آخر الامبراطوريات الحمراء تخشى عدوى الانهيار: تداعيات (الزلزال الآسيوي) تهدد الصين

فيما هوت اسواق جنوب شرقي آسيا صريعة المذبحة المالية, تحسس المارد الاصفر عنقه خشية ان تكون شظايا الانفجار المروع الذي تداعت تحت وطأته اقتصاديات النمور (تايلاند والفلبين وماليزيا واندونيسيا) ولم تنج من ويلاته حتى كوريا, قد اخترقت سور الصين العظيم وطالت آخر الامبراطوريات الحمراء التي ظلت صامدة رغم عاديات الزمان. فقد امتدت آثار الاعصار الهائج الذي عصف بعملات هذه الدول, الى هونج كونج وبكين ونذرها تدوي محذرة من التوابع التي سوف تنال من الصين عاجلا ام آجلا, وكأن الامر رجع الصدى او تداعيات احجار الدومينو. اذ ان الموجة الاولى من هجمة هذا الوباء خرجت من الصين, ويمكن اقتفاء اثر فيروس انهيارات العملة الى عتبة هذا البلد الذي يبدو في الظاهر الخادع بمعزل عن هذه القلاقل . الصين بدأت اللعبة فقد نجحت الصين في يناير من عام 1994 في خفض عملتها عن طريق توحيد معدلات الصرف, ملغية بذلك المعدل التحكمي (5.7 يوانات) مقابل الدولار ومتبنية معدل المقايضة السائد في السوق والذي كان يصل الى (8.7 يوانات) للدولار. وتنفس المصدرون الصينيون الصعداء لهذا التخفيض الجريء الذي امد صادراتهم بجرعة كبيرة من القوة. وسحب الصينيون بذلك, البساط من تحت اقدام منافسيهم في جنوب شرقي آسيا. وفي ضوء هذا المنظور يبدو الزلزال المالي الحالي في آسيا وكأنه عملية (تصحيح جاءت متأخرة) . والسؤال الآن بعد ان اندلعت شرارة سلسلة ردود الافعال التنافسية التي اقتضت تتابع عمليات خفض العملات, والى متى تصمد الصين وتقاوم الانجراف في تيار الازمة. اعراض المرض فها قد بدأت تظهر على الصين بعض اعراض العلة التي اجتاحت جيرانها. وشأنها شأن هذه الاقتصاديات المنكوبة, تظهر في مدنها مجتمعات المكاتب الخاوية (وهي دليل على التخمة في الاستثمار في السوق العقاري) وبنوك الدولة على شفير الافلاس وتتكدس في مستودعات الشركات المنتجات الكاسدة التي لايرغب بشرائها احد. ومظاهر الفساد الذي استشرى في اقتصاديات جيرانها ونخرها حتى اقعدها عن النمو تطل في الصين وتعيث في اقتصادها تخريبا. ومع تضافر كل هذه المعطيات البائسة لاتبدو الصين وشيكة الركوع او السقوط ضحية للمضاربين ولا تزال عملتها (اليوان) حتى الآن غير قابلة للتحويل. ومازالت رؤوس الاموال الاجنبية تتدفق عليها على شكل استثمارات ثابتة طويلة الامد, عوضا عن جرعات (الاموال الساخنة) التي طوحت باستقرار بلدان مثل تايلاند بدل تعزيز سيرة نموها. الازمة تدق باب الصين غير ان الذعر الذي تملك اسواق آسيا سرى الى بكين وكما يرى احد كبار اساتذة الاقتصاد في الاكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية زانج شوجوانج (فحين نسترجع ذكرى موقف الصين من ازمة المكسيك (عام 1995) وكيف اعتبرتها قضية نائية جدا عن محيطها , يظهر لنا الاختلاف. فأزمة آسيا قريبة من عقر دارنا اليوم وهي تقرع ابوابنا بعنف, وتركت بصمات غائرة في عمق فكر القيادة الصينية. تزايد الضغط على اليوان والهزات المالية التي ضربت جنوب شرقي آسيا تردد صداها في الصين, مما يزيد من الضغوط على اليوان ويهدد بتأخير تحويله الى عملة قابلة للتحويل , ويعزز التشاؤم من امكانية انتعاش قطاع الصادرات الذي كان هو المحرك الاكبر للنمو. وعي الصين لدورها الاقليمي والعالمي ومما افرزته الازمة بشكل غير مباشر بلورة وعي الصين لدورها ومسؤوليتها ضمن اطار الاقتصاد العالمي. وساهمت الصين للمرة الاولى في عملية تحمل المديونية الاقليمية متبرعة بمليار دولار للصندوق الذي تفرع عن صندوق النقد الدولي لاقالة الباحث التايلاندي من عثرته. ويرى احد كبار الاقتصاديين العالميين بهذا الصدد ان زعزعة اقتصاديات جنوب شرقي آسيا التي تنافس المصدرين في الصين وتقوم بدور سوق (صغيرة نوعا ما) لمنتجات هؤلاء المصدرين, قد بينت للصين وبجلاء مصلحتها الحيوية في استقرار اقتصاديات جيرانها. ويواجه الدماغ المخطط للاقتصاد الصيني ونائب رئيس الوزراء زورونجي, الذي أشرف على عملية تخفيض العملة عام 1994 تحديا ضخما فيما يتعلق باستقرار اليوان خاصة بعد عمليات التخفيض الكبيرة للعملات في آسيا. ويوضح احد ابرز الاقتصاديين الصينيين هذه النقطة قائلا: ان خفض عملات جنوب شرقي آسيا يضع الصين في موقف حرج. اذ تواجه صادراتنا من جهة, وضعا يمكن ان نخسر في ظله مزايانا التنافسية, لان عملات تلك البلدان قد انخفضت. ومن ناحية اخرى يجابه اليوان ضغوطا متصاعدة لرفع قيمته في السوق. ونحن في معضلة حقيقية بتأثير هذين العاملين. وكان كثير من المتداولين في صرف العملات الاجنبية يتنبأون برفع طفيف لقيمة اليوان حتى قبل بدء الهجمة الشرسة على الباهت التايلاندي والرينجيت الماليزي والروبية الاندونيسية والطعنة المثيرة للقلق والمثبطة للمعنويات والتي وجهت لدولار هونج كونج مؤخرا. ينبغي رفع اليوان, لا خفضه ويتطرق البروفيسور شوجوانج الى هذه الناحية بقوله : (ربما بالغت الحكومة الصينية قليلا عندما اقدمت على خفض عملتها عام 1994. فلو اتخذنا آلية معادلة قيمة العملات على اساس القوة الشرائية معيارا نستند اليه, فينبغي ان يكون هناك رفع طفيف لليوان بحيث تبلغ قيمة الدولار مقابله 7.4 يوانات, بدل معدل 8.3 يوانات. يتحكم بالمعدلات في الصين البنك المركزي للصين الشعبية محافظا على نطاق صرف ضيق يراوح حوالي مستوى 8.3 يوانات مقابل الدولار. فاذا التفتنا الى المعطيات الاقتصادية الحالية نراها توحي بأن مبررات وعوامل رفع اليوان لاتزال قائمة وبالحاح: فقد سجلت الصين فائضا تجاريا بلغ 31 مليار دولار في الشهور التسع الاولى من هذا العام , حيث ارتفعت الصادرات بنسبة 24% في حين لم تتجاوز الواردات 2.5% هذه السنة وتضخم احتياطي العملات الصعبة ليصل 134 مليار دولار. غير ان موازين اللعبة تغيرت عشية تفجر ازمة انهيار العملات الآسيوية. ويوضح هذه النقطة احد الاقتصاديين بقوله : (قد لايكون الضغط باتجاه خفض العملة الصينية شديد الوطأة, هذا اذا نظرنا للاقتصاد ككل وبمعطياته الحالية, الا ان معظم رجال الاعمال يريدون تخفيض اليوان, مما يقلل احتمالات رفع قيمته في المستقبل, بل يجعل هذا الاحتمال اضعف بكثير عما كان عليه قبل بضعة اسابيع. انهيارات آسيا بددت المزايا