه في حالة وجود اي نقص في اللغة او خدمة العملاء او العمل المصرفي, فان البنك يبادر بتوفير دورات تدريبية مجانية, مع منح المتدرب حرية الاختيار في جهة العمل التي يرغب فيها. توطين 25% وحول خطوات بنك الشرق العملية في التوطين, قال مصطفى المطوع ان العام 1997 شهد تعيين 62 مواطنا بالبنك, وخلال الشهور الماضية من العام الجاري تم تعيين 40 مواطنا . المستهدف الوصول الى 150 موظفا مواطنا بنهاية العام 1998. وهناك سياسة ثابتة تقضي بانه في حالة تقديم اي استقالة من جانب موظف غير مواطن يتم تعيين مواطن محله, مؤكدا على ان نسبة التوطين بالبنك تجاوزت حاليا 25% من مجموع العاملين به. وقال ان ميزانية التدريب والتأهيل للمواطنين بالبنك مفتوحة, كما كشفت الدراسات ان بنك المشرق هو اعلى البنوك في الرواتب والمزايا الممنوحة من جانب مواطنين عاملين به فهذا العام 1998 لم تقدم سوى استقالة واحدة لسيدة , وذلك نظرا لظروف عائلية قاهرة: واوضح المطوع ان البنك يختار المواطن الجيد في الاداء والجاد في العمل, كما ان قسم التوطين حريص على بحث مشكلة اي مواطن , ويشرف القسم على كل الدورات, خاصة وان التوطين يتم من دون حدود في بنك المشرق, فطالما ان هناك وظيفة شاغرة فهي للمواطن اولا. تجربة المصرف الصناعي ويقول مظفر الحاج مظفر نائب المدير العام لمصرف الامارات الصناعي ان المصرف يؤمن ايمانا كاملا بقضية التوطين ولكن فلسفة البنك تنطلق بالاعتداد بالموقع, وليس بالاعداد وحدها, فهو يقوم سنويا بتوفير اكثر من وظيفة واسنادها لمواطنين , وهذا شرط واضح وسياسة محددة مع اعتبار ان الكفاءة هي المعيار الاساسي. واضاف مظفر ان البنك يضع سياسة واضحة في هذا الصدد, تقوم على اساس ضرورة اعداد الكوادر في المواقع المختلفة لتحل محل الوافدين, في غضون مدة تتراوح بين ثلاث الى اربع سنوات, وهذا ما يتم فعلا بقسم القروض وقسم التدقيق الداخلي. ومن هنا تأتي اهمية سياسة الاعتداد بالموقع وليس مجرد المسألة عددية, فالاولوية اولا واخيرا للمواطن الكفء. 52% نسبة التوطين واشار مظفر الحاج الى ان مستويات الوضع الحالي للتوطين بمصرف الامارات الصناعي توضح انها وصلت الى 100% بالادارة العليا و 85% بالادارة الوسطى و 44% في صفوف التنفيذيين, وعلى الرغم من ان وظائف مثل السكرتارية لا تقبل كثير من المواطنات العمل بها فقد قطع المصرف مرحلة كبيرة في هذا المجال, ووصلت نسبة التوطين في المستوى العام الى 52%. ونعمل على زيادة العدد بشكل مستمر, ونأمل في ان تصل الى 60% في العام 2000. وقال ان اسناد اي وظيفة جديدة لمواطن يعتمد على طبيعة هذه الوظيفة فالاختيار للمواطن اذا كانت الكفاءة متوفرة, اما اذا لم تكن هناك كفاءة فنقوم بتدريب مواطن حتى لو كان الامر مكلفا لان هذا نوع من الاستثمار بعيد المدى. وأكد ان المصرف الصناعي لايفرق بين الموظف المواطن وغير المواطن, سوى في بضع المزايا المالية المتعلقة بعلاوة الابناء. واهم شيء والمبدأ العام هو مدى حاجة المصرف للمواطن وتوفر الاستعداد لديه للقيام بمهام تلك الوظيفة, مؤكدا على مبدأ تكافؤ الفرص, فالمواطن ليس مدللا, فهذا النوع المدلل من الموظفين ليس له مكان في العمل والعقد يتم تجديده سنويا. واضاف مظفر