فئة قليلة منا سمعت بالتريبيوم أو النيوديميوم أو اليوروبيوم، لكن هذه المعادن المغمورة تلعب الآن أدواراً أساسية داخل تلفازك وهاتفك المتحرك وكمبيوترك المحمول.إنها مجموعة معادن الأرض النادرة التي لمعت عناصرها بشكل غير مسبوق في عصر التكنولوجيا العالية. تستخلص هذه المعادن من صخور تستخرج من المناجم الضخمة، وبدونها ما كان يمكن للكمبيوترات المحمولة وأجهزة «آي بود» والشاشات التلفزيونية المسطحة أن تصل إلى حجمها المضغوط الذي نعرفه اليوم. وعلى سبيل المثال، فإن كل هاتف ذكي يعتمد على ستة مكونات مشتقة من معادن الأرض النادرة. ولولا تلك المعادن، لكان هاتفك اليوم بحجم الكمبيوتر الشخصي.

لكن الأمر لا يقتصر على الأجهزة الذكية فقط، فالمعادن النادرة تعتبر عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في صناعة المغنطيسات القوية التي تمثل العنصر الأهم في ثورة الطاقة النظيفة، سواءً في مولدات طواحين الهواء أو في محركات السيارات الكهربائية.

كما أن لخصائصها الاستثنائية استخدامات مهمة في مصابيح توفير الطاقة، أجهزة التصوير بالرنين المغنطيسي، كابلات الألياف الضوئية والصواريخ الموجهة بالليزر. وبعبارة أخرى فإن هذه المعادن أصبحت جزءاً لا يتجزاً من نسيج تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين.

لكن هذه العناصر تضع العالم الآن أمام مشكلة عويصة، فالصين تنتج ‬97 بالمئة من تلك الفلزات الأرضية النادرة، وقد بدأت أخيراً بتقليص حجم صادراتها. وهذه أنباء تبعث على القلق بالتأكيد، فلقد نبهت الحكومات الغربية وصناعة التكنولوجيا إلى حقيقة أن دولة واحدة تحكم قبضتها على إمدادات هذه المعادن الحيوية، وهناك ضرورة للعمل سريعاً لتدارك هذا الواقع الخطير.

وتمثل المعادن الأرضية النادرة ‬17 عنصراً في أدنى جدول العناصر الكيميائية، وبرغم دلالات اسمها فإنها ليست نادرة كثيراً في عصرنا الحالي، لكن سبب تسميتها يعود إلى ندرة العثور عليها عندما اكتشفت في القرن الثامن عشر.

وتنتج الخصائص الفريدة للعناصر الأرضية النادرة عن طريقة ترتيب الإلكترونات في ذرات كل منها. فطبقة الإلكترونات المحيطية، التي تدور بعيداً على النواة، تشبه نظيراتها في ذرات معادن مثل الحديد والرصاص. لكن طبقة الإلكترونات الداخلية، التي تدور قريباً من النواة، تتضمن ما يعرف بـ «إلكترونات ‬4 إف»، والتي تتفاعل مع المجال الكهربائي للنواة بطرق تمنح تلك المعادن الأرضية النادرة خصائصها الفريدة.

ويقول البروفيسور ريكس هاربس، أستاذ علم المواد في جامعة برمنجهام البريطانية: «عندما يشكل النيوديميوم مزيجاً معدنياً مع الحديد والبورون، ينتج عن ذلك مغنطيس دائم يحتفظ بقوته حتى بسماكات تقل عن ميكرون واحد، على نحو يكفي لتوفير أداء جيد في مختلف التطبيقات من الأقراص الحاسوبية الصلبة إلى أجهزة التصوير الطبية والمحركات الكهربائية.» وهذه السمات الاستثنائية هي التي رفعت الطلب العالمي على العناصر الأرضية النادرة.

والذي وصل في ‬2009 إلى ‬134 ألف طن، في حين بلغ الإنتاج ‬124 ألف طن فقط، معظمها جاء من الصين.ولقد تم التعويض عن النقص من المخزون الاحتياطي المتناقص. وبحلول عام ‬2012 يتوقع أن يصل الطلب العالمي إلى ‬180 ألف طن مع ازدياد شغفنا بالكمبيوترات المحمولة والشاشات المسطحة، مما سيفاقم مشكلة نقص الإمدادات. وإذا أضفنا إلى ذلك ازدياد الطلب المحلي داخل الصين والقيود المتزايدة على الصادرات، ندرك الوضع المحرج الذي وصلت إليه صناعات التكنولوجيا العالية.

لكن كيف حدث هذا؟ يقول البروفيسور فيتاليج بيشارسكي، من جامعة ولاية أيوا الأميركية ان «الصين لعبت بذكاء كبير في هذا الموضوع. فلقد أجبرت البلدان الأخرى على التوقف عن إنتاج العناصر المعدنية النادرة عن طريق المبالغة في تخفيض أسعارها بشكل مصطنع وموجه، مستفيدة من تدني أجور اليد العاملة في الصين وقلة القيود البيئية المفروضة على عمل المناجم. وبالطبع فإن المصنعين حرصوا على الشراء من المورد الأرخص .

ولم تستطع شركات التعدين الغربية المنافسة في السعر، فاضطرت إلى وقف الإنتاج وإغلاق المناجم. وسمحت هذه السياسة التي انتهجتها الصين في أوائل التسعينيات في السيطرة على السوق. وقد صرح الرئيس الصيني دينج سياوبينج في ‬1992 أن «الشرق الأوسط يملك النفط، والصين تملك المعادن النادرة».

والآن بعد أن تنبه الغرب لهذا المأزق سارعت العديد من الشركات مدعومة من حكوماتها بإطلاق المشاريع لإعادة افتتاح المناجم المغلقة أو التنقيب في مناجم جديدة، لكن هذا سيستغرق سنين عديدة، ولذلك كما يقول جاك ليفتون الخبير العالمي في العناصر المعدنية النادرة «فإن الصين هي من تدير اللعبة الآن، وإلى أن يستأنف الغرب إنتاج المعادن النادرة بكميات كافية، سيبقى مصيرنا التكنولوجي في يد الصينيين».