وأما مدى الخسارة التي سوف يمنى بها المصدرون في الصين بنتيجة انخفاض اسعار السلع التي تنتجها الصناعات في الاقتصاديات المنافسة فهي رهن بأمرين: اولهما درجة تقهقر القوة التنافسية للصين من جراء هبوط العملات الآسيوية وثانيهما, الى اي حد يعكس قطاع التصدير الصيني وضع الانتاج الاقليمي عموما. ولربما اضحت قيمة اليوان تجاه عملات تايلاند وماليزيا والفلبين واندونيسيا بعد انهيارها مبعث قلق. اذ يبدو ان النصر التنافسي الذي احرزته الصين عن طريق خفض عملتها عام 1994, قد اضمحلت مزاياه عقب هبوط العملات الآسيوية مؤخرا. فبعد التعديلات الاخيرة اصبح معدل صرف الباهت مثلا, 4.7 باهت مقابل اليوان, اي انه اكتسب قوة تنافسية تفوق تلك التي كان يتمتع بها قبل خفض الصين لعملتها عام 1994. فاذا ادخلنا عامل التضخم في حساباتنا, فان الصورة تزداد قتامة بالنسبة لقطاع التصدير الصيني. فقد هبط معدل الصرف الحقيقي للباهت مقابل اليوان بنسبة 36% عن مستواه عام 1993. ويتفاوت مدى فداحة الضرر الذي سوف يلحق بالصناعة الصينية, اذ ان بعض الشركات سوف تتأثر بشكل اكبر من غيرها. فكثير من الصناعات التصديرية الصينية تتدنى في مستواها من ناحية القيمة المضافة عن المنتجات كتقنيته المتطورة لدول جنوب شرقي آسيا. غير ان ضررا بالغا يمكن ان يلحق بتصدير الاقمشة والصناعات الخفيفة والالكترونيات الصينية. وشهدت السنوات الاخيرة الماضية اتساع مساحة التداخل بين اقتصاديات التصدير, واصبح قطاع التصدير الصيني يماثل في وضعه الحالي والى حد كبير قطاعات التصدير لباقي جيرانه في جنوب شرقي آسيا, كما يرى الاقتصادي الصيني البروفيسور وو. وتوحي التنبؤات المحذرة من ضعف الاداء الاقتصادي الصيني وتراجع ميزان مدفوعاتها على مدى السنوات القليلة القادمة بانه ربما يكون هناك في الحقيقة ضغوط باتجاه خفض العملة على المدى المتوسط. ويتوقع كبير الاقتصاديين في بنك ستاندرد تشارترد في هونج كونج ان ينخفض سعر اليوان الى حوالي 8.4 يوانات مقابل الدولار بنهاية عام 1998. ويوازن معظم الاقتصاديين بين المؤثرات الدافعة باتجاه الخفض والضغوط لرفع اليوان ويرجحون , على ضوء ماهو معروف من حرص بكين الشديد على المحافظة على الاستقرار, بان الحكومة لن تفعل شيئا فيما يتعلق بمعدلات سعر الصرف, في الأونة الراهنة على الاقل. واستنتج المحللون من خلال الخفض الاخير لمعدلات الفائدة , ومن القوانين الجديدة التي تسمح للشركات باستبقاء جزء من عائداتها من الصرف الاجنبي. اذ يحتمل ان يخفف هذان الاجراءان الضغوط الرامية لرفع اليوان, ان بكين تفضل سياسة ابقاء الاوضاع على ما هي عليه. واما بخصوص مسألة قابلية العملة للتحويل, فان ايثار الصين للوقوف مكتوفة اليدين واحجامها عدم القيام بأية خطوة بهذا الصدد مدعاة لمزيد من القلق في اوساط المراقبين. ولربما اصبحت الصين اكثر حذرا وتحسبا فيما يتعلق بتخفيف القيود والانظمة التي تضبط نشاطات بورصات صرف العملات الاجنبية, بعدما شهدت مدى عجز اقتصاديات جيرانها في مواجهة هروب رؤوس الاموال. ويعلق احد الدبلوماسيين الغربيين على هذه النقطة فيقول (ان قابلية العملة للتحويل