شهدت أجزاء عدة من العالم في الآونة الأخيرة ازدياداً في انهمارات الأمطار الغزيرة التي تسببت بدمار كبير في بعض الحالات، ما دفع البعض إلى إلقاء اللوم على التغير المناخي.

ففي شهر يوليو الماضي هبت رياح موسمية رهيبة على شمالي باكستان وانهمر خلال بضعة أيام فقط أكثر من ‬300 ميليمتر من الأمطار، تدفقت كميات كبيرة منها إلى نهر إندوس متسببة بمقتل قرابة ‬200 شخص بينما طالت أضرار الفيضانات الناتجة نحو ‬20 مليوناً آخرين.

ولم تكن باكستان البلد الوحيد الذي عانى، فلقد انضم إليه كل من أستراليا، الصين، تايلاند، البرازيل، البلقان، بنغلاديش، اندونيسيا، كولومبيا، الفلبين، سريلانكا وولاية تنيسي الأميركية التي شهدت جميعها فيضانات مدمرة السنة الماضية. وعلاوة على ذلك، فلقد شهدت مناطق عدة بالعالم سقوط كميات كبيرة من الثلوج، ما تسبب بفوضى كبيرة في أنظمة النقل. وعلى الصعيد العالمي، سجلت سنة ‬2010 انهمار أكبر كميات من الأمطار منذ بدء تاريخ توثيق معدلات الأمطار.

 

تساؤلات

وبطبيعة الحال فإنه في ظل هذه التخبطات الكبيرة في أحوال الطقس العالمية، لابد أن يتساءل الناس ما إذا كان التغير المناخي هو المسؤول. هل هذه الفيضانات المدمرة من صنع أيدينا؟ وهل هناك المزيد منها على الطريق؟

ليس هناك شك في أن درجات الحرارة العالمية آخذة بالارتفاع، وبحسب المبادئ الفيزيائية الأساسية فإن دفء الجو يؤدي إلى زيادة رطوبته لأن الهواء الأدفأ يمكنه أن يحمل كميات أكبر من الرطوبة. وتشير الدلائل الرصدية إلى أن الطبقة الدنيا من الغلاف تحتوي الآن على كميات ماء أكثر بـ ‬5 بالمئة مما احتوته قبل قرن، ما يمنحها كميات أكبر بكثير من الذخيرة المطرية.

إذاً، هل يفسر هذا الفيضانات الأخيرة؟ «لا أعتقد أننا نستطيع افتراض ان التغير المناخ لعب دوراً في هذه الأحداث الأخيرة، ما لم ننجز عملنا أولاً»، يقول مايلز ألين من جامعة أكسفورد، مشيراً إلى أن هناك أنواعاً عدة من الفيضانات، وبينما يزيد التغير المناخي احتمالات حدوث بعضها فإنه يقلل من احتمالات أنواع بعضها الآخر مثل تلك الناتجة عن ذوبان الثلوج.

لكن آخرين يرون أن الصلة أقوى من هذا، إذ يقول كيفن يرينبيرث من المركز الأميركي الوطني للأبحاث الجوية «مما لا شك فيه أن الزيادة المتواصلة في كميات بخار الماء بالجو تغير شدة تكثف البخار إلى مطر، وهذا ينطبق على كل الأحداث. حتى عندما تكون درجات الحرارة أو درجات الحرارة عند سطح البحر أقل من المعدل الطبيعي، فهي تبقى أعلى مما كان ينبغي لها أن تكون لولا تأثيرات التغير المناخي، وكذلك الأمر بالنسبة لكميات بخار الماء في الجو وبالتالي كميات الرطوبة المتوافرة لإطلاق العواصف.

وعلى سبيل المثال فإن ظاهرة النينا، وهي أخت النينو، والتي تجلب المياه السطحية الأدفأ ــ ومعها الهواء الأرطب ــ إلى غربي الباسيفيكي، تتحمل المسؤولية، بحسب عدد من الخبراء، عن بعض الفيضانات الأخيرة في آسيا وأستراليا. ويعتقد ترينبيرث أن ارتفاع درجات حرارة سطح البحر بسبب التسخن الأرضي لعب أيضاً دوراً في ما حدث، ويقول «النينا ترجح احتمالات مثل هذه الفيضانات، لكن ارتفاع درجات حرارة سطح البحر هو الذي يجعل شدتها قياسية».

 

انماط تتغير

من الواضح أن أنماط هطول المطر آخذة بالتغير. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يقوم كنيث كونكيل من مركز البيانات المناخية الوطنية بتحليل البيانات المأخوذة من أكثر من ‬1000 مقياس أمطار في أنحاء البلد. ولقد وجد أن شدة العواصف المطرية العنيفة التي تحدث بمعدل مرة بالسنة قد ارتفع خلال القرن الماضي، بمعدل ‬1,4 بالمئة كل عقد. وبعبارة أخرى فإن عواصف تلك الفئة في عام ‬2000 أنزلت كميات أمطار تزيد بـ ‬14 بالمئة عما كانت أنزلته في عام ‬1900.

 ويقول كونكيل ان «من الحكمة أن تأخذ المجتمعات هذه الأرقام بعين الاعتبار عند بناء سدّ جديد يراد له أن يدوم ‬50 أو ‬75 سنة، أو عند إنشاء مشروع سكني جديد. وهذا ما لا يقوم به أحد الآن». وعلى رأس المؤشر، تزداد شدة العواصف الماطرة التي تحدث «مرة كل ‬20 سنة» بشكل أسرع بمعدل ‬3 بالمئة كل عقد، وإن كانت الأرقام الإحصائية المتعلقة بهذه الأحداث النادرة أقل موثوقية. ويبدو أيضاً أن الزيادة الإجمالية في شدة العواصف المطرية آخذة بالتسارع أيضاً، إذ حدث معظمها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع أن كونكل لم يضمن بعد بيانات ‬2010 في تحليله، ويقول «عندما تأتي بيانات سنة ‬2010 أعتقد أنها ستكون مرتفعة جداً».