تشهد تحولاً استراتيجياً فارقاً يعيد رسم مسارها الاقتصادي ttدبي - البيان أكدت غرفة التجارة الأمريكية أن دولة الإمارات حجزت لنفسها موقعاً فريداً في الذكاء الاصطناعي، حيث تشهد تحولاً استراتيجياً فارقاً يُعيد رسم مسارها الاقتصادي في القرن الـ21، ويمثل الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي للانتقال من اقتصاد قائم على الموارد الهيدروكربونية إلى اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي ـ بحسب موقع غرفة التجارة الأمريكية ـ مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح مدمجاً بعمق في الصلب التنفيذي للدولة، ممتداً إلى مجالات حيوية كالصحة، والأمن القومي، والتعليم، والإدارة البيئية، مما يعزز قدرة الحكومة على تحقيق مخرجات ملموسة، ويجعل من الكفاءة في نشر الذكاء الاصطناعي معياراً رئيسياً لقياس أداء الدول ومشروعيتها المؤسسية في العصر الحديث.
ومن خلال هذا التسارع في بناء وتوسيع القدرات، لا تموضع الإمارات نفسها كمجرد مشارك في السباق العالمي، بل كصانع صاعد للمنظومة بأكملها؛ إذ إن الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية، واستقطاب الكفاءات، واستحداث الأطر التنظيمية، مكّنت الدولة من التأثير المباشر في وضع المعايير الدولية، ونماذج التطبيق، وديناميكيات السوق.
ويعود ذلك إلى بناء «منظومة تراكمية» تتكامل فيها الرؤية الاستراتيجية مع تخصيص رؤوس الأموال، وجذب العقول، وتطوير البنية التحتية، وهو ما يولد أثراً عملياً واضحاً يدفع عجلة البحث والتطوير والتطبيق إلى الأمام باستمرار.
تموضع ذكي
على الصعيد الجيوسياسي، تتسم التحالفات الإماراتية بالدقة والتخطيط المحسوب؛ حيث يذهب الاندماج الوثيق مع المنظومات التكنولوجية والسياسات الأمريكية إلى ما هو أبعد من مجرد التعاون التجاري؛ فهو يمنح الإمارات وصولاً مباشراً إلى أحدث القدرات التقنية المتقدمة، ويدمجها في شبكة موثوقة تشارك في صياغة القواعد العالمية، وأطر الحوكمة، وهيكل القيادة المستقبلية للذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تشهد الخارطة التنافسية الدولية تحولات جذرية تخلق فرصاً ومخاطر متزامنة؛ فبرغم جهود الاحتواء الأمريكية، يُرجح أن تحافظ المنظومة الصينية للذكاء الاصطناعي على روابط قوية مع دول الجنوب العالمي، مما يعزز نفوذها في الأسواق الدولية ويشكل تحدياً كبيراً أمام الذكاء الاصطناعي الأمريكي، وهو تحدٍ يظل المبتكرون الأمريكيون في موقع يؤهلهم لتجاوزه.
وفي الوقت نفسه، يواجه الاتحاد الأوروبي خطر الوقوف في منطقة يكتفي فيها بفرض المعايير التنظيمية مع التراجع في بناء «رواد عالميين» ينافسون في هذا المجال؛ إذ أثبتت التجربة أن صياغة المعايير وحدها لا تكفي في سباق حاسم تحكمه «القدرة التنافسية والتطبيق العملي» الذي تقوده واشنطن وبكين.
هذا المشهد الثلاثي الأبعاد، الحجم الأمريكي، والطموح الصيني، والحذر الأوروبي، أوجد مساحة استراتيجية فريدة للإمارات، باعتبارها دولة أثبتت قدرتها على التحرك السريع، والتطبيق على نطاق واسع، والعمل بمرونة.
استراتيجية وطنية وبنية تحتية سيادية
وتستند هذه الرؤية إلى «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031»، والتي تعزز طموح الدولة في أن تصبح قوة عالمية في هذا القطاع. وتتجلى هذه الالتزامات في خطوات سبّاقة، مثل تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، وتأسيس «جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي» لرفد البحث العلمي والتعليم المتقدم. وتأتي منصات مثل «دبي للذكاء الاصطناعي» ونماذج «فالكون» لتعكس الجهود العملية لدمج الذكاء الاصطناعي في الحوكمة والابتكار.
وعلى صعيد التشريعات، تقود الإمارات أطراً تنظيمية مرنة للتكنولوجيات الناشئة من خلال «المختبر التنظيمي» والمساحات التجريبية «المخصصة لتقنيات الاتصالات وتكنولوجيا التجارة». وتتيح هذه البيئات تشريعات ديناميكية تشجع الابتكار وتخفض الحواجز أمام الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية العالمية.
وتظل الشراكة مع الولايات المتحدة حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية؛ ويبرز ذلك في التعاون الاستثماري لشركة «إم جي إكس» في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع «بلاك روك» و«مايكروسوفت»، إضافة إلى الشراكة بين «G42» و«مايكروسوفت».
وتظهر هذه التحالفات أولويات الإمارات في بناء قدراتها التقنية بالتنسيق مع واشنطن، بالتوازي مع حماية نهجها السيادي في إدارة التكنولوجيا. ولتدعيم هذه الشراكات، استثمرت الدولة بكثافة في البنية التحتية الصلبة، شملت مجمع «أرتيميس» التابع لـ«G42»، والحواسيب الفائقة في «معهد الابتكار التكنولوجي» إلى جانب تأمين شريحة «H100» المتقدمة من شركة «إنفيديا» مما يؤكد عمق الشراكة الإماراتية ـ الأمريكية ويضع الدولة مركزاً عالمياً للحلول التقنية.
استثمار في العنصر البشري
ويعد إعداد القوى العاملة الوطنية لمستقبل الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية؛ حيث تُسهم الإصلاحات التعليمية، وبرامج إعادة التأهيل، والبرامج الأكاديمية لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في رفد السوق بروافد مستمرة من المواهب، كما تُسهم سياسات مثل «الإقامة الذهبية» في جذب الخبراء والعلماء الدوليين إلى المنطقة.
وعلى مستوى التطبيق العملي، أظهرت الإمارات قيادة ميدانية في إدماج الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الحيوية كالرعاية الصحية، والمالية، والتعليم، والنقل، وتتنوع هذه التطبيقات بين أنظمة إدارة أقسام الطوارئ المدارة بالذكاء الاصطناعي ومشاريع تحسين حركة المرور، مما ينعكس مباشرة على كفاءة الخدمات العامة والنمو الاقتصادي.
وفي المقابل، تدرك شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية احتياجها لتوسيع بنيتها التحتية عالمياً، نظراً لعدم قدرة السوق الأمريكي وحده على استيعاب حجم الطلب الهائل على الطاقة الحسابية، مما يجعل الشراكات الدولية، وخاصة مع الإمارات، أمراً حيوياً لا غنى عنه.
وحتى في ظل التوترات الإقليمية، تواصل أبوظبي المضي قدماً بثبات في توسيع قدراتها الحسابية، وتعميق روابطها التقنية مع واشنطن، مدعومة بمشاريع مشتركة وأطر عمل متينة، مثل «شراكة التسريع في الذكاء الاصطناعي بين الإمارات والولايات المتحدة» مما يؤكد استقرار ورسوخ الرؤية الإماراتية في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ركيزة استراتيجية دائمة.

