أكدت ناينا سوبرول باترا، الرئيس التنفيذي في الشبكة الآسيوية للأعمال الإنسانية، أن الملاءة المالية القوية التي تتمتع بها دولة الإمارات تساعدها على زيادة مبادرات العطاء. وقالت: تقاس إنسانية أي مجتمع بمدى اهتمامه بالفئات الأكثر ضعفاً. لكن في المناطق التي تعاني من الأزمات حول العالم، يبدأ كثير من الأطفال حياتهم محرومين من الغذاء الذي يحتاجونه لينموا بصحة جيدة ويحظوا بفرصة لمستقبل أفضل.
وقالت: هنا تزداد أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه العمل الخيري في منطقة الخليج. وتتمتع دولة الإمارات بتاريخ طويل من العطاء والعمل الإنساني، يستند إلى قيم راسخة وتقاليد أصيلة في الزكاة والوقف. ومع توقع انتقال ثروات تقترب قيمتها من تريليوني دولار بين الأجيال في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد المقبل، تمتلك المنطقة الإمكانات المالية والرغبة في تقديم المزيد. لكن التحدي يكمن في إيجاد آلية واضحة ومنظمة تتيح توجيه هذه الموارد بفاعلية إلى المجالات التي تحتاج إليها.
ومع اقتراب اليوم الوطني للعمل الخيري في 15 نوفمبر، نستذكر بكل تقدير شجاعة العاملين في الخطوط الأمامية لمواجهة أشد الأزمات تعقيداً حول العالم، وما يبذلونه من جهود في ظروف بالغة الصعوبة. لكن هذه المناسبة تدعونا أيضاً إلى النظر في حجم التمويل المخصص لدعم جهودهم، والتساؤل عن أوجه القصور التي لم تُعالج بعد. ولعل أبرز هذه الثغرات وأكثرها إهمالاً ما يتعلق بتغذية الأمهات والأطفال.
تُعتبر الأيام الألف الأولى من حياة الطفل، منذ بداية الحمل وحتى بلوغه عامه الثاني، المرحلة الأكثر أهمية في نمو الإنسان. ففي هذه الفترة، تتشكل الروابط في الدماغ وتنمو الأعضاء ويتطور الجهاز المناعي. وما يحدث خلال هذه الأيام الألف لا يمكن تداركه لاحقاً. فالطفل الذي يعاني سوء التغذية خلال هذه المرحلة لا يستطيع ببساطة تعويض ما فاته بمجرد توفر الغذاء لاحقاً، وقد يخلّف سوء التغذية آثاراً دائمة على الأطفال، منها ضعف القدرات الذهنية وتأخر النمو وضعف المناعة. فهؤلاء الأطفال هم من سيصبحون في المستقبل موظفين ومبتكرين وآباءً وأمهات وقادة. لكن سوء التغذية قد يحرمهم من تحقيق كامل إمكاناتهم حتى قبل أن ينطقوا بكلماتهم الأولى، بما يهدد مستقبل دول بأكملها.
ولا تقف تداعيات سوء التغذية عند مستقبل الأطفال وحدهم، بل تمتد إلى حياتهم نفسها. وتعكس الأرقام حجم هذا التحدي، مع توقعات بارتفاع عدد وفيات الأطفال حول العالم إلى 4.8 ملايين حالة بحلول نهاية عام 2025، في أول ارتفاع من نوعه خلال هذا القرن.
ويفترض أن يدفعنا حجم الأزمة إلى التحرك. فمن المتوقع أن يصل عدد وفيات الأطفال عالمياً إلى 4.8 ملايين حالة بحلول نهاية عام 2025، في أول ارتفاع من نوعه خلال هذا القرن. كما عانى 38 مليون طفل إضافي من سوء التغذية الحاد خلال السنوات الثلاث الماضية وحدها، فيما تحدث ثلاث من كل خمس وفيات للأمهات حول العالم في البلدان المتأثرة بالنزاعات. وفي منطقتنا، يواجه نحو 39 مليون شخص في غرب آسيا الجوع بالفعل، فيما تهدد النزاعات المستمرة في عام 2026 بدفع 45 مليون شخص إضافي نحو الجوع الشديد، ما سيزيد مخاطر إصابة الأطفال بالأمراض والهزال والوفاة.
