اتجاهات مالية: هل للحجم أهمية ما؟ بقلم - أوزموند بلامر

ما كان يسع كاتبا مثلي يطل على قراء الصحيفة من خلال زاوية اقتصادية اسبوعية تجاهل الموجة الحالية من عمليات الاندماج التي شهدنا الاعلان عنها على مدى الأسابيع القليلة الماضية. وقد طفحت صفحات الجرائد مؤخرا بمقالات تثني وتطري وأخرى تنفي وتنتقد, وذلك بحسب وجهات نظر هذا الكاتب أو ذاك المحرر . ومن جهتي, وفيما يخص مسألة رؤوس أموال البنوك, والمؤسسات المالية عموما كنت أؤيد دائما قضايا الاندماج وأسلط الضوء على عامل الحجم وأهميته. وإزاء المتغيرات المتسارعة التي تجتاح الأسواق ومع تزايد تقلباتها, وفي غمرة هذا التدفق المتتابع للسيولة الاستثمارية التي تنهال على بورصات الأسهم فتحلق بها على ارتفاعات شاهقة, وفيما تتضخم المخاطر المحدقة بالعملات الهشة, التي لا تتمتع بقوة العملات الرئيسية, وتجعلها أشد عرضة للمنزلقات المزاجية للسوق, سواء أكانت مربوطة بالدولار أم لا, فلا مناص من السعي لجعل البنوك كبيرة الى درجة تمكنها من الصمود أمام العواصف. وعلاوة على ذلك, فان كبر حجم البنك يرتقي بكفاءته ويزيد من فعاليته ويجعله أقدر على التنافس ويزيد ربحيته, وهذا ما تحاول معطيات الاقتصاد ان توحيه لنا. ولطالما أكد لنا حكماء الاقتصاد ان الاندماجات وعمليات التملك خير عميم تنال بركته العملاء كما المساهمين. وفي الحقيقة فإن وتيرة النشاط في ساحة الاندماج, والتملك تتسارع بخطى قياسية ولا تبدي اي بوادر على التباطؤ. وهذا القطاع الاقتصادي على ما يظهر, عصي على الركود وهو محصن ضد أي من المعوقات الاخرى التي تطال مساوئها باقي قطاعات الدورة الاقتصادية. فهل هذه هي الحقيقة بالفعل؟ أم أن الحجم والاندماجات والتملك ما هي إلا مؤشرات ضعف اكثر منها دلائل قوة؟ وفي أوائل التسعينات اجري في المملكة المتحدة بحث مهم تناول الشركات العاملة هناك. خضعت 90 شركة آنذاك لهذا البحث بعد ان تم تصنيفها في ثلاثين ثلاثية ضمت كل ثلاثية منها شركات تجمع بينها أوجه شبه قدر الامكان. وروعي ان تضم كل ثلاثية شركة بريطانية وأخرى أمريكية, وثالثة يابانية, واستهدف البحث التأكد مما اذا كان هناك مؤشرات أو صلات بين الأهداف الاقتصادية, المعلنة للشركات او فروعها البريطانية وبين حصة السوق أو الروح المعنوية للعاملين, كما رمي البحث لارساء معايير اخرى في هذا الصدد. وكانت المعلومات الختامية غاية في الوضوح. فالشركات التي كانت تدار على أساس جني الأرباح على المدى القصير, كانت كلها أقل نجاحا فيما يتصل بحصص السوق والعمل الذي يتم انجازه من الشركات المدارة وفقا لأهداف تسويقية استراتيجية. وبعبارة اخرى, فإن تلك الشركات التي نصبت لنفسها هدف انتزاع حصة 10% من السوق كانت اكثر توفيقا من تلك التي استهدفت حصد عشرة ملايين في السنة الاولى. وعلى وجه العموم فان الشركات الغربية كانت تدار وفق فلسفة جني الأرباح على المدى القصير. وخرج التقرير الذي تمخض عنه البحث بنتيجة هي ان (الشركات الغربية ركزت على التحسينات القصيرة الأمد في حقل الفعالية بدل صرف اهتمامها الاكبر الى حفز فعالية السوق على المدى الطويل) . والاستنتاج الطبيعي الذي نستنبطه من تلك العبارة أننا نكتشف فيها قدرتها على تفسير هذا النشاط المتواصل والتوسع في عمليات الضم والتملك, ولم يعد من اليسير على الشركات البريطانية والامريكية زيادة أرباحها عن طريق خفض النفقات. وليس في وسعها الآن, على أية حال تحقيق مزيد من النمو من خلال تطوير المنتجات او عبر اكتساح أسواق جديدة وذلك لأن عمليات الترشيد قد أزاحت وبشكل يفتقر الى العقلانية, أولئك الذين كانوا يملكون القدرة على خوض غمار الريادة والاقدام على مثل تلك المبادرات الجريئة. والنتيجة المنطقية لهذا إنما هي الوصول الى وضع مالي قوي من حيث السيولة مع ضعف ينتاب جبهة النمو فيتدنى معدله. فتلك الشركات لا يمكنها الاستثمار ضمن شركاتها ذاتها, لذا فإنها تستثمر في شركات اخرى. وتيار الاندماجات والتملك لم ينشأ ويقوى لينزوي ويتقهقر. بل هو ماضٍ في ترسيخ وجوده. وسواء أكانت تلك الظاهرة تجسيدا لمبادىء أصيلة ام انها مجرد مرآة تعكس عجزا عن الوصول الى النجاح في الشركة دون الاضطرار لشراء شركات اخرى, فان هذه الظاهرة لابد من رصدها واستقراء نتائجها. نائب رئيس لويدزبنك*

تعليقات

تعليقات