«غوبي» تتنفس ذهباً.. مستقبل الطاقة في «قنينة» هواء

في الوقت الذي يتصارع فيه العالم على تأمين معادن الليثيوم والكوبالت النادرة لصناعة البطاريات، قررت الصين الرهان على مورد لا ينضب ومجاني تماماً وهو الهواء الذي نتنفسه. في مدينة «غولموند»، يرتفع الآن صرح تقني مهيب يعتمد على تكنولوجيا «تخزين الطاقة بالهواء السائل» (LAES)، في محاولة لترويض تقلبات الطاقة المتجددة.

تعتمد فكرة المشروع، الذي طورته «مجموعة الصين للاستثمار في التنمية الخضراء» بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم، على مبدأ بسيط، ولكنه فائق التعقيد في التنفيذ، حيث يتم الشحن خلال ساعات النهار عبر استغلال الفائض من مزرعة شمسية ضخمة (بقدرة 250 ألف كيلوواط) لضغط الهواء وتبريده إلى درجة حرارة مرعبة تصل إلى -194 درجة مئوية. عند هذه الدرجة، يتحول الهواء إلى سائل، ما يقلص حجمه بمقدار 700 مرة، ويُخزن في خزانات ضخمة معزولة تشبه «الترمس» العملاق. وعند حاجة الشبكة للكهرباء (ليلاً أو وقت الذروة)، يتم تسخين الهواء السائل، ما يؤدي إلى تمدده الانفجاري وتحوله لغاز يندفع بقوة هائلة لتدوير توربينات تولد الكهرباء.

حاجز الخيال

ما يميز منشأة «غولموند» ليس فقط حجمها، بل كفاءتها المذهلة التي تجاوزت التوقعات، إذ لها القدرة على توفير 600 ألف كيلوواط/ساعة في كل دورة تفريغ. مع تشغيل مستمر للشبكة لمدة تصل إلى 10 ساعات. فضلاً عن كفاءة استعادة البرودة التي تتخطى 95%، وهو إنجاز علمي يقلل من فقدان الطاقة الذي كان العائق الأكبر أمام هذه التقنية سابقاً.

بينما تقود الصين السباق بمشروعها في صحراء غوبي، لا يقف العالم متفرجاً حيث تقترب المملكة المتحدة من تدشين محطتها الخاصة في «كارينغتون» بمانشستر، والمقرر اكتمالها خلال العام الجاري 2026، لتكون ركيزة الطاقة النظيفة في بريطانيا.

بينما تضخ كوريا الجنوبية استثمارات ضخمة في أنظمة LAES واسعة النطاق، مؤمنة بأن الليثيوم لن يكون كافياً وحده لتخزين طاقة المدن الكبرى.

هذا المشروع يمثل «ضربة معلم» استراتيجية؛ فهو يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويحل مشكلة «تقطع» الطاقة الشمسية والرياح. كما أن اكتشاف 1.5 مليون طن من الهيدروجين الطبيعي في نفس المنطقة الصحراوية يعزز من مكانة مقاطعة «تشينغهاي» عاصمة عالمية للطاقة النظيفة القادمة.

النفط والغاز

والسؤال الملح والمزلزل هل سيسحب «تخزين البرودة» البساط من تحت أقدام النفط والغاز؟
تعتمد دول كثيرة حالياً على محطات غازية أو تعمل بالديزل يتم تشغيلها فقط عند زيادة الطلب (وقت الذروة). ومع دخول «بنك الطاقة الهوائية» في صحراء غوبي ومحطة «كارينغتون» في بريطانيا الخدمة، سيتم الاستغناء عن هذه المحطات تماماً وتشير التقديرات إلى انخفاض الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المخصص لتوليد الكهرباء بنسبة 15% بحلول نهاية 2026، ما سيؤدي إلى وفرة في المعروضوهبوط في الأسعار العالمية

في الأزمات، تلجأ الدول لحرق النفط الخام أو المازوت لتوليد الكهرباء. ونجد تقنية الهواء السائل توفر تخزيناً لمدد تصل إلى 24 ساعة أو أكثر بكلفة زهيدة. وفقدان النفط وظيفته كونه «ملاذاً أخيراً» للطاقة الكهربائية، وسيقلص الطلب العالمي بنحو 1.2 إلى 1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما يكفي لدفع أسعار برنت للهبوط تحت حاجز الـ60 دولاراً إذا لم تتدخل «أوبك+» لخفض الإنتاج لأن اكتشاف الصين لـ1.5 مليون طن من الهيدروجين الأبيض في الصحراء بجانب محطات الهواء السائل يخلق نظاماً طاقياً مستقلاً تماماً.