«ليس من الصعب تصور سيناريو يحصل فيه كوكبنا على كامل طاقته من الثوريوم». هذا ما كتبه خبير الطاقة العالمي كيرك سورنسين في عام 2006 في مدونته الإلكترونية التي تحمل عنوان «الطاقة من الثوريوم».
ربما يعترض البعض على جسارة هذا التصور، لكن في ظل الأزمة الراهنة التي تخيم على محطة فوكوشيما دايشي للطاقة النووية في اليابان، فلقد سلطت الأضواء فجأة على مصدر الطاقة البديل الذي يؤيده سورنسين.
ويقترح سورنسين وآخرون بناء مفاعلات تستخدم عنصرا يوجد طبيعياً يدعى الثوريوم باعتباره المادة الأولية الرئيسية، بدل اليورانيوم أو البلوتونيوم. ومع أن التكنولوجيا اللازمة لمثل هذا التحول تحتاج إلى الكثير من التطوير حتى تكتمل،.
حيث انها تختلف كثيراً عن تكنولوجيا معامل الطاقة النووية التقليدية التي تعمل على وقود اليورانيوم والبلوتونيوم، فإن المؤيدين يقولون إنها ستكون محصنة ضد المشاكل التي أصابت مفاعلات فوكوشيما، ومن المفترض أيضاً أن تنتج كميات أقل من النفايات المشعة بالمقارنة مع المفاعلات التقليدية.
«تتمتع تلك التكنولوجيا بمزايا سلامة استثنائية حقاً»، كما يقول سورنسين، الذي يترأس الآن عمليات التكنولوجيا النووية في شركة تيليداين براون إنجنيرينج في هانتسفيل بولاية ألاباما الأميركية.
لكن سورنسين ليس وحده في هذا الحماس الشديد لعنصر الثوريوم، الذي يتوافر عالمياً بكميات أكبر من اليورانيوم -235، الوقود المستخدم حالياً في مفاعلات اليورانيوم التقلديدية.
مزايا السلامة
ويرى البعض أن الطاقة النووية، وبالأخص طاقة الثوريوم، تمثل أفضل طريقة لمحاربة التغير المناخي.ويقول روجر بارلو، عالم الفيزياء الجزيئية في جامعة مانشستر البريطانية: «علينا أن نتوقف عن استخدام أصناف الوقود الكربونية، ولا أظن أن موارد الطاقة المتجددة تكفي لسد حاجتنا».
ومع هذا فإن الثوريوم ليس سوى طريقة واحدة من بين طرق ممكنة عديدة لتحسين سلامة محطات الطاقة النووية.كما أن مفاعلات الثوريوم تنطوي هي الأخرى على تحديات فريدة لا بد من التغلب عليها قبل التوصل إلى أي تطبيقات عملية لها على أرض الواقع. ناهيك عن تكلفة مثل هذا التحول.
تقع في قلب مفاعل ثوريوم الفلوريد السائل حجرة مملوءة بالثوريوم المذاب في الملح المصهور مثل فلوريد الليثيوم في ظروف حرارة تبلغ مئات الدرجات المئوية. لكن الثوريوم نفسه يكاد يكون غير مشع أبداً، لذلك تضاف إليه كمية قليلة من اليورانيوم - 233 لإطلاق شرارة التفاعلات النووية.
ومثل اليورانيوم - 235، فإن اليورانيوم 233 عنصر مشع، ولذلك فهو ينشطر نووياً منتجاً الحرارة والإلكترونات. وتصطدم تلك الإلكترونات بذرات الثوريوم محولة إياها إلى ذرات يورانيوم 233 ومنتجة الحرارة خلال هذه العملية.
ثم تنشطر ذرات اليورانيوم 233 بدورها منتجة المزيد من الإلكترونات. «إنها عملية متواصلة من تحويل الثوريوم إلى يورانيوم 233 ثم حرقه وتوليد ذرات يوارنيوم جديدة.» كما يقول سورنسين.
انخفاض المخاطر
ويتم تبريد هذا الوقود النووي خلال مروره عبر مبادل حراري يحتوي على المزيد من الملح المصهور، ويمكن بعد ذلك استخدام الملح المسخن لإدارة الزعنفات وتوليد الكهرباء.ومن دون استخدام الماء في عملية التبريد، تنخفض مخاطر حدوث انفجارات في المفاعل إلى حد بعيد. ومن الجدير بالذكر هنا أن الانفجارات التي وقعت في محطة فوكوشيما نتجت عن تراكم البخار وتوليد الهيدروجين نتيجة لتفكك ذرات الماء.
كما أن من شأن استخدام وقود سائل أن يقلص حجم النفايات المشعة. ففي مفاعلات اليورانيوم التقليدية، يتعين نزع قضبان الوقود الصلب من قلب المفاعل قبل فترة طويلة من اضمحلال نفاياتها المشعة.
وقبل أن يستهلك وقود اليورانيوم بالكامل. وذلك لأن مستويات الإشعاعات المفرطة تجعل قضبان الوقود تنتفخ وتتصدع، مما يسمح بتسرب الإشعاعات.
وفي المقابل، فإن الوقود في المفاعل السائل لا يتأثر بالإشعاعات، ولذلك فمن الممكن الاستمرار في استخدامه إلى أن يتم استهلاك جميع مكوناته المشعة أو تفككها إلى نفايات غير مشعة.
ومن المزايا الأخرى أن الأملاح الفلوريدية غير قابلة للاشتعال، بخلاف قضبان الوقود الصلب التي إذا اشتعلت يمكن أن تطلق ألسنة من الأدخنة المشعة.
لكن الصعوبة الأساسية في استخدام الأملاح الفلوريدية هي أنها شديدة التآكل مما يحتم استخدام مواد خاصة للمحافظة عليها. كما ان قدرة مفاعلات الثوريوم السائل على استهلاك معظم فضلاتها المشعة لا تعني إمكانية الاستغناء عن استخدام مخازن آمنة لبعض المواد المشعة الأطول أمداً.
من هنا يشدد الكثير من الخبراء على ضرورة اجراء المزيد من أبحاث السلامة المستفيضة لإثبات جدوى التحول إلى مفاعلات الثوريوم على المدى البعيد.
