«ستاندرد تشارترد»: مرحلة جديدة لأسواق الدين في المنطقة

سلمان أنصاري
سلمان أنصاري

أكد سلمان أنصاري، الرئيس العالمي لأسواق رأس المال، «ستاندرد تشارترد»، أن المرحلة الراهنة لأسواق تمويل دين رأس المال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تتسم بحضور المخاطر الجيوسياسية، وبقدرة الأسواق على مواصلة أداء دورها بكفاءة رغم هذه التحديات.

وقال: نجح مُصدرو المنطقة في جمع 133.9 مليار دولار من الأسواق الدولية منذ بداية العام وحتى الآن، بزيادة تقارب 9% مقارنةً بـ123.1 مليار دولارخلال الفترة نفسها من عام 2025، وهو نمو تحقق رغم البيئة الصعبة التي فرضتها الظروف المحيطة. لكن اللافت لا يقتصر على هذا الرقم؛ إذ إن سرعة عودة الأساسيات إلى صدارة قرارات المستثمرين تكشف الكثير أيضًا، مع إعادة بناء السوق على قاعدة أوسع من المقترضين، واستجابة أكثر انتقائية وتمييزًا من جانب المستثمرين.

وأضاف: كانت الصورة مختلفة تمامًا في السوق مع بداية اندلاع الأزمة في المنطقة. فقد شهد النشاط تباطؤًا ملحوظًا في مارس على خلفية التوترات الإقليمية، إذ تراجعت الإصدارات الشهرية إلى نحو 3 مليارات دولار، بانخفاض يقارب 60% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. غير أن التعافي الذي أعقب ذلك جاء سريعًا وملحوظًا في آنٍ واحد. وبحلول أواخر أبريل ومايو، استؤنف النشاط على مستوى الجهات السيادية والمؤسسات المالية والشركات، فيما عاد أكثر من 40 مُصدرًا إلى الأسواق خلال الربع الثاني، حيث بلغ إجمالي التسعير نحو 66 مليار دولار عبر 85 شريحة، بما يؤكد أن المقترضين والمستثمرين على حد سواء لم يكونوا مستعدين للبقاء على الهامش إلى أجل غير مسمى.

كما اتسمت عودة النشاط إلى السوق باتساع نطاقها، إذ أسهمت كل من الجهات السيادية والشركات والجهات المرتبطة بالحكومات، إلى جانب البنوك، بنحو الثلث من إجمالي الإصدارات خلال النصف الأول من العام. وعلى أساس النمو السنوي، سجل مُصدرو السندات من الشركات والبنوك أقوى معدلات النمو، في حين حافظت أحجام الإصدارات السيادية على استقرارها إلى حد كبير. ويبعث هذا النمط من الإصدارات على الاطمئنان بطبيعة الحال، إذ إن السوق الذي يستند إلى قاعدة متنوعة من فئات المقترضين يتمتع بعمق وقدرة أكبر على الصمود مقارنةً بسوق يعتمد بدرجة كبيرة على الإصدارات السيادية وحدها. كما يتيح هذا التنوع للمستثمرين فرصًا أوسع لتقييم القيمة النسبية وتكوين رؤى ائتمانية مستقلة حول مختلف الجهات المصدرة في أنحاء المنطقة.

وقال: يقدم سلوك المستثمرين خلال فترة تصاعد حدة التوترات مؤشرًا مهمًا بالقدر نفسه. فقد جاء تصحيح الأسعار في السوق بصورة منظمة؛ إذ اتسعت فروق العائد على السندات السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي ذات التصنيف الائتماني المرتفع بنحو 20 إلى 35 نقطة أساس عند ذروة الاضطرابات في أواخر مارس، وبحلول منتصف مايو، كانت غالبية السندات السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي تتداول عند مستويات ما قبل الصراع أو بفارق لا يتجاوز بضع نقاط أساس عنها، في عودة اكتملت خلال أسابيع قليلة. ومع مرور الوقت، أصبح المستثمرون أكثر قدرة على التمييز بين التطورات الجيوسياسية قصيرة الأجل والأسس المالية والمؤسسية والسياسات الاقتصادية الأعمق التي تدعم المنطقة.

وتابع: يعكس هذا التمييز الكيفية التي باتت تُقيَّم بها المنطقة اليوم. فقد واصلت الموازنات السيادية، والأطر المؤسسية، وبرامج التنويع الاقتصادي، والأساسيات الخاصة بكل مُصدر، لعب دور محوري في توجيه قرارات الاستثمار، ولم يعد الائتمان في المنطقة يُنظر إليه باعتباره انكشافاً موحدًا على المخاطر. بل يُقيّم المستثمرون الجهات السيادية والبنوك والشركات والجهات المرتبطة بالحكومات كلٌّ على حدة، مع التمييز بين الدول والقطاعات وآجال الاستحقاق، وأخذ تأثير التطورات الإقليمية على كل جهة ائتمانية على حدة في الحسبان.

وقال: يفخر «ستاندرد تشارترد» بدوره الريادي في قيادة الحصة الأكبر من الإصدارات التي شهدها هذا السوق خلال عودة نشاطه، إذ قاد إصدارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاوزت قيمتها 80 مليار دولار أميركي، مع ارتفاع حصته السوقية إلى أحد أعلى مستوياتها على الإطلاق، وتصدره المرتبة الأولى على مستوى المنطقة. ويعكس ذلك قوة خبرة البنك الإقليمية، وانتشاره العالمي، والتزامه المتواصل بدعم عملائه.

ومع دخولنا المرحلة المهمة التي تعقب موسم الصيف، تبقى النظرة المستقبلية إيجابية. وتتزايد قوائم التمويل، فيما يواصل كل من المُصدرين والمستثمرين الدوليين البحث عن فرص استثمارية عالية الجودة في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، من المتوقع أن تواصل قدرة المنطقة على الصمود موضع اختبار، ليس فقط في ظل احتمال تجدد تقلبات الأسواق، وإنما أيضًا بفعل اتجاهات عالمية أوسع نطاقًا، وفي مقدمتها، على سبيل المثال، شركات التكنولوجيا العملاقة عالميًا، التي تؤدي برامج الاقتراض القياسية التي تنفذها إلى زيادة حدة المنافسة على السيولة المتاحة في أسواق الدخل الثابت العالمية. وتدخل المنطقة هذه المنافسة انطلاقًا من موقع راسخ أثبتت فيه قدرتها على الصمود والمرونة.