تحليل اقتصادي : ما الذي يجري في بحر قزوين؟ بقلم - د. مغازي البدراوي

يجمع الخبراء على ان منطقة بحر قزوين تعد من أبرز المناطق الواعدة بالنسبة لانتاج النفط في مطلع القرن المقبل , وقد كانت هذه المنطقة من قبل المخزن الرئيسي لاحتياطي نفط الاتحاد السوفييتي, الذي تطل اربع جمهوريات منه هي روسيا وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان على شواطئ هذا البحر وتقاسمهما فيه ايران, وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال هذه الجمهوريات, بدأ الخلاف يثور بينها على الثروات النفطية الموجودة في هذا البحر, والتي اختلفت التقديرات حولها, الا ان هناك شبه اجماع على أنها ستكون منطقة الصراع الاولي على مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي في مطلع القرن المقبل. وبدأت الخلافات بين الدول الخمس على تقسيم هذه الثروة منذ العام ,1994 وتوالت المؤتمرات بين ممثلي هذه الدول الخمس, ولم تسفر عن أي نتائج ايجابية, ثم زادت حدة المشكلات بينها عندما ذهبت أذربيجان تعقد اتفاقات مع الشركات الامريكية الكبرى للنفط, وهي شيفرون, واكسون, وموبيل, واموكو وهي الاتفاقات التي تعدت قيمتها عشرة مليارات من الدولارات, حول استغلال حقول نفط في المنطقة المواجهة لشواطئ اذربيجان في بحر قزوين, وبالمقابل بدأت روسيا توجه الانذارات, وتكرر انكارها لحقوق اذربيجان في ابرام هذه الاتفاقات, حيث ان الخلاف على ثروات بحر قزوين لم يحسم بعد. ويدور الخلاف الاساسي حول تحديد الطبيعة القانونية لهذا البحر, والذي كان من قبل شبه بحيرة, يتبع الجزء الاكبر منها الاتحاد السوفييتي, والجزء الاصغر يتبع ايران, والان وانطلاقا من النظام القديم. تؤكد روسيا تصميمها على اعتبار هذا البحر بحيرة مغلقة, لا تخضع لقواعد القانون البحري الدولي, وبالتالي لا يحق لأي دولة تقع على شواطئها ان يكون لها امتيازات خاصة على الاعماق البحرية المواجهة لشواطئها, باعتبارها منطقة اقتصادية, وفقا لقواعد القانون البحري, وتشدد روسيا كذلك على ضرورة تقسيم ثروات هذا البحر بالتساوي بين الدول الخمس, ويؤيد كل من ايران وتركمانستان هذا الرأي, بينما ترى اذربيجان وكازاخستان عكس ذلك, وتذهبان الى اعتبار بحر قزوين, بحرا عاديا يخضع لقواعد القانون البحري الدولي, وبالتالي فان كل دولة لها سيادة على اعماق البحر المواجهة لمياهها الاقليمية, ولمسافة تصل الى اربعين كيلو مترا داخل البحر. وحتى مطلع الشهر الحالي ظلت الازمة محتدمة, ومضى كل طرف يؤكد تصميمه على رأيه, الى ان نقلت وكالات الانباء, مؤخرا خبرا عن قرب توقيع اتفاق بين جمهوريتي روسيا وكازاخستان, حول تقسيم بحر قزوين, على اساس قاعدة المناطق المتساوية, وانه سوف يتم توقيع الاتفاق في نهاية ابريل الحالي, وصرح الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزار باييف بأن هذا الاتفاق يعني بشكل غير مباشر التعاون بين الدول الواقعة على شواطئ البحر. وقد جاء هذا التصريح عقبل لقاء لنزار باييف مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين, ويعد هذا الاتفاق انتصارا لموقف روسيا, التي كانت ترفض تقسيم البحر على اساس استغلال كل دولة بشواطئها وتوابعها, وتطالب بالتقسيم الكلي لثروات البحر بالتساوي بين الدول الخمس, وهو الرأي الذي تؤيدها فيه ايران وتركمانستان, وهاهي كازاخستان تنضم لها وتوافق على هذا الرأي, وتبقى أذربيجان, التي يرى الكثير من الخبراء انها ايضا سوف تنضم قريبا للاتفاق خاصة وأن روسيا أبدت موافقتها من قبل على استمرار الاتفاقات التي عقدتها أذربيجان مع الشركات الأمريكية, مقابل شرطين محددين, أولهما ألا تعقد الحكومة الاذربيجانية أية اتفاقات اخرى, الا بعد الرجوع لروسيا, وثانيهما أن يتم نقل نفط أذربيجان عبر خطوط الأنابيب الممتدة داخل الأرض الروسية الى موانىء البحر الاسود. وعلى ما يبدو فان أذربيجان توافق على هذين الشرطين, وهو ما يتضح من فشل مؤتمر أنقرة, الذي انعقد في أول مارس الماضي, والذي حاولت فيه تركيا اقناع كازاخستان واذربيجان بنقل النفط عبر ميناء (جيهان) التركي فبادرتا بالرفض, وأصرتا على ضرورة مشاركة روسيا في نقل نفط بحر قزوين الى أوروبا. ويعد اتفاق روسيا وكازاخستان الأخير مؤشرا واضحا لقرب بداية العمل المشترك في حقول نفط بحر قزوين واقتراب موعد تدفق انتاجها الى أسواق العالم, وهو الأمر الذي يعني في النهاية زيادة المعروض في الأسواق العالمية من النفط, الأمر الذي يعني انخفاضا ربما يكون حادا في الاسعار, خاصة وأن المراقبين يتوقعون عدم التزام هذه الدول الجديدة, مثل كازاخستان واذربيجان, بقرارات تخفيض الانتاج من النفط, نظرا للظروف الاقتصادية التي تمر بها, وهي في فترات التحول الآن من النظام الاقتصادي الشمولي, الذي كان سائدا في الاتحاد السوفييتي السابق الى اقتصاد السوق الحر. وتعاني هذه الدول الجديدة من نقص حاد في الموارد وتخلف في الاساليب التقنية, وهو الأمر الذي سوف يدفعها الى زيادة انتاجها من النفط وطرح كل ما يمكنها في الاسواق العالمية حيث لا تزال الصناعات في هذه الدول متخلفة ومحدودة, وهو الأمر الذي يهدد بمزيد من الأزمات النفطية, وتدهور حاد في الأسعار.

تعليقات

تعليقات