زيادة الغلاء في اليمن مع اعلان موازنة 1998

تضاعفت مؤشرات الغلاء في اليمن على نحو مقلق مع بدء اعلان بنود وابواب موازنة عام 1998م التي تضمنت رفع الدعم عن المستحقات النفطية ومادتي القمح والدقيق مما يعني ارتفاع الاسعار لبقية المواد الغذائية واجور المباني والمنازل والمواصلات وغيرها... وسيتحمل العبء الاكبر لهذه الزيادة السواد الاعظم من موظفي الدولة ومحدودي الدخل, حيث تتسع الفجوة بين الاسعار والاجور... واصبح الحد الادنى للأجور يساوي في الشهر (40) دولارا امريكيا وتزامن صدور قوانين الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 98 مع بداية العام الثاني للخطة الخمسية الاولى للجمهورية اليمنية ومع السنة الثانية لتنفيذ برنامج الاصلاح الهيكلي الذي يأتي تواصلا لبرنامج الاصلاح المالي والاقتصادي للدولة... وقبل استعراض الملامح العامة للموازنة لابد من الاشارة هنا الى الملاحظات التالية: اولا: ان الحكومة تشير لاول مرة الى رفع الاسعار من خلال الموازنة. ثانيا: تخلص اليمن من اعباء معظم الديون البالغة ستة مليارات وسبعمائة مليون دولار من خلال ما تحقق في نادي باريس. ثالثا: توجه اليمن نحو البناء المؤسسي للدولة وتطوير اجهزة القضاء وتطبيق نظام الادارة المحلية على اساس اللامركزية المالية والادارية وترسيخ النهج الديمقراطي في البلاد القائم على التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي واحترام حقوق الانسان كما اكد ذلك رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح في كلمته بمناسبة حلول شهر رمضان. وفي هذا الاطار تستعد الحكومة اليمنية برئاسة الدكتور فرج بن غانم لاصدار قواعد تنفيذ الموازنة الجديدة وذلك بعد يومين من اصدار القوانين الجمهورية بشأن اعتمادها من قبل رئيس الجمهورية وبعد اربعة ايام من اقرار مجلس النواب لموازنة 98 بأغلبية 165 صوتا من 301 ورفض كتلة الاصلاح اثناء التصويت. ويقدر اجمالي الايرادات العامة بما في ذلك القروض والمساعدات المتوقعة للعام المالي 98 (336) ملياراً و (583) مليون ريال يمني مقابل 301.222 مليون ريال وبزيادة 35.361 مليون ريال بنسبة 11.7 في المائة بالمقارنة بموازنة 97 فيما قدرت الايرادات الجارية للعام 98 (286.515) مليون ريال مقابل (151.581) مليون ريال في تقديرات عام 97 وبزيادة قدرها 34.934 مليون ريال وبنسبة 13.9 في المائة. الزيادة المتوقعة في الايرادات العامة والجارية لا تمثل نموا حقيقيا وانما ترجع بصفة اساسية الى تقديرات مبيعات النفط والغاز المحلية بمبلغ 22 مليار ريال يمني نتيجة رفع الدعم عن هذه السلع وبالتالي ارتفاع اسعارها... بالاضافة الى زيادة في تقديرات القروض والمساعدات بمبلغ سبعة مليارات ريال في حين قدر العجز المالي بــ 13 مليارا و 471 مليونا و208 الاف ريال. واذا نظرنا الى النفقات العامة لوجدنا ان اجماليها يصل الى 350 ملياراً و 54 مليون ريال مقابل 326 مليارا و595 مليون ريال في موازنة السنة المالية 1997 اي بزيادة قدرها 23 مليارا و454 مليون ريال وبنسبة مقدارها 2ر7 في المائة. ومن الجدير بالاشارة الى ان اجمالي الاجور للعاملين يستوعب ثلث حجم الانفاق العام وهي بلا شك نسبة مرتفعة حيث تبلغ الاعتمادات المقدرة للأجور والمرتبات في الموازنة قرابة (100 مليار) مقابل 0.84 مليار ريال في موازنة العام الماضي اي بزيادة مقدارها 0.15548 مليار بنسبة مئوية مقدارها 18.4 في المائة. ومن اللافت للنظر ان الزيادة هنا رصدت لمواجهة التوظيف الجديد لعدد 25570 وظيفة وبمبلغ وقدره ستة مليارات ريال... ولوحظ ايضا اعتماد المزيد من النفقات الجارية للسلك الدبلوماسي مع ان ذلك يتعارض مع سياسة الاصلاح الاقتصادي والاداري... اما بنسبة الــ 10 في المائة كبدل غلاء معيشة للموظفين تعتبر لا تساوي شيئا... فهي ضئيلة للغاية مقارنة بالاعباء التي سيواجهها الموظفون وغيرهم من ذوي الدخل المحدود جراء رفع الدعم عن المواد الاساسية دقيق + قمح والمشتقات النفطية والكهرباء ومضاعفات ذلك الارتفاع على بقية السلع والخدمات الاخرى. كما ان احجام الحكومة اليمنية عن القيام بإصلاحات ادارية على الجهاز الاداري للدولة في السلكين العسكري والمدني قد انعكس سلبا من خلال النمو المضطرد لنفقات الاجور الاساسية للعاملين في جهاز الدولة الامر الذي ادى الى تضخيم مخصصاته بصورة لا تعكس الاحتياجات الحقيقية لهذا الكم من الموظفين الذين شكلوا بطالة مقنعة وعبئا على الموازنة العامة وفقا لتقرير اللجنة البرلمانية الخاصة بدراسة مشروع الموازنة. وحول النفقات التمويلية الجارية وفوائد الدين العام فقد حرصت الحكومة في بيانها المالي على تخفيض الدعم بحوالي 24 مليار ريال عن المواد الاساسية (دقيق + قمح) فإن ما تم تخصيصه لتعويض الفقراء ومحدودي الدخل غير كاف ولا يتناسب مع حجم المعاناة المتزايدة من جراء تتابع جرعات الاصلاح المرة... وتم اعتماد مخصصات شبكة الأمان الاجتماعي بحوالي ثلاثة مليارات واعتماد ملياري ريال لصندوق العمالة الفائضة وحوالي 1.64 مليار ريال كمخصصات لصناديق التقاعد وغلاء المعيشة... اي ان اجمالي مارصد لتلك الجهات حوالي 6941 مليون ريال كتعويض وهذا المبلغ لا يمثل سوى 29 في المائة من اجمالي حجم تخفيض دعم المواد الغذائية والمشتقات النفطية للعام المالي 98 واذا انتقلنا الى النفقات الاستثمارية فسنجد مقدارها في الموازنة العامة 98 تبلغ 56578 مليون ريال مقابل 41325 مليون ريال في موازنة العام السابق اي بزيادة مقدارها 15253 مليون ريال وبنسبة زيادة قدرها 3609 في المائة. وأول ما يلفت النظر لتوزيع اعتمادات الاستثمارات ان الناتج المحلي الاجمالي مازال منخفضا وهذا يتناقض مع ما تدعمه الحكومة من زيادة معدل النمو الاقتصادي لعام 98 الى 7.2 في المائة فقد بلغت نسبة الانفاق الاستثماري الى الناتج المحلي الاجمالي لعام 1998 حوالي 6.9 في المائة بدلا من 5.5 في المائة من الناتج المحلي لعام 97 اي بزيادة طفيفة مقدارها 1.4 في المائة. الى ذلك يتضح من خلال مراجعة البرنامج الاستثماري لعام 98 ومقارنته بالبرنامجين الاستثماريين لعامي 96 و 1997 ان معظم ما تضمنه البرنامج الجديد ماهو الا عبارة عن مشاريع مرحّلة من اعوام سابقة... وان نسبة المشاريع الجديدة لا تشكل شيئا يذكر مقارنة باجمالي عدد المشاريع المزمع تنفيذها خلال العام الجديد كما يذكر تقرير اللجنة البرلمانية. اما عن ملاحظات اللجنة البرلمانية المكلفة بدراسة مشروع الموازنة فيمكن اجمالها في الآتي: يلاحظ ان البيان المالي للحكومة لعام 98 جاء مبتورا ومختصرا وعائما ولا يمس من خلاله الجدية ولا يكشف عن حقيقة الاوضاع المالية والاقتصادية والنقدية في البلاد. الاصلاحات السعرية التي تنفذها الحكومة منذ عام 95 بدءاً بتنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي, وخاصة