دراسة عربية حديثة: الدعوة لمراجعة اتفاقية تنمية التبادل التجاري العربي

طالبت دراسة عربية حديثة بمراجعة اتفاقية تسهيل وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية بما يتوافق مع اتفاقات جولة أورجواي لتحرير التجارة العالمية مؤكدة ضرورة الاهتمام بقضايا تنمية الانتاج الصناعي والبنية الأساسية الاقليمية كأسس لزيادة السلع القابلة للتداول على المستوى الاقليمي وتوفير وسائط تداولها. وأكدت الدراسة التي أعدها عبد المجيد فريد رئيس مجلس إدارة مركز الدراسات العربية بلندن حول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتحديات التي تواجهها أكدت ضرورة تثبيت وتوسيع نطاق كافة التفضيلات الاقتصادية بين الدول العربية سواء تلك التي قامت على أساس جماعي او ثنائي في إطار الاتفاق الجماعي لمنطقة التجارة الحرة العربية مطالبة بأن تتوافق آليات تنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية مع أحكام منظمة التجارة العالمية وأن تستفيد الدول العربية من الانجازات التي تمت في إطار جولة أورجواي فيما يتعلق بقواعد المنشأ وعملية التحكيم التجاري لحل المنازعات كنماذج عملية يمكن الاسترشاد بها. وأشارت الدراسة التي وردت بالعدد الجديد من مجلة الشؤون الاقتصادية التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي إلى أنه يجب أن يتضمن البرنامج التنفيذي للمنطقة آليات لتجاوز السلبيات التي حالت دون التطبيق الكامل للاتفاقية منذ دخولها حيز التنفيذ على أن يتم تعديل القوانين التجارية في الدول العربية بما يتوافق مع أحكام اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية. وأوضحت الدراسة أن تحرير التجارة اصبح هدفا عالميا وسمحت اتفاقات منظمة التجارة العالمية للدول الاعضاء بأن يتجمع اثنان او اكثر منها للانفاق على تيسيرات وتفضيلات للتجارة المتبادلة بينهما تتجاوز ما تم الاتفاق عليه في اطار المفاوضات المتعددة الاطراف لكن المادة التي سمحت بذلك اشترطت ان تشمل الاتفاقات من هذا النوع (الاقليمية) كل او معظم التجارة المتبادلة بين الاطراف المعنية, والا تؤدي هذه الاتفاقات الى فرض معاملة تميز به ضد طرف او اطراف غير منضمة اليها والا تنتهي الى رفع درجة الحماية التجارية لأسواق الدول الاطراف عما كانت عليه قبل الاتفاق. واشارت الى ان تحرير التجارة العالمية يأتي في ظروف تتسع فيها ظاهرة العولمة بعد انتهاء انقسام العالم الى معسكرين كبيرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية موضحة ان انتهاء القطبية الثنائية لم يقد الى قطبية احادية على الصعيد الاقتصادي وانما الى قطبية ثلاثية تتربع عليها ثلاث قوى اقتصادية كبيرة والحرية الاقتصادية والتجارية على المستوى العالمي واحترام حقوق الانسان وحماية البيئة. وذكرت الدراسة ان العالم يشهد الان نموا في حرية التجارة على المستوى الكوني في الوقت نفسه الذي يزداد فيه الاتجاه الى بناء كتل اقليمية اهمها في الوقت الحاضر الاتحاد الاوروبي والمنطقة الاقتصادية الاوروبية ومنطقة التجارة الحرة لامريكا الشمالية والسوق المشتركة لدول امريكا الجنوبية ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي ورابطة التعاون الاقتصادي الآسيوي ونتيجة لهذه الموجة الواسعة من ترتيبات الادماج الاقتصادي الاقليمي على المستوى العالمي فان الاتجاه الى اقامة منطقة تجارة حرة عربية ليس استثناء من الاتجاه العالمي وانما هو حركة في نفس الاتجاه تستجيب للمتغيرات والمصالح التي تهيمن على عالم اليوم, وعلى هذا الاساس فان