يتجسد أحد أكبر الألغاز الجيولوجية التي تحير العلماء في صورة لسلسلة من الأنهار والوديان يبدو للناظر إليها أنها لمشهد على سطح الأرض، بينما هي موجودة في حقيقة الأمر في بحر الشمال على عمق كيلومتر تحت سطح الماء، وكيلومترين من الرواسب.
منذ تشكل قاع البحر قبل مليارات السنين وهو يغور بشكل متواصل، لكن قبل 55 مليون سنة حدث أمر غريب. ففي طرفة عين، بالمقاييس الجيولوجية، اندفع قاع البحر بشكل مفاجئ إلى الأعلى مرتفعاً حوالي كيلومتر عن مستواه السابق إلى أن برز فوق سطح البحر وجف. وبقي على هذه الحال لحوالي مليون سنة وهي فترة كافية لتشكل الوديان بفعل مياه الأمطار. ثم بعد ذلك غاص مجدداً عميقاً تحت الماء، وحدث هذا كله بسرعة مدهشة.
والسؤال الكبير هنا هو لماذا؟ لم يتمكن الجيولوجيون من الإجابة على هذا السؤال بأي من التفسيرات المعتادة. فالاصطدام بين الألواح التكتونية يمكن أن يتسبب بارتفاع مستوى مساحات كبيرة من قاع البحر، لكن ليس هناك أية ألواح متصادمة تحت بحر الشمال. ويمكن لقاع البحر ان يرتفع عند تشكل الصفائح الجليدية على السطح، لكن ليس إلى ارتفاع كيلومتر وليس في منطقة واحدة فقط. ويمكن أيضاً للبقع البركانية الساخنة التي تتدفق فيها حمم الصخور المنصهرة إلى الأعلى من أعماق الأرض أن تسبب ارتفاع مستوى قاع البحر، لكن أقرب بقعة بركانية ساخنة تبعد مئات الكيلومترات إلى الغرب، حيث تسببت في الماضي بتشكيل آيسلندا. كما ان المناطق البركانية تنتج ارتفاعاً بطيئاً على مدى ملايين السنين، وليس ارتفاعاً وانخفاضاً سريعين مفاجئين كما حدث في بحر الشمال.
والمثير للاهتمام ان ذلك اللغز الجيولوجي غير محصور في بحر الشمال فقط، فلقد حدثت أشياء مشابهة في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك في ساحل أنجولا وشبه الجزيرة العربية.
والآن، أخيراً وبعد طول انتظار، ربما يكون العلماء قد تمكنوا من حل ذلك اللغز. ويعتقد فريق من علماء جامعة كامبردج البريطانية ان السبب المرجح لذلك الارتفاع المفاجئ في مستوى قاع بحر الشمال هو نبضات من الصخور الباطنية فائقة السخونة، والتي تسمى بالاصطلاح التقني «البقع الفقاعية الساخنة». وهذه البقع أقل كثافة من المواد الأبرد المحيطة بها، لذلك فعندما تبرز تحت قشرة الأرض فهي ترفع بشكل مؤقت مناطق واسعة إلى الأعلى في الهواء. وفي بعض الحالات، يبدو أنها تنتشر على شكل تموجات متضائلة تدريجياً. وأكثر من ذلك ان العديد من الأماكن ربما شهدت سلسلة من النبضات المتعاقبة متسببة في ارتفاع وانخفاض مستوى الأرض بشكل متعاقب.
وفي حين ان تلك النبضات تظهر على الأرجح في المناطق البركانية الساخنة أو قربها، فإنها من حيث المبدأ يمكن أن تبرز إلى السطح في أي مكان بحسب فريق كامبردج. وإذا كانت هذه الفكرة صحيحة فإنها قد تحل الكثير من الألغاز المحيرة في الجيولوجيا، وربما أحد أعظم تلك الألغاز على الإطلاق، وهو سر بداية أسخن العصور في تاريخ الأرض. ويقول بريان لوفيل، أحد أعضاء فريق كامبردج، ورئيس الجمعية الجيولوجية البريطانية «إنه أمر مثير حقاً لأنك تستطيع الآن رؤية مشكلات الأرض القديمة بعيون جديدة. ولقد بدأنا بإعادة تفحص المشاهدات الجيولوجية السابقة التي لم نفهمها بسبب عدم وجود فرضية تساعدنا على تفسيرها».
إن فكرة وجود نبضات ساخنة في الغلاف الصخري للأرض الواقع بين القشرة والنواة ليس فكرة جديدة. لا بل ان أحد الأشياء القليلة المعروفة بشكل مؤكد عن الغلاف الصخري الذي يسمح أيضاً وشاح أو معطف الأرض هو أن كثافته ولزوجته وحرارته تتفاوت من بقعة إلى أخرى. وهذا يجعله في حالة خضخضة دائمة، حيث ترتفع الصخور الأسخن والأقل كثافة إلى الأعلى باتجاه القشرة، بينما تغور الألواح الأبرد والأكثف إلى الأعماق باتجاه النواة. وهذا الانتقال الحراري الذي يحدث داخل الغلاف الصخري هو الذي يولد طاقة حركة الألواح التكتونية.
ويوصل الحرارة إلى البراكين والبقع الساخنة الأخرى مثل ألسنة الحمم تحت هاوي وآيسلندا. ويأتي أقوى دليل على فرضية فريق كامبردج من منطقتين في شمال اسكتلندا، رسم العلماء لهما خارطة ثلاثية الأبعاد لما يوجد تحت قاع البحر فيهما من خلال القيام بتفجيرات خفيفة ومن ثم تحليل صداها.
كما كشفت الصور السيزمية التي أنتجتها صناعة النفط عن وجود سطوح يابسة قديمة مدفونة تحت طبقة من الرواسب بسماكة كيلومترين، وتظهر فيها أنماط واضحة لأشكال وديان وأنهار.
ومن المنتظر ان ينشر فريق كامبردج قريباً خريطة أكثر تفصيلاً للموقع.
