تقرير اقتصادي: المشكلة ليست في الاقتراض بحد ذاته، المديونية العربية ليست خطراً داهماً

اعطت ندوة معهد السياسات الاقتصادية بصندوق النقد العربى حول سياسات وادارة الدين العام في الدول العربية والتى اقيمت بمقر الصندوق واستمرت اربعة ايام خلال الاسبوع الماضى انطباعا متفائلا على مستقبل المديونية العربية التى وصلت في نهاية 1996 الى نحو 160 مليار دولار وخدمة هذه المديونية التى تبلغ 13 مليار دولار سنويا ليست خطرا داهما لا يمكن مواجهته . وقد خرج المشاركون في هذه الندوة بهذا الانطباع المتفائل بعد مناقشات مستمره شارك فيها 28 من الخبراء والمسؤولين عن قطاع الدين العام في 17 دولة عربية وبعد استعراض تجارب اربع دول عربية هى مصر ولبنان والمغرب والاردن وكيفية تخطيط وادارة الدين العام في هذه الدول والمشاكل التى تواجهها والحلول التى طرحت لها على المستويين الاقليمى والدولي. ويبدو من الضرورة بمكان الاشارة الى ان مفهوم الدين العام يعنى الاقتراض الحكومي الداخلي والخارجي لتغطية عجز موازنتها ويمثل الدين العام في لحظه معينة حجم الاقتراض السابق لتلك اللحظة الذي لم يسدد بعد وينشأ الدين العام كنتيجة لتمويل عجز الميزانية الحكومية اى زيادة النفقات العامة عن الايرادات بالاقتراض وتقترض الحكومة من السوق المحلية من المصارف المحلية او المصرف المركزى او من المؤسسات المالية وغير الماليه الاخرى بالاضافة الى الجمهور من خلال سندات مختلفة . كما تقترض الحكومات من الخارج من الاسواق الدولية او من المؤسسات الخاصة او العامة او الاقليمية او الدولية ويكون الاقتراض سواء من السوق المحلية او من الخارج بتكلفة يتحدد مقدارها بسعر الفائدة وحجم الاقتراض وعادة ما يكون حجم الاقتراض بمقدار تمويل العجز في الميزانية وقد اجابت ندوة الدين العام على عدد من الاسئلة المهمة التي غطت مختلف جوانب الموضوع. وكان التساؤل الأول هو حول التمييز بين الدين المحلي والدين الخارجي وقد جاءت الاجابة واضحة بان ذلك يتم من مبدأ الاقامة الاقتصادية سواء كان ذلك بالنسبة للاشخاص او المؤسسات حيث اشترط ان تكون هذه الاقامة لا تقل عن سنة واتضح ان الاساس في الاقامة هو المصلحة وليس السكن فالمؤسسة الموجودة في أبوظبي ونشاطها وارباحها في دولة اخرى فان الاقامة تعتبر هنا في الدولة الاخرى لان غير المقيم سيقوم بسداد الفوائد وسداد اصل الدين وبالتالى فان لهذه الخطوة تأثيراً على الحساب الجارى وميزان المدفوعات . وقد اتضح بان المشكلة لا تكمن في الاقتراض بحد ذاته لان جميع الدول بما فيها الدول الصناعية السبع دول مقترضه وانما هو في حجم المديونية الذى تستطيع كل دولة ان تتحمله . وتم التأكيد على وجود علاقة مترابطة بين سلامة الوضع الاقتصادي في بلد ما وبين مدى قدرة الدولة على الاقتراض بتكاليف معقولة حيث ان تحسن الوضع الاقتصادى يحسن الجدارة الائتمانية ويؤدى بالتالي الى تخفيض تكلفة الاقتراض وهذا ما يؤدى الى ضرورة التأكيد على الاصلاحات الاقتصادية وضرورة استمرارها . وبصورة عامة فإن الدين العام سواء كان دينا محليا او خارجيا له آثاره على أداء الاقتصاد وعلى وضع ميزانية الحكومة وعلى الحساب الجارى في ميزان المدفوعات بالاضافة الى الجدارة الائتمانية للدولة. والدين العام بشقيه المحلى والخارجى قد يفيد الاقتصاد من حيث المساهمة في تمويل التنمية اذا ما كان الاقتصاد قادرا على تحمل اعباء هذا الدين وقد يضر في الاقتصاد في مراحل لاحقة اذا كان الاقتصاد غير قادر على تحمل الاعباء ويؤكد ذلك ضرورة توفر المعلومات الدقيقة بمواعيدها بشأن الاوضاع الاقتصادية للبلد المعني والتدفقات المالية (الالتزامات المحلية والخارجية) وهذا ما يتطلب وجود هيئة تتمتع بالمعرفة والدراية في شأن سياسة وادارة الدين العام ونظام لادارة الدين والتحليل المالي على ان تحدد بشكل واضح الاهداف التى تسعى هذه الهيئة لتحقيقها . وقد اكدت الدروس المستفادة من ازمة المديونية الخارجية في المكسيك عام 1982 حيث اعلنت عن التوقف عن سداد الالتزامات المالية الخارجية بسبب عدم قدرتها على الوفاء بخدمة الدين العام في المواعيد المحددة باتفاقيات القروض وكذلك تحليل تجارب اربع من الدول العربية في سياسة وادارة الدين العام بأن هناك عددا من المبادىء الاساسية لتوفير ادارة جيده للدين العام منها تحديد الاهداف وتحديد الوظائف على مستوى الادارة العليا أو رسم السياسات والاهداف من ووضع الاستراتيجيات ومن حيث التنظيم والنظم ومن حيث توفر الموارد للقيام بالمهام المنوطة بالادارة, كما ان القرارات السليمة لابد ان ترتكز على البيانات الدقيقة والمعلومات الصحيحه وعلى معرفة البيئة الاقتصادية التى تتعامل معها والسياسات الاقتصادية الفعالة ترتكز على معرفة وضع الاقتصاد المعنى والادوات المتاحة لواضعي السياسة . واكدت ندوة الدين العام اهمية متابعة تطور المتغيرات الاقتصادية الكلية مثل ميزان المدفوعات والميزانية العامة والنمو والبطالة والتضخم لان معرفة نسبة الدين العام الى الناتج المحلى الاجمالى التى تتحدد بسعر الفائدة على القروض العامة ومعدل نمو الناتج المحلى الاجمالى ونسبة العجز في ميزانية الحكومة ومتابعة هذه التغيرات وضبط حركتها عندما تبدأ بالتسارع في الاتجاه غير المرغوب يجنب الاقتصاد والقائمين عليه تكاليف باهظه في اوقات لاحقه, كما ان بساطة مؤشر نسبة الدين الخارجية الى الصادرات التى تتحدد بسعر الفائده على الدين الخارجى ومعدل نمو الصادرات وفجوة الموارد يمكن الاستفادة منها في مراقبة تطور المديونية الخارجية ومدى قدرة الاقتصاد على تحملها . كما اكدت بان الحد من المديونية العامة يتطلب سياسات واجراءات تصحيحية مالية لمعالجة الاختلال في الميزانية الحكومية وميزان المدفوعات والى سياسات هادفة الى رفع معدلات نمو الدخل ورفع معدل الصادرات . وقد انتهت الندوة الى نتيجتين هامتين: الاولى هي ان خير سبيل تسلكه الدول العربية هى ان تحصن نفسها بالانفتاح الاقتصادي على بعضها وان تسير نحو التحرير التجاري والمالي العربي كشكل من اشكال التكامل الاقتصادي العربى, لان زيادة معدل الصادرات لن يكون امرا سهلا في عالم يتجه في ظل العولمه نحو التحرير التجاري والمالي وحيث تسيطر فيه الدول الصناعية السبع على 39 % من الصادرات العالمية . والثانية هو الاجابة على التساؤل عما اذا كان الدين العام سواء كان محليا او خارجيا هل هو شيء ضار بالاقتصاد الوطنى ام انه ايجابى على هذا الاقتصاد, وبمنتهى البساطه كانت الاجابه ان هذا الدين يكون سيئا اذا اسيء استخدامه وكان عائده في هذه الحالة يقل عن تكلفته, بينما يكون نافعا وايجابيا اذا كان العائد منه يفوق تكلفته على الرغم من ان العائد قد يصعب تقييمه لان عائد الانفاق على مشاريع البنية الاساسية ينعكس على النمو ككل ويجب اخذ قيد السيولة بعين الاعتبار فيما يخص القروض الخارجية لان مشاريع البنية الاساسية تأخذ وقتا طويلا حتى تدر نتائج وفوائد ايجابية على الاقتصاد .

تعليقات

تعليقات