وتزداد هذه الأزمة إلحاحاً لأنها نتاج عوامل متداخلة تتفاقم باستمرار. ونشير إليها باللغة الإنجليزية باسم (3 Cs) أو "العوامل الثلاثة"، وهي تغير المناخ وجائحة كوفيد-19 والنزاعات. فقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى اضطراب إمدادات الغذاء وزيادة الضغط على الخدمات الصحية وتراجع دخل الأسر. وغالباً ما تواجه المجتمعات المتضررة هذه التحديات في وقت واحد، وتكون الأمهات والأطفال الصغار الأكثر تأثراً بتداعياتها.
ولا تقتصر التداعيات على الصحة. فسوء التغذية يكلّف الدول ما يصل إلى 3% من ناتجها المحلي الإجمالي سنوياً، فيما يكلف التقزّم في مرحلة الطفولة القطاع الخاص أكثر من 264 مليار دولار سنوياً. وقد يخسر الأشخاص الذين عانوا التقزّم في طفولتهم ما يصل إلى 20% من دخلهم طوال حياتهم. لذلك، عندما نفشل في الاستثمار في الأيام الألف الأولى، فإننا لا نخذل الأطفال فحسب، بل نتخذ خياراً ستتحمل اقتصادات العالم تكلفته على مدى أجيال.
ومع ذلك، لا يزال التمويل المخصص لمواجهة هذه الأزمة بعيداً كل البعد عن المستوى المطلوب. إذ يذهب أقل من 1% من إجمالي المساعدات الإنمائية العالمية إلى التدخلات ذات الأثر الكبير في مجال التغذية. وتبلغ فجوة تمويل التغذية عالمياً حالياً ملياري دولار سنوياً، وهي آخذة في الاتساع. كما انخفض تمويل التغذية بنسبة 44%، وتراجعت شحنات الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام بأكثر من 15%. وفي الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات، يسير العالم في الاتجاه المعاكس.
ونعمل في الشبكة الآسيوية للأعمال الإنسانية على بناء هذا المسار، من خلال ربط الجهات الخيرية والمؤسسات والمكاتب العائلية في آسيا وغرب آسيا بتدخلات موثوقة وعالية الأثر في مجال التغذية، ومساعدتها على تحديد المجالات التي يمكن لرؤوس أموالها أن تحقق فيها أكبر أثر ممكن. واستكملنا هذه الجهود خلال مؤتمرنا العالمي الذي عُقد في الهند في أغسطس، حيث حظيت التغذية باهتمام خاص ضمن التزامنا الأوسع بإيجاد حلول للتحديات الأكثر إلحاحاً في آسيا.
وتؤكد الأدلة أن كل دولار يُستثمر في التغذية يحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً بقيمة 23 دولاراً. فالحلول متوفرة والأنظمة اللازمة لتقديم الدعم قائمة بالفعل، لكن ما ينقص هو التمويل الكافي لإيصال هذا الدعم إلى الأمهات والأطفال الأكثر حاجة إليه، خلال المرحلة الحاسمة التي يمكن فيها إحداث فرق حقيقي في حياتهم.
ولا يمكن تأجيل هذا الدعم، فالأزمة ليست بعيدة عنا، بل تحدث اليوم في منطقتنا وتمس حياة أطفال لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم أو إيصال أصواتهم. ومن هذا المنطلق، ندعو رواد العمل الخيري والمكاتب العائلية والمؤسسات الخيرية في دول الخليج إلى إعطاء الاستثمار في التغذية ما يستحقه من اهتمام وأولوية، لما له من دور أساسي في تحديد مستقبل جيل كامل، بين أن ينمو ويتمكن من تحقيق إمكاناته أو أن تضيع عليه هذه الفرصة. فالأيام الألف الأولى من حياة الطفل لا تحتمل الانتظار، ولا مجال أمامنا للتأخر في التحرك.