فيما يتعلق برفع الدعم لم يتم من خلال دراسة علمية عن مراحل التدرج للوصول الى الكلفة الاقتصادية للسلع المدعومة وهو ما اعترفت به الحكومة في البيان المالي لموازنة 97. لقد ركز برنامج الاصلاح على كبح جماح التضخم ووضعه على رأس قائمة اولوياته وامكن التوصل الى نتائج طيبة في جانب تحقيق استقرار العرض النقدي لكن تلك السياسات ادت الى اثار سلبية تمثلت في حالة خطيرة من الركود في الاوضاع الاقتصادية. يلاحظ ان حصة الحكومة من فائض الارباح متدنية مما يعكس تدهور اداء مؤسسات وحدات القطاع الاقتصادي من الناحية الادارية والاقتصادية. التأكيد على ان الحكومة تجاهلت توصيات المجلس السابق والخاصة باعادة النظر في هذا الجانب من خلال الغاء الاسماء المتكررة والوهمية في السكن العسكري والمدني. وفيما يتعلق بالمستقبل قدمت اللجنة البرلمانية للحكومة 41 توصية اهمها: ـ تطبيق اقرار الذمة المالية لمسؤولي وموظفي المصالح الايرادية. ـ وجوب الالتزام بتقديم مشروع الموازنات العامة للدولة في موعدها المحدد دستوريا وقانونيا دون اي تأخير مهما كانت الأسباب. ـ تطبيق قانون الاستثمار واتخاذ الاجراءات اللازمة لتشجيع الاستثمارات الوطنية والعربية والاجنبية. ـ توجيه معظم ايرادات النفط للتنمية بدلا من الانفاق الجاري والاستهلاكي. ـ ضرورة تنفيذ قانون التقاعد وقرار مجلس الوزراء بشأن احالة من بلغ احد الاجلين الى التقاعد دون استثناءات. ـ ضرورة وضع سياسة تعليمية واضحة وفق خطة مدروسة واعطاء عواصم المحافظات الاولوية في فتح الكليات الجامعية. ـ ضرورة الاهتمام بالثروة السمكية والمحافظة عليها من العبث والاصطياد العشوائي واتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية هذه الثروة المهمة من الاضرار الجسيمة التي تلحق بها من قبل شركات الاصطياد الاجنبية. ويتوقع العديد من المراقبين ان المرحلة المقبلة ستشهد جولة من التسخين بين المؤتمر الشعبي (الحزب الحاكم) و(الاصلاح) وخاصة مع بدء تنفيذ خطوات الاصلاح الاداري... وأولى هذه المؤشرات بدأت مع مطالبة الكتلة البرلمانية للاصلاح التي وافقت على تقرير الميزانية بتشكيل لجنة برلمانية لمراقبة كيفية تنفيذ الحكومة لبنود الميزانية وسير نشاطها اليومي... وهذه (الآلية) لايقرها الدستور اليمني... ولان مجلس النواب هو السلطة التشريعية والرقابية لكن آلية هذه الرقابة تتم من خلال استدعاء الحكومة في اي وقت ومسآلتها ومنح الحكومة الثقة وسحبها منها ولا يعني ذلك تشكيل لجنة برلمانية دائمة لذلك وتعليقا على الموازنة العامة والتي وصفها نواب التجمع اليمني للاصلاح بانها ميزانية فقر... والموافقة عليها تعني عدم وجود تنمية ولا مشاريع في حين اعتبرها النائب سلطان حزام (ناصري) انها ميزانية نهب وتكريس للمناطقية وسياسة الفساد والافساد. اما المتضررون من الموازنة الجديدة فلا تعليق لهم سوى انهم دخلوا عام 98 من باب (التكشف) ومرجع هذا التشاؤم سببه ان سياسة التقشف تعلنها الدولة ويتجرع مرارتها (المواطن) الذي يتفق الجميع سلطة ومعارضة على انه ضحية لنهب المال العام وتفشي الفساد والاثراء غير المشروع وتهرب كبار المسؤولين من دفع الضرائب... والاسراف في الاثاث وشراء السيارات وتوظيف القروض لصالحهم وكل ذلك من الخزينة العامة للدولة... ويبقى الرهان للايام المقبلة لتكشف مدى مصداقية (الاصلاحات) !. اليمن ـ البيان

تعليقات

تعليقات