مسألة وضعت على الرف وقد يطويها النسيان, ورغم تفادي البنك المركزي الصيني الخوض مباشرة في الموضوع ولجوئه لاسلوب خطابي بشأنه, الا انه لا يرى غضاضة في التأكيد على ان جدول نقل العملة الى مرحلة قابلية التحويل الكامل مع نهاية القرن الحالي قد اصبح نسيا منسيا, ولم يعد يدخل في الحسبان. ويصرح الاقتصادي الدولي لدى البنك المركزي زينج وو فو : تعكف السلطات على دراسة هذه القضية, غير اننا لا نستطيع بلوغ التحرير الكامل للاسواق قبل عام 2000. وسوف نتبع اسلوب الخطوة خطوة. وتتسع دائرة الهواجس بشأن قابلية العملة للتحويل لتثير المخاوف بخصوص القطاع المصرفي الحكومي . فالبنوك الحكومية الصينية هي بحكم المفلسة, اذ انها تنوء تحت وطأة قروض معدومة تصل الى 200 مليار دولار اي مايزيد على خمس رؤوس الاموال الثابتة غير المدفوعة. ويشدد احد كبار المسؤولين الصينيين على تنامي القلق بقوله: (الكل اصبحوا اشد حذرا, اذ ان مما استفدناه من ازمة تايلاند انك لن تستطيع فتح اسواقك امام رؤوس الاموال الاجنبية قبل احكام الرقابة والاشراف على الاسواق المالية وتطبيق انظمة صارمة لضبطها) . وتأتي هذه التحديات التي اثارت زوبعتها كوارث اسواق آسيا المالية في زمن حرج بالنسبة للصين, فقد هبط معدل نمو اجمالي الناتج المحلي الى 9% خلال الشهور التسعة الاولى من عام 1991, وهي نسبة اقل من الهدف الحكومي وادنى من النمو المسجل العام الماضي والذي بلغ 9.7% وبما ان الصادرات تؤلف 23% من اجمالي الناتج المحلي, فان القلق ينتاب الاقتصاديين حول التأثير المحتمل لتراجع الصادرات على النمو. وما يزيد الوضع تأزما الاضطراب الذي كانت فيه هونج كونج مؤخرا , حيث انخفض تدفق رؤوس الاموال الاجنبية بنسبة 50% هذا العام. وبما ان حوالي نصف الاستثمارات الاجنبية تأتي من او عبر هونج كونج, فان الاقتصاديين في الصين يراقبون الموقف ليروا فيما اذا كان المستثمرون سيشرعون بالهروب الى وجهة اخرى صارفين انظارهم عن المشاريع في الصين, وقد بدأت تظهر بوادر على تقلص الاستثمارات الاجنبية. تحديات داخلية وتواجه الصين تحديات هائلة هي اكبر حتى من تلك التي تمخضت عن ازمة آسيا المالية. الا ان ازمة آسيا (تزيد الطين بله) وتضاعف حجم الصعوبات . ومن بين المعضلات الشائكة, الشركات الحكومية, التي تمس الحاجة لاصلاحها, والعمالة الضخمة التي ستعاني من البطالة نتيجة عمليات اعادة الهيكلة لابد من استيعابها دون تحولها الى ازمة اجتماعية خانقة. كما ان نمو الطلب المحلي الذي تباطأ مؤخرا بصورة مقلقة ينبغي انعاشه لانه يمثل احد اكبر آمال الصين بالتوسع الاقتصادي على المدى الطويل. فاذا لم تبادر الصين بالتصدي لحل هذه المعضلات العويصة فان خللا فادحا سوف ينخر في صلب الاقتصاد الصيني ولذا فان روح اليقظة المتناهية باتت تظهر بجلاء على المسؤولين في بكين, بعدما رأوا بام عينهم جيرانهم يتساقطون تحت مطارق الازمة الاخيرة. ومع التأثير المباشر لزلزال اسواق جنوب شرقي آسيا مازال طفيفا, الا ان مشاعر القلق تستبد بالصينيين مخافة ان تسري عدوى الفواجع الاقتصادية لبلدهم خلال خمس سنوات.

تعليقات

تعليقات