وراء الأخبار: أبعاد اقتصادية في أزمة موسكو: بقلم - كامل يوسف

لم يكن من قبيل الصدفة أن يبادر الرئيس الروسي بوريس يلتسين, في مواجهة الأزمة الدستورية التي نشبت بينه وبين البرلمان الروسي حول تعيين سيرجي كيريينكو رئيسا للوزراء, الى تأكيد ان العام الحالي يجب ان يكون عام القرارات الاقتصادية والنمو الصناعي في روسيا . والواقع أن هذا البعد, على وجه التحديد, الى جوار تأكيد الدور المحوري للرئيس الروسي في السلطة كان هو الذي وقف وراء ما أسمي بــ (انقلاب قصر) والذي بادر يلتسين في إطاره الى التخلص من حكومة رئيس الوزراء السابق فيكتور تشيرنوميردين. ولكن المراقبين الاقتصاديين في موسكو يتوقفون حيال المنعطف الراهن في الأزمة بين يلتسين ومجلس النواب (الدوما) ليتساءلوا عن نقطة التقاطع المحددة بين الأبعاد السياسية والابعاد الاقتصادية للموقف الراهن في موسكو. دعنا نسلم ابتداء بالتداخل الشائك بين هذه الأبعاد جميعها, على الجبهتين السياسية والاقتصادية, ومع ذلك فلو أننا تساءلنا عن مدى عمق الأبعاد الاقتصادية فيها للاحظنا على الفور ان التخلص من تشيرنوميردين بإقالة حكومته بكاملها لم يأت في اكثر الأوقات ملاءمة, من منظور برنامج الاصلاح الاقتصادي الروسي. كيف؟ لقد برر يلتسين اقالة حكومة تشيرنوميردين بأنها قد فشلت في قطع شوط كاف في الاصلاح الاقتصادي. والمشكلة في هذا التبرير تكمن في أنه لا يتفق مع حقائق الاقتصاد الروسي بدقة, ففي الأسابيع الأخيرة كانت الثقة في برنامج الاصلاح الاقتصادي الروسي تتعاظم على اكثر من صعيد. فقد افلحت حكومة تشيرنوميردين في تحقيق استقرار الروبل بعد ان تعرض لاهتزازات حادة منذ العام الماضي, واستردت أسواق الاسهم والسندات جانبا من الثقة بها بعد أن كانت قد شهدت تدهورا بنسبة 20% خلال الربع الأخير من العام الماضي, واتخذت أسعار الفائدة أبعادا معقولة بعد جموحها السابق, ومضى الاصلاح المالي يشق طريقه بشكل مقبول مع الدفع باتجاه زيادة العائدات والسيطرة على الانفاق. وعلى الرغم من هذه المنجزات فإن الحكومة الجديدة تواجه سلسلة من التحديات لا يمكن القول بأنها من النوع الذي يستهان به, ويلفت النظر ان يلتسين نفسه حذر كيريينكو من أنه ليس متاحا أمامه وقت يذكر للاستعداد قبل أن يبدأ في معالجة المهام المطروحة عليه. ولكن ما هي هذه المهام او التحديات بالضبط؟ ربما كان التحدي الاول هو الانطلاق قدما بالاصلاح المالي على نحو يتجاوز ما حققته روسيا بالفعل, ففي العام الماضي, على سبيل المثال لم تتجاوز حصيلة الضرائب 8.10% من اجمالي الناتج المحلي الروسي مقارنة بانفاق تبلغ نسبته 3.18% من اجمالي الناتج المحلي, وذلك حسب تقديرات صندوق النقد الدولي, الأمر الذي يعني أن النظام الضريبي الروسي المعقد بحاجة الى اصلاح كامل. والتحدي الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو تحسين مناخ نشاط الاعمال الروسي, وهو أمر بالغ الاهمية للنمو الاقتصادي, وقد طال اهماله, حيث يؤدي النظام القانوني غير الملائم واللوائح المعقدة الى الحيلولة, دون التعجيل بانشاء شركات جديدة واطلاق استثمارات داخلية. هكذا فإن الحاجة تبدو ماسة الى برنامج متكامل لضمان التحرر من القيود المفروضة على انشاء الشركات وتوفير علاقات افضل بين الحكومة ومؤسسات الاعمال. غير أن التحدي الحقيقي يظل متمثلا في ضرورة رفع معدلات النمو, حيث المعدل المستهدف لهذا العام هو 4.2%, وذلك على الرغم من ان المصرف المركزي الروسي لا يتوقع الا تحقيق نمو بحدود 1% في افضل الأحوال. ويلفت النظر هنا على الفور ان ميزانية 1998 التي وقعها يلتسين تستهدف تحقيق نمو في الناتج المحلي الاجمالي والناتج الصناعي بنسبة 2% على الاقل مقارنة مع 4.0% في العام الماضي. ومن المشكلات المؤرقة للحكومة الروسية أيا كانت هوية من يتولى رئاستها مشكلة الرواتب المتأخرة, وهو ما دعا يلتسين الى التأكيد بأنه يجب عدم السماح بتراكم هذه الاجور المتأخرة حتى لا تضرب عميقا في جوهر الحافز على العمل لدى رجل الشارع الروسي. ولا يزال الوقت مبكرا, بالطبع, للحكم بما اذا كان قرار تعيين كيريينكو سيزيد من نفوذ الداعين الى الاصلاح الاقتصادي في روسيا بشكل حاسم. ويظل هناك في النهاية أمر واحد مؤكد في موسكو وهو أنه على الرغم من أن الأزمة السياسية تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات فإن جذورها الاقتصادية تظل راسخة وفي انتظار المعالجة الجذرية من جانب من سيقود عربة الاصلاح الاقتصادي الروسي كأئنا ما كانت هويته.

تعليقات

تعليقات