اننا سنظل بحاجة لبعض الكفاءات الوافدة, ولكن لايجب ان نغالي في ذلك, ولا نقلل من شأن الكفاءات المواطنة ولابد من توفير التعليم والتدريب على رأس العمل من خلال دورات تدريبية, ليكون ذلك عناصر اساسية لرفع كفاءة المواطن. مثلث النجاح ويرى مظفر ان نجاح التوطين مرهون بالرغبة الصادقة والاصرار والتعاون والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص ومن البنوك والمواطن نفسه, فان لم يتم التنسيق بين الاطراف الثلاثة لا يمكن تحقيق اي نسبة في التوطين. ويطرح السؤال نفسه اذا ما سنت الحكومة التشريعات وابدت المصارف استعدادها للتوطين واحجم المواطنين عن العمل فماذا ستكون النتيجة. وقال اذا ما نظرنا لموقف الحكومة لبرز سؤال محدد: هل تم استيفاء التوطين بالقطاع العام لكي ننقله للقطاع الخاص في الوقت الذي يتم اثقال جهاز الدولة مع وظائف غير ضرورية؟ ثم لايعقل في الوقت نفسه ان يكون هناك 15 الف مواطن عاطل بالدولة. اذا تحدثنا بصراحة والكلام هنا لايزال لمظفر الحاج فان التوطين اسهل للقطاع الحكومي منه بالنسبة للقطاع الخاص وذلك نظرا لحتمية الالتزام بالتشريع وطبيعة الوظائف الادارية وانه قطاع ليس هدفه الربح, ولكن هناك فكرة بان يتم التوطين في القطاع الخاص وان تتحمل الدولة الفرق بين راتب الموظف في الحكومة وراتبه في القطاع الخاص لمدة خمس سنوات حتى يثبت نجاحه وتتساوى المعادلة مضيفا ويجب ان يتحمل القطاع الخاص تكلفة ما تتحمله الدولة من اعباء للخدمات المتوفرة للوافدين. مكافآت التقاعد ويضيف مظفر اما عن ثاني اصلاح مثلث نجاح التوطين فانه يرتكز في البحث عن الجانب الغائب في القطاع الخاص, وهو نظام التقاعد والامن الاجتماعي فلابد من البحث عن حل لهذا الامر من جانب القطاع الخاص نفسه, مع مراعاة جانب مهم آخر وهو مشاركة القطاع المصرفي نفسه في وضع السياسات والاستراتيجيات. واخيرا يجب ان نبحث اسباب عدم اقبال المواطن على العمل بالقطاع وتوضيح الامر بانه خدمة قبل ان تكون مصلحة, فاذا ماتم التنسيق على هذا المستوى فمن المؤكد ان سياسة التوطين ستنجح بنسب تفوق المتوقع. تجربة الامارات الاولى ويقول عبد القادر الخاجة المدير الرئيسي للموارد البشرية في بنك الامارات الدولي ان بنك الامارات يعتبر اول بنك في الامارات من حيث عدد المواطنين العاملين فيه, فقد وصل هذا العدد في نهاية العام 1997 الى 245 مواطنا ومواطنة من اجمالي 1500 موظف هم العاملون في البنك, وزاد عدد المواطنين في نهاية الربع الاول من العام 1998 الجاري ليصل الى 270 مواطنا بنسبة 18%. واضاف ان عدد المواطنين في البنك خلال العام 1985 كان في حدود 65 مواطنا فقط, ونحن نعين سنويا حوالي 60 مواطنا جديدا, حيث نتولى تدريبهم, اما في مركز التدريب التابع للبنك, او في معهد التدريب المصرفي او في مؤسسات ومعاهد خاصة. استقطاب الكفاءات واشار بقوله اننا نحاول استقطاب المواطنين المؤهلين من ذوي الخبرة المصرفية, لكي نسند اليهم المناصب الشاغرة كمدراء فروع او ما شابه ذلك لكي يتسلموا عملهم فورا من دون الحاجة الى التدريب الاساسي الذي يعطى للمبتدئين. وهذه هي سياستنا التي نسير عليها دائما وهدفنا ان تصل نسبة المواطنين في البنك خلال العام 2000 الى ما يتراوح ما بين 30% الى 35% من اجمالي الموظفين, وهي بالطبع خطة تتسم بالطموح, ولكنها قابلة للتطبيق ونحن نجتهد في الوصول الى هذا الهدف, غير ان التوسع في انشطة البنك سواء في فروعه القائمة او في فتح فروع جديدة او انشاء شركات تابعة للبنك يجعل فرص العمل الجديدة التي تظهر اكثر من العدد المتاح لدينا من المواطنين المؤهلين لاستلام العمل فورا, لذلك فاننا نضطر للاستعانة بالخبرات الاجنبية من بين الوافدين لسد هذه الشواغر العاجلة, التي لا تنتظر حتى ندرب او نعد من يشغلها. واضاف الخاجة ان البنك يعطي الاولوية من بين الوافدين للخليجيين ثم العرب وتبلغ نسبة هؤلاء في البنك حاليا الى 18% ووصلت نسبة التوطين في وظائف الادارة العليا الى 50% وفي مستوى الادارة الوسطى الى 27% وفي مستوى الكتبة الى 14% ونحن نركز على هذا المستوى الاخير, لكي نرفع نسبته في اسرع وقت ممكن. ولدينا البرامج التدريبية التي تتناسب مع كل مستوى من هذه المستويات الثلاثة, فنحن نعد لكل مستوى الدراسات التدريبية والبرامج التي تؤهله للانتقال الى المستوى الذي يعلوه وهكذا يظل الموظف المواطن عندنا في حالة تدريب مستمر ومن يثبت جدية واهتماما وينجح في استيعاب كل المهارات والمعارف التي تقدم له يرقى فورا لوظيفة اعلى. تأهيل لا توطين ويفضل الخاجة استبدال كلمة توطين بكلمة تأهيل الكوادر المواطنة لشغل الوظائف الحساسة على مستوى كافة القطاعات في الدولة, وقد انشأنا في البنك مؤخرا قسما خاصا لتطوير وتأهيل المواطنين بعد حصرهم في كافة المستويات الادارية في البنك. واوضح انه تم اعداد برامج تدريبية تتناسب مع كل مستوى من هذه المستويات فبعض هذه البرامج تصل مدته الى تسعة اشهر لمستوى الكتبة وسنتين لمستوى رؤساء الشعب والاقسام ونحن نسعى لتطوير الاشخاص الذين لديهم الاستعداد لتطوير انفسهم وتحمل مسؤولية اكبر من تلك التي يتحملونها كأن يتم ترفيعهم الى رؤساء اقسام او مدراء فروع. وحرصا من مجموعة بنك الامارات على موظفينا القدامى من المواطنين ومن يشعرون بالحرج ويساورهم الشك حول العمل في البنوك العادية ننقلهم الى العمل في احدى الشركات التابعة لمجموعة بنك الامارات, يبلغ عدد هذه الشركات حاليا حوالي تسع شركات. وقال بان البنك لديه ما يعرف بنظام التدريب المستمر حيث نعطي للموظف المراجع التي تغطي البرامج المطلوبه ثم نعقد له امتحانا بعد ذلك لمعرفة مدى استيعابه لها فاذا نجح يعطى برامج اخرى اكثر تقدما وهكذا فمن يستوعب يصعد السلم الوظيفي درجة درجه حتى يصبح مصرفيا مؤهلا يمكنه العمل في اي مكان في العالم. نسبة 14% وطموح للمزيد وقال سوريش كومار مدير عام بنك الامارات للاستثمارات المالية المحدودة ان نسبة التوطين في مجموعة بنك الامارات الآن تصل الى 14% في جميع الاقسام بما فيها الادارة العليا. واضاف انه بحلول العام 2000 سوف تصل هذه النسبة الى 20%. وقال عارف سيد مدير القوى البشرية ببنك ايه. إن. زد. كرندليز انه خلال العامين الماضيين ارتفعت نسبة التوطين من 2 الى 13% ونأمل ان يرتفع هذا الرقم الى 25% في العام 2000 وان هناك ثلاثة من كبار المديرين بالبنك من المواطنين. تحقيق علي لاشين - سعد السيد - محمود الحضري

تعليقات

تعليقات