عهد جديد للأصول الأمريكية.. تراجع في ثقة المستثمرين أمام ارتفاع جاذبية الأسهم

أصول
أصول

لعقود، ظلت سندات الخزانة الأمريكية تمثل العنوان الأبرز للأمان في الأسواق العالمية، إذ يلجأ إليها المستثمرون حين تضطرب الأوضاع وتزداد المخاطر، لكن هذه القاعدة بدأت تتغير، مع انتقال بوصلة التدفقات الأجنبية تدريجياً من الدين الأمريكي إلى الأسهم، فكيف ذلك؟

تجاوزت مشتريات المستثمرين الأجانب من الأسهم الأمريكية تدفقاتهم إلى سندات الخزانة، وذلك للمرة الأولى هذا القرن، باستثناء فترات وجيزة خلال جائحة كورونا وما بعد الأزمة المالية العالمية، في تحول نادر يعكس تغيرًا في تفضيلات المستثمرين تجاه الأصول الأمريكية.

فبحسب تحليل أجراه «دويتشه بنك» لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية، بلغت التدفقات الأجنبية إلى الأسهم الأمريكية 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المنتهي في يونيو، مقابل 2% لسندات الخزانة.

ويرجع هذا التحول إلى ارتفاع جاذبية الأسهم الأمريكية، بدعم من قوة أرباح الشركات وطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مقابل تزايد المخاوف بشأن الدين والعجز والتضخم في الولايات المتحدة، ما أضعف جاذبية سندات الخزانة كملاذ آمن.

وأسهمت السياسات المتقلبة للرئيس دونالد ترامب في تراجع ثقة المستثمرين بالأصول الأمريكية، كما أثارت تعهداته بالإنفاق (مثل تعهده الأخير بدفع 5 آلاف دولار لكل أمريكي بالغ حال فوز الجمهوريين بانتخابات التجديد النصفي) المخاوف بشأن اتساع العجز والدين الحكومي، الذي تجاوز مؤخرًا 40 تريليون دولار.

وتزداد جاذبية الأسهم الأمريكية مع استمرار نمو أرباح الشركات، مدفوعة بالإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، بينما يواصل مؤشر «إس آند بي 500» تحقيق مكاسب قوية، إذ يتجه للارتفاع بأكثر من 10% للعام الرابع على التوالي.

وقفز صافي التدفقات الأجنبية إلى الأسهم الأمريكية بنحو 44% خلال العام المنتهي في يونيو 2026، ليبلغ 917.7 مليار دولار، مقارنةً بـ636.5 مليار دولار خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يونيو 2025.

في المقابل، تراجع صافي مشتريات المستثمرين الأجانب من القطاع الخاص لسندات الخزانة بأكثر من 40% إلى 329 مليار دولار خلال العام المنتهي في يونيو، ما يشير إلى أن ضعف الإقبال عليها لا يعد حركة عابرة، بل يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو تقليص التعرض للدين الأمريكي.

ويرى جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث العملات العالمية لدى «دويتشه بنك»، أن هذا التحول يعكس قوة القطاع الخاص الأمريكي في مقابل تدهور الوضع المالي للحكومة، معتبرًا أن الأصول الأمريكية لم تعد تحظى بالمكانة نفسها كملاذ آمن، بل أصبحت الخيار الأكثر مخاطرة.

ويعني هذا التحول (في حال استمراره) أن قوة الدولار قد ترتبط مستقبلًا بتدفقات المستثمرين الأجانب إلى الأسهم الأمريكية أكثر من ارتباطها بتدفقات سندات الخزانة، ما قد يغير نمط تحرك العملة الأمريكية، لتستفيد من شهية المخاطرة بدلًا من اللجوء إليها وقت الأزمات.

وفي النهاية، يكشف هذا التحول استمرار مخاوف المستثمرين من تقلب السياسات الأمريكية، وهو ما ظهر بوضوح عقب فرض الرسوم الجمركية العالمية في أبريل 2025، حين تعرضت الأسهم والسندات والدولار لموجة بيع متزامنة، قبل أن تعود الأموال إلى الأسهم للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي.