آفاق عربية: طريقة اخرى في النظر للاشياء: بقلم - كامل يوسف

الكثير من القراء تعودوا النظر الى التقارير والتحقيقات والموضوعات وربما الاخبار المتعلقة بالآفاق العالمية والتطورات خارج العالم العربي او حتى خارج المنطقة بشكل روتيني, ومن دون اهتمام حقيقي, وفي غالب الاوقات من دون اهتمام يذكر بالتطورات المتعلقة بها, في ضوء الاعتقاد انها لا تنعكس بشكل فوري او مباشر على الحياة اليومية للقارىء . والسؤال الآن هو : الى اي حد يمكن القول ان مثل هذه النظرة يمكن ان تكون مبررة او مقبولة؟ الرد الذي سيبادر بعض القراء الى طرحه هو انه لا يمكن ان يتوقع منهم الاهتمام بكل مايجري في العالم او حتى بكل ما يجري في العالم العربي, فهذا يقع خارج القدرة المعقولة لاي انسان وربما خارج اطار الوقت المتاح له والقدرة الذهنية والعصبية على المتابعة والتركيز. ومن البديهي ان القارىء ليس في وارد ابداء كل صغيرة وكبيرة تجري في نهر الاحداث المتدفق على امتداد العالم, ولكن القارىء لابد له بالتأكيد ان اراد ان يكون ابن هذا العصر وشاهدا عليه, ان يتابع من التطورات العربية والعالمية ما يمكنه من فهم شبكة العلاقات الواسعة والمعقدة بين الاحداث وادراك المنطق الذي يحكمها وتلمس الآليات التي تتحرك وراء هذا كله لتقترب في نهاية المطاف لا من مصالحة فقط, وانما في احيان ليست بالقليلة من وجوده اليومي. كيف؟ في حقيقة الامر ان القارىء اليوم اصبح من الضروري له ان يتبنى طريقة اخرى في النظر الى الاشياء, ان يبادر الى التسلح بمنهاج آخر في التعامل مع المتغيرات, طريقة ومنهاج يمكنانه من النفاذ وراء ماهو مباشر وعلى السطح ليضع يده على دوائر صنع الاحداث وعلى القوى التي تتعامل فيها, وبصفة خاصة على المحركات الاقتصادية لآليات ما يجري وما ننقل بعض اصدائه على هذه الصفحة. ودعني اضرب مثالا محددا في هذا الصدد, فلست اشك في ان القارىء قد تابع التطورات التي تشهدها الحياة السياسية في روسيا, والصراع - الذي دار حول تولي سيرجي كيريينكو رئاسة الوزراء هناك - بين الرئيس الروسي بوريس يلتسين وبين مجلس دوما الدولة, ولست اشك في انه قد ادرك الجوهر الاقتصادي لهذا الصراع وان ما يطرح حول ان هذا ليس الا انقلاب قصر اجراه يلتسين ليس الا رؤية مسطحة للاحداث. الآن قد يبادر قارىء الى الاعتراض قائلا: ومالي انا هنا في الخليج وما يجري في روسيا؟ لماذا يتعين علي الاهتمام به؟ ولماذا تريدني ان اهتم بشكل خاص بالجوهر الاقتصادي لهذا الذي يجري هناك؟ مثل هذه التساؤلات, التي قد تكون غاضبة ومفعمة بالاحتجاج تثير رد فعل اوليا هو الابتسامة ولكن بعد ان ننحي الابتسامه جانبا نبادر الى القول بانه في ابسط المعاني فان انسياب دولاب الاقتصاد الروسي بقوة هادرة من شأنه ان يؤدي الى تطور القطاع النفطي الهائل هناك وزيادة قدرته الكبيرة اصلا على الانتاج مما يمكن ان يغرق السوق ويؤثر علينا هنا في الخليج بشكل فوري, فهل هناك اكثر من هذا يدعونا للاهتمام بتطورات الحياة الاقتصادية في روسيا. والامثلة في هذا الصدد كثيرة, ولا حصر لها, ويمكنني ان اشير كذلك الى تطور من نوعية جديرة بالاهتمام حقا فافلاح الشركات الاندونيسية الكبرى في وضع قدمها على بداية الطريق نحو تسديد ديونها والانطلاق بشكل اقوى في مفاوضاتها مع الدائنين ليس مجرد مسألة عالمية لا تعنينا هنا في الخليج, وانما هي مؤشر ضمن مؤشرات اخرى عديدة تدعو للاهتمام الى التفاؤل بان الازمة المالية في الدول الآسيوية تمضي في طريقها الى الانحسار وان ذلك سيتم في وقت اقرب مما توقعه الكثير من المراقبين الاقتصاديين الغربيين. واذا تذكرنا ان احتدام هذه الازمة كان احد الاسباب الرئيسية وراء تراخي الطلب الاسيوي على النفط وهو ما ادى الى ازمة الاسعار الراهنة لادركنا الى اي حد يهمنا هذا التطور الآسيوي الذي يحدث بعيدا في جاكرتا. ان هذه الرؤية المختلفة للاحداث, وهي رؤية اقتصادية في جوهرها, لم تعد ترفا يمكننا الاستغناء عنه او عبئا يمكننا ان نمضي في الحياة اليومية من دونه وانما هي ضرورة , هي سلاح يجب الا تغفل عنه اعيننا للحظة واحدة هي جزء من شيء مهم وحاسم في عالم المنعطف الرابع للقرن العشرين, شيء يمكنك ان تسميه, ببساطة ومن دون تعقيد, الوعي.

تعليقات

تعليقات