تحليل اقتصادي : حماية الملكية الفكرية، بقلم: حسن العالي

تعتبر قوانين حماية الملكية ظاهرة حضارية واقتصادية تسهم في تنظيم العلاقات الاقتصادية بين الدول, كما تسهم في حماية حقوق الابداع والاختراعات . ومثل هذه القوانين تكتسب اهمية خاصة, بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي. فلقد ثبت بصورة واضحة ان المتضرر الرئيسي من اغراق بعض الاسواق الخليجية بالبضائع المقلدة هو الصناعات الخليجية الوليدة, خاصة وان تلك البضائع تشمل بصورة اساسية سلع استهلاكية وترفيهية اصبح بامكان المستثمر الخليجي القيام بتصنيعها. وتسعى دول مجلس التعاون الخليجي كذلك حاليا لتشجيع الاستثمارات الاجنبية لاقامة مشروعات مشتركة في مختلف الميادين الاقتصادية الحيوية. وهذه الاستثمارات التي تنطوي بصورة اساسية على نقل تقنية متطورة معها سوف تجد في قوانين حماية الملكية احد اهم الحوافز التي يمكن ان تتوفر لها. ونظرا لان حقوق الملكية الصناعية والفكرية هي حقوق قانونية , فانها محدودة اقليميا, ولا يمكن ممارستها الا في حدود الولاية الاقليمية للبلد الذي يمنحها. لذلك فقد تم ابرام العديد من الاتفاقات الدولية والثنائية والمتعددة الاطراف لتسهيل نقل التقنية وتيسير التجارة الدولية وزيادة رفاهية المواطنين. ولعل اقدم تلك الاتفاقات واوسعها نطاقا اتفاقية باريس بشأن حماية الملكية الصناعية (1883) وقد انشىء بموجبها اتحاد للبلدان التي توافق من بين جملة امور على منح مواطني البلدان الاعضاء الاخرى الحماية ذاتها التي تمنحها لمواطنيها. ونظرا لقدم عضوية البلدان المتقدمة في هذه الاتفاقية, فان نقل التقنية لايزال يجري في اغلب الحالات فيما بينها مما اسهم في تنامي وتطور الخبرات والتقنيات الفنية المشتركة , وادى الى بناء نوع من التنسيق والتفاهم في التقدم الصناعي, ومن جهة اخرى فقد اسهم في زيادة الهوة الفنية والتقنية بين هذه البلدان والبلدان النامية. وفي بعض الاحيان عندما تضطر الشركات الصناعية الكبيرة لاقامة فروع او مصانع لها في الدول النامية فانها تبقي الجوانب التقنية سرا امام الشريك المحلي, وذلك بحجة غياب قوانين لحماية الملكية في هذه الدول. ان غياب قوانين حماية الملكية في العديد من الدول النامية قد اوجد عذرا للشركات الصناعية الاجنبية العاملة فيها لعدم الالتزام بنقل التقنية بالصورة السليمة, ذلك ان وجود تلك القوانين في هذه الدول يلزم بالتفاوض بشأن ما يلزم نقله من التقنية مع صاحبها. كما يجري التفاوض في غالب الاحيان بشأن التراخيص والمهارة والمعرفة ودور العنصر البشري المحلي في عملية النقل مما يعطي فرص اكبر لتوطين التقنية. والدول النامية عموما تبذل مزيدا من الجهود للتحول نحو التصنيع بهدف تحسين مستوى الدخل لمواطنيها. وهذا يتطلب بدوره توفير الاموال ونقل التقنية . ومن المرجح ان يتيسر الحصول على كلا العنصرين فيما لو كانت التقنية الاجنبية محمية وفقا للمعايير المقررة على الصعيد الدولي. كما ان البلدان النامية سوف تتمكن من الاستفادة بصورة اكبر اذا ما انتفعت شركاتها بنظام الملكية الصناعية على اكمل وجه مما ينعكس بصورة ايجابية على التنمية الاقتصادية ككل. وفيما يخص دول مجلس التعاون الخليجي فانها علاوة على ماسوف تجنيه من مزايا سبقت الاشارة اليها سوف توفر نظاما فعالا لحماية صناعتها الوطنية امام سياسات اغراق الاسواق وخاصة بالبضائع المقلدة والرخيصة وذلك من خلال تبنى وتطبيق قوانين حماية الملكية الصناعية والفكرية. وعلى سبيل المثال, فان تجارة الاشرطة وبرامج الحاسب الآلي غير الاصلية كانت تحوز على 75% من حجم السوق المحلي في بعض دول المنطقة. وتبلغ قيمة النسخة المقلدة من 15 الى 20% من قيمة النسخة الاصلية مما يتسبب في خسائر كبيرة للشركات المصنعة الام من جهة, كما يعرقل اية محاولة لاقامة صناعات وطنية بالمشاركة مع تلك الشركات لانتاج السلع كما هو حاصل في العديد من البلدان الاسيوية من جهة اخرى. ويقدر تقرير للمصرف الصناعي بدولة الامارات ان تطبيق قوانين حماية الملكية في دول مجلس التعاون سوف يسهم في رفع نسبة تجارة النسخ الاصلية في تلك السلع لتصل الى 60% من اجمالي حاجيات الاسواق. ولاشك في ان هذه الزيادة سوف تشجع الشركات المصنعة على اعادة تقويم اهمية الاسواق الخليجية والتفكير بصورة جدية في اقامة مصانع محلية بالتعاون مع شركاء خليجيين. وهناك سلع اخرى مثل قطع غيار السيارات تشهد منافسة من قبل سلع مقلدة ورخيصة, حيث يحد ذلك من اقامة صناعات محلية لانتاج مثل هذه السلع, على الرغم مما ينطوي عليه سوق هذه السلع من امكانات كبيرة للنمو والتوسع مستقبلا. كما تجدر الاشارة الى ان اصدار قوانين حماية الملكية من قبل دول مجلس التعاون يجيء متمشيا مع انضمامها لاتفاقية الجات والبدء في تطبيق بنودها بعد انبثاق منظمة التجارة الدولية, والتي ستأخذ على عاتقها تنظيم شؤون التجارة العالمية, بما في ذلك المصنفات الفكرية والملكية الصناعية.

تعليقات

تعليقات