دعوة القمة العربية في القاهرة (يونيو 1996) الى اقامة منطقة للتجارة الحرة العربية والبرنامج التنفيذي الذي اقره المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي لهذه المنطقة (فبراير 1997) يفتحان الباب امام الدول العربية للمساهمة كمجموعة في صوغ وتشكيل النظام التجاري العالمي الجديد الذي يقوم على اسس تحرير التجارة المتعددة الاطراف والاقليمية باعتبار ان كلا منهما يكمل الآخر. وفيما يتعلق بالمؤشرات الايجابية لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية اكدت الدراسة ان تجربة التكامل والاندماج الاقتصادي الاقليمي بين الدول العربية هي تجربة قديمة يصل عمرها الى نحو خمسين سنة وان اي بداية جديدة لن تكون من الصفر وانما يجب ان تقيم وتطور على ما تم انجازه من قبل فهناك اتفاقات عربية جماعية لتسهيل وتنمية التجارة والاستثمار والنقل والمواصلات والتنمية المشتركة لقطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والمرافق الاساسية المحلية والاقليمية وفي وقت من الاوقات كان هناك نحو ستين منظمة جماعية عربية تعمل في اطار جامعة الدول العربية لتعزيز العمل المشترك بالاضافة الى ان تجارب التنمية الحالية في الدول العربية تقوم على اسس حرية السوق والانفتاح على العالم والعمل على عكس ما كان عليه الحال في الخمسينات والستينات عندما قامت استراتيجيات التنمية على احلال الواردات وفرض الحماية الجمركية لمساعدة الصناعة المحلية حيث ادى الاتجاه في السياسات الاقتصادية العربية الى تبني سياسات تجارية ليبرالية سواء فيما بين الدول العربية والعالم الخارجي او فيما بين الدول العربية وبعضها ساعدت على زيادة دور التجارة الخارجية والاقليمية في الاقتصاد العربي. واشارت الدراسة الى انه مع ارتفاع درجة ومستوى النمو الاقتصادي في العالم العربي يزداد تنوع الاقتصاد وتتسع علاقات التشابك الاقتصادي مع الدول المجاورة خصوصا فيما بين الصناعات وبالنظر الى تجربة التجارة المشتركة بين المملكة العربية السعودية ومصر خلال السنوات الثلاث الاخيرة يظهر ان التجارة بين البلدين زادت بنسبة تصل الى نحو 250%. مستفيدة من التفضيلات والمزايا التجارية المتبادلة كاطار قانوني ومن تنوع هيكل الانتاج وارتفاع مستوى النمو في الصناعة كأساس لهذا التبادل التجاري موضحة ان هناك قطاعات ومجالات عديدة تستطيع فيها الدول العربية ان تحقق نتائج جيدة في حال حدوث تعاون اقتصادي اقليمي منها على سبيل المثال برامج الكمبيوتر العربية. والتي بادرت شركة مايكروسوفت بانتاجها في مصـر اضافة الى مجالات تقليدية جدا مثل صناعة الملابس حيث ان استخدام توليفة ناجحة من التصميم والخامات والانتاج والتسويق يمكن ان يساهم في زيادة سريعة من الصادرات في سوق مفتوحة كثيرة السكان. واكدت انه ليس هناك خلاف على ان ترتيبات التعاون الاقليمي بين الدول العربية من شأنها ان تزيد القوة التفاوضية للاطراف المعنية في داخل النظام التجاري العالمي الجديد كما ان من شأنها ايضا ان تتيح فرص استثمار افضل امام المستثمرين الاجانب الباحثين عن اسواق اكبر حجما. تطبق قواعد تجارية واضحة ومفهومة وتهدف الى تسهيل وتنمية التجارة ومن مصلحة الدول العربية ان تتجاوز كل منها حدودها للاتفاق مع بعضها البعض على ترتيبات اقليمية لا تتوقف عند حدود منطقة التجارة الحرة من اجل تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وزيادة حجم السوق وتوفير فرص استثمار وتشغيل اكبر اضافة الى زيادة قوتها التفاوضية الجماعية داخل النظام التجاري العالمي. واشارت الى ان معظم تجارب الاندماج الاقليمي على مستوى العالم بدأت بعدد من الدول (اربع دول في حال الاتحاد الاوروبي وثلاث دول في منطقة التجارة الحرة لامريكا الشمالية واربع دول في السوق المشتركة لامريكا الجنوبية) ومن ثم فان اقامة منطقة التجارة الحرة العربية من نحو عشرين دولة ستكون عملية مليئة بالصعوبات فمن ناحية يجب توقع هذه الصعوبات. ومن ناحية اخرى يجب العمل على ايجاد السبيل الصحيح لتقليل المشاكل التي قد تنشأ امام تطبيق اتفاقية يشارك فيها مثل هذا العدد من الدول. وفيما يتعلق بالصعوبات التي تواجه منطقة التجارة العربية الحرة اوضحت الدراسة ان عدم وجود البنية الاساسية الاقليمية الملائمة (خطوط الطرق البرية والجوية والاتصالات وغيرها مما يؤدي الى اعاقة نمو التجارة المتبادلة بين الدول العربية ولذلك فان اي اتفاق لاقامة منطقة للتجارة الحرة بين الدول العربية يجب ان يتضمن نصوصا لتحرير قطاعات البنية الاساسية الاقليمية والاستثمارية المتعلقة بها لتوفير الوسائط والسبل اللازمة لتشجيع التجارة فيما بين دول الاقليم, مشيرة الى انه على الرغم من انه ينظر الى انخفاض معدل التجارة البينية على انه مؤشر سلبي فان الاهم والاخطر من ذلك هو التساؤل عما اذا كانت هناك درجة كافية من التكميلية فيما بين الاقتصادات العربية تساهم في زيادة التجارة المتبادلة بين أي مجموعة من دول الاقليم تتفق على اقامة منطقة تجارة حرة فيما بينها. واضافت الدراسة ان انخفاض مستوى الثقة بين الدول العربية يعتبر حائلا سياسيا يقف ضد احتمالات توسيع التجارة البيئية سواء مع اقامة منطقة تجارة حرة او بدونها وهذه المشكلة ليست مقصورة فقط على دول تختلف في اتجاهاتها او نظمها السياسية وانما توجد ايضا فيما بين تلك الدول التي تتشابه معا مثل دول مجلس التعاون الخليجي ولا يقتصر التأثير السلبي لانخفاض الثقة فيما بين الدول العربية على التجارة فقط وانما يمتد الى المشاريع الاقليمية الكبرى مثل خطوط انابيب النفط والغاز التي قد تمر عبر حدود اكثر من دولة وفي الماضي تعرضت بعض هذه الخطوط للاغلاق او للتخريب. واكدت الدراسة ان من اهم الصعوبات التي تواجه منطقة التجارة الحرة العربية كذلك هو ان اربعة اقتصادات عربية مهمة تعاني من مشاكل الحصار او العقوبات الاقتصادية بدرجة او بأخرى وهذه الاقتصادات هي العراق, ليبيا, السودان وفلسطين والثلاثة الاولى منها تعاني اشكالا مختلفة من العقوبات الاقتصادية الدولية. بينما يعاني الاقتصاد الفلسطيني عمليا من حصار اقتصادي اسرائيلي تاريخي وثقيل وتعتبر هذه الحالة عقبة تواجه اقامة منطقة للتجارة الحرة العربية وعلى الرغم من ان منطقة التجارة الحرة العربية قد تبدأ بدون هذه الدول الا ان عدم مشاركة دولة لاسباب تتعلق بتقييد الادراة او تقييد الارادة العربية في الاندماج التجاري والاقتصادي تمثل احد عوامل القلق الرئيسية. واشارت الى البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية ينص على جدول زمني مدته عشر سنوات لاستكمال اجراءات تحرير التجارة بين الاطراف المعنية بدءا من اول يناير الماضي وهذا يعني في احسن الاحوال ان تحرير التجارة العربية البينية سيكتمل في عام 2008 في حين ان اجراءات تحرير التجارة العالمية طبقا لاتفاقات الجات 1994 ستكتمل عام 2005 وهذا يعني ان تحرير التجارة العربية سيلهث خلف البرنامج العالمي في حين ان الغرض من الاندماج الاقليمي هو تحقيق تقدم يسبق ويتفوق على ترتيبات تحرير التجارة المتعددة الاطراف على المستوى العالمي. أبوظبي ـ البيان

تعليقات

